; دوغلاس هيرد والمبادرة البريطانية | مجلة المجتمع

العنوان دوغلاس هيرد والمبادرة البريطانية

الكاتب د. عبد الله صالح

تاريخ النشر الثلاثاء 11-مارس-1980

مشاهدات 69

نشر في العدد 473

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 11-مارس-1980

موضوع المبادرة لا يزال قيد الدرس والنقاش

المبادرة البريطانية: تعديل القرار 242 ليشمل حق تقرير المصير للفلسطينيين.

نجاح المبادرة يعني إضفاء الشرعية على إسرائيل لإطلاق يدها في استغلال خيرات بلاد المسلمين.

وللإجابة على هذه الأسئلة فلا بد من الاستعانة بتصور الرجل الزائر لطبيعة هذه المبادرة.

وصل البلاد دوغلاس هيرد وزير الدولة للشئون الخارجية البريطاني ضمن جولة تشمل الكويت واليمن الشمالي، وذلك ضمن المساعي الدبلوماسية البريطانية التي تهدف إلى إحياء العلاقات البريطانية بدول المنطقة وطرح مبادرة سياسية تتعلق بحل أزمة الشرق الأوس حلًا سلميًّا يأخذ بالحسبان «حق الفلسطينيين في تقرير المصير» فما هي هذه المبادرة وهل هي حقًا جديدة؟! وهل تملك بريطانيا بحكم ظروفها الاقتصادية والسياسية أن تترجم هذه المبادرة الدبلوماسية الكلامية إلى عمل؟ ثم هل من المصلحة الترحيب بهذه المبادرة والمضي معها حتى ولو برزت إلى عالم الواقع؟!

المبادرة تعديل طفيف بقرار 242

يقول هيرد في مقابلة مع وكالة الأنباء الكويتية يوم 5/3/80 إن نقطة البداية بالنسبة لنا هو إعادة تأكيد وإضافة ما قاله اللورد كارينغتون والوزير الأيرلندي كنيدي والآن الرئيس ديستان حول حقوق الفلسطينيين إلى القرار 242 وليس استبداله باعتبار أنه أصبح من حقائق التاريخ.

وهذا ما سبق أن عرضه كارنغتون في جولته التي شملت تركيا والسعودية وعمان والباكستان والهند.

وقد ذكرت كل من الفيننشال تايمز اللندنية والواشنطن بوست أن محور المبادرة البريطانية يدور حول استصدار قرار دولي جديد يستكمل القرار 242 لينص على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وستقوم الدبلوماسية البريطانية بحملة للحصول على الاعتراف الدولي بهذا الحق مقابل موافقة الفلسطينيين على حق إسرائيل بالوجود. وقد بدأت هذه الجهود فعلًا على مستوى دول السوق الأوروبية المشتركة كما بدأت على صعيد الفلسطينيين وبالذات منظمة التحرير الفلسطينية كما ذكر ذلك سعود الناصر الصباح سفير الكويت في لندن في مقابلة مع صحيفة الأنباء الكويتية الصادرة يوم 6/3/1980.

وذكرت الواشنطن ستار الأميركية أن التحرك الأوروبي بزعامة بريطانيا وفرنسا لتسوية سلمية للقضية الفلسطينية قد تم الاتفاق عليه بين وزير الخارجية البريطاني اللورد كارننغتون ووزير الخارجية الفرنسي فرانسوا بونسيه، وأضافت بأن مضمون هذا التحرك هو تعديل القرار 242 بملحق يعترف بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني ومن ثم عقد مؤتمر دولي جديد لمحاولة حل القضية الفلسطينية على أساس القرار 242.

وذكرت الصحيفة أن الملك حسين وافق على هذه الاستراتيجية ووعد بلعب دور فعال في تنفيذها وذلك خلال زيارته الأخيرة للندن.

والجدير بالذكر أن القرار 242 وإن أخذ صبغة دولية بصدوره عن مجلس الأمن الدولي إلا أن بريطانيا هي التي صنعت هذا القرار وهذا ما يجعل المراقب يقول بأن التصور البريطاني لحل القضية الفلسطينية هو هذا القرار وإذا استعدنا تصريح كارتر الذي ذكر فيه أن القرار هو وحده أساس أي حل لأزمة الشرق الأوسط فإنه بوسعنا تصور التقارب والتنسيق بين السياستين: البريطانية والأمريكية.

هل المبادرة بريطانية؟

وقد ذكرت مصادر دبلوماسية وصحفية أن المبادرة البريطانية- أو الأوروبية- قد تم الاتفاق عليها مع أمريكا والمسؤولون اليهود الكبار ذكروا ذلك صراحة في معرض انتقادهم الظاهري للمبادرة البريطانية ونحن نرجع أن هذه المبادرة ليست بعيدة عن الموافقة الأمريكية وهذه هي الإشارات:

□ فقد ذكر أكثر من مصدر أن هذه المبادرة لن تطرح بشكل جدي إلا بعد شهر مايو المقبل وهو الموعد المحدد لنهاية محادثات الحكم الذاتي حسب اتفاقيات كامب ديفيد.

□ ما نقله شفيق الحوت عن اللورد كارادون واضع القرار 242 من أن أميركا قد عرضت على منظمة التحرير عن طريق السعوديين اقتراحًا بالقبول بالقرار 242 والتحفظ على البند المتعلق بهم. «الوطن العربي 8/2/1980». 

□ إن الوضع الاقتصادي لبريطانيا ومشاكلها مع مجموعة الدول التسع الأعضاء في السوق الأوروبية المشتركة وإخفاق نفط بحر الشمال عن سد حاجتها الاستهلاكية، لن يمكنها من انتهاج سياسة مستقلة عن أمريكا.

□ وتشير الوقائع إلى أن السياسة البريطانية خلال التطورات الدولية الأخيرة كانت تابعة للسياسة الأمريكية فعندما طلبت واشنطن من دول أوروبا الغربية الموافقة على تثبيت قواعد صاروخ «بيرشنغ» على أراضيها قبلت بريطانيا الطلب في نفس اليوم وحددت أماكن هذه القواعد وعندما قرر كارتر معاقبة إيران اقتصاديًّا كانت بريطانيا الدولة الوحيدة التي سارعت إلى تأييده. واستطرادًا نقول: إن الدعوة البريطانية الأخيرة لتحييد أفغانستان إن لم تكن من اقتراح أمريكا- وهذا ما نرجحه- فهي تحظى بموافقتها على الأقل.

□ وقد ذكر مودليغ وهو سياسي بريطاني سابق من حزب المحافظين في مذكراته «إن بريطانيا لم تكن تتخذ قرارًا سياسيًّا، خصوصًا بعد العدوان الثلاثي على السويس، إلا بعد استشارة الولايات المتحدة».

وكمثال على ذلك يذكر مودلينغ أنه في عام 1956 عندما طلب الملك حسين جنودًا بريطانيين لحمايته من ثورة شعبية محتملة أن رئيس الوزراء في ذلك الوقت هارولد مكميلان قطع الاجتماع ليتصل بفوستر دالاس ليأخذ رأيه، ثم عاد إلى اجتماع مجلس الوزراء ليقول لهم «لقد تحدثت مع فوستر وقال إنه مهما كان قرارنا فإن الأمير كان سيدعموننا».

على أن التبعية البريطانية في السياسة الخارجية لأمريكا خاصة حيال أزمة الشرق الأوسط لا يتعارض مع إطلاق يد بريطانيا لرأب الصدع مع دول المنطقة بعدما فعلت بها السياسة الأمريكية ما فعلت كما أنه من المناسب لبريطانيا وأمريكا لو أمكن للأولى أن تخفف من اعتمادها على الثانية من الناحية الاقتصادية خاصة الطاقة ومصادرها.

المبادرة... كلام معسول

ومما سبق يتضح أن مضمون هذه المبادرة الذي لا يزال قيد الدرس والنقاش لدى المجموعة الأوروبية كما ذكر دوغلاس هيرد لا تعدو عن كونها وجهًا جديدًا للتصور الأمريكي للحل الذي أكد كارتر من جديد أنه لن يبعد عن القرار 242 واتفاقيات الكمب ديفيد. وإذا علمنا أن اتفاقيات الكمب ديفيد فرضها التصور اليهودي وهي في صالحه كما هو متفق عليه لدى جميع الأطراف العربية فإن هذه المبادرة ستكون ضمن هذا الخط.

وعليه فإن بريطانيا وأوروبا تريد من خلال هذا الكلام المعسول من خلال بياناتها وتحركاتها تأمين مصالحها الاقتصادية في العالم الإسلامي وتمضية الوقت لتكريس الوجود اليهودي في قلب هذا العالم المغلوب على أمره وفرض الواقع الذي خلقته اتفاقيات الكمب ديفيد.

أين المصلحة إذن؟

وإذن فمن العجيب أن نقرأ تصريحات صحيفة لمسؤولين عرب يرحبون فيها بالمبادرة البريطانية والمبادرة الفرنسية والمبادرة الأوروبية إلى حد جعل بعض هؤلاء المسؤولين يتصورون بأن أوروبا بدأت تخرج من فلك السياسة الأمريكية وتبني سياسة مستقلة، والحقيقة أن هذه النتيجة التي توصل إليها هؤلاء المسؤولون لم تبن عن دراسة واعية للسياسة البريطانية، بل نملك أن نقول: إنهم صدقوا بالطيبة والبساطة العربية ما يقوله الدبلوماسيون الأوروبيون.

إنه ينبغي التذكير بأن أوضاع الانقسام ومشاكل الفرقة والحدود الجغرافية في معظم بلاد المسلمين لم تكن إلا ثمرة خبيثة لسياسة «فرق تسد» التي اتبعتها بريطانيا الاستعمارية، وبريطانيا صاحبة وعد بلفور المشؤوم كانت ولا تزال منحازة لإسرائيل، فأين المصلحة إذن في الترحيب بهذه المبادرة والدور البريطاني الجديد؟!!

مبادرة غير عادلة

وإذا كتب للمبادرة البريطانية الجديدة المزعومة أن تترجم إلى واقع فإن ذلك يعني: 

1- الاعتراف من قبل جميع الأطراف العربية بما فيهم منظمة التحرير بإسرائيل «وحقها في الوجود ضمن حدود آمنة ومعترف بها».

2- إطلاق يد إسرائيل لتلعب دورها المخطط له في ريادة العالم العربي والإسلامي تكنولوجيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا، ولنتصور ما ينتج من ذلك من آثار مدمرة لكينونة الأمة الإسلامية ومقوماتها!

وهذا بحد ذاته ظلم فادح فضلًا عن كونه ذلًا وخضوعًا واستسلامًا يأباه الله ورسوله؛ فهل يرحب المسؤولون في الدول العربية بهذه المبادرة ويمضون فيها؟! وماذا ستكون النتيجة إذن؟ سنرى!

الرابط المختصر :