; المستشرقون والإسلام | مجلة المجتمع

العنوان المستشرقون والإسلام

الكاتب الأستاذ محمد قطب

تاريخ النشر الثلاثاء 08-مارس-1977

مشاهدات 80

نشر في العدد 340

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 08-مارس-1977

صحبتُ المستشرقين في كتبهم فترة غير قصيرة من عمري. ولا أزعم أني قرأت كل ما كتبوا، ولا يستطيع أحد أن يزعم مثل ذلك. ولكني أستطيع أن أزعم أني قرأت من كتبهم ما يكفي للاطلاع على أهدافهم ووسائلهم، وعلى الطرق الخبيثة التي يتدسسون بها إلى قلوب المسلمين وعقولهم. وأحب أن أقسم موضوعي إلى نقاط أو إلى أسئلة محددة نجيب عنها: من هم المستشرقون؟ ما أهدافهم؟ ما وسائلهم؟ ما خطرهم؟ أو بعبارة أخرى لماذا نهتم بهم؟ كيف نرد كيدهم؟ هذه الأسئلة المحددة أرجو أن أوفيها بقدر ما يتبقى من الوقت.

وعلى أني أرتب هذه الأسئلة ترتيبًا منطقيًّا فإني أسمح لنفسي أن أسارع بالإجابة عن السؤال الرابع إجابة سريعة. لمَ نهتم بهم؟ أو ما خطرهم؟ أعود بعدها إلى ترتيب الكلام المنطقي.

نهتم بهم لا لأن ما يقولونه في ذاته عظيم الخطر، ولا لأنهم يثيرون قضايا عميقة أو مشكلات عميقة أو لأن دراساتهم دراسات منهجية كما يزعمون. ليس هذا هو الذي يجعلنا نهتم بهم. إنما الذي يجعلنا نهتم بهم- مع التفاهة البالغة لما يقولون ومع أن الرد عليهم من أبسط الأمور لو كان المسلمون يعرفون دينهم معرفة حقة- لأن لهم تلاميذ ينتشرون في كل بقاع العالم الإسلامي، هم في الحقيقة دعاة ولكنهم دعاة ضد الإسلام. ثم إن هؤلاء المستشرقين جزء من مخطط كبير هو المخطط الصهيوني الصليبي لمحاربة الإسلام. ولا نستطيع أن نفهمهم على حقيقتهم إلا عندما نراهم في إطار ذلك المخطط، الذي يهدف إلى تخريج أجيال لا تعرف الإسلام، أو لا تعرف من الإسلام إلا الشبهات، ثم انتقاء أفراد من هذه الأجيال التي يرونها أطوع في أيديهم وأقرب إلى تنفيذ أغراضهم، ويبوئونها المناصب ويكبرونها في بلادها حتى تصل إلى مراكز القيادة، حتى تحكم بغير ما أنزل الله وتحارب الدعاة إلى سبيل الله.

من أجل هذا نتحدث عن المستشرقين، لا من أجل أن القضايا التي يثيرونها في ذاتها ذنزأ1أنات أهمية، ولا لأن دراساتهم منهجية، ولا لأن دراساتهم تحتاج إلى جهد في الرد عليها، إنما لما ذكرت من آثارهم في المجتمع الإسلامي.

وأعود بعد ذلك فآخذ الموضوع بترتيبه. من هم المستشرقون؟ إنهم يهود ونصارى. المستشرقون كلهم من اليهود أو النصارى، وأضيف لهم في العصر الحديث الشيوعيون، المستشرقون الشيوعيون، وأنا لا أعتبر أن هذه إضافة جديدة فالشيوعيون كلهم لا يزيدون عن كونهم نباتًا سامًّا من النباتات التي ينبتها اليهود في الأرض، وهم امتداد لليهودية العالمية ولا زيادة، وإن كان هناك مستشرقون من الشيوعيين فهم لا يزيدون عن أن يكونوا يهودًا أو نصارى، فلنقصر كلامنا على هاتين الفئتين؛ لأنهما همها اللتان تكونان المستشرقين ونتحدث عن كل فئة بذاتها. من هي؟ وما الذي يدفعها إلى خصومة الإسلام؟ فنأخذ النصارى، متى بدأ الاستشراق؟ عندما كانت الأندلس منارة للعلم والمعرفة التي يذهب الطلبة الأوربيون للتزود بها كما يذهب أبناؤنا الآن.

هؤلاء هم أول من تعلم العربية واطلع على الإسلام، وقد عادوا من بلاد الإسلام وعادوا من مدارس المسلمين يتكلمون اللغة العربية، ويحملون في قلوبهم وعقولهم تأثرات إسلامية، وبلغة العصر الحديث والتشبيه مع الفارق كانت الكنيسة تعتبرهم غزوًا فكريًّا إسلاميًّا بالنسبة لأوروبا؛ ولهذا فزعت الكنيسة من هؤلاء المبتعثين إلى مدارس المسلمين. ولتعلموا مدى فزع الكنيسة فلتستمعوا إلى هذا القرار الكنسي الذي تقول فيه الكنيسة «إن هؤلاء الشبان الرقعاء الذين يبدؤون كلامهم بلغات بلادهم ثم يكملون كلامهم باللغة العربية؛ ليُعلم عنهم أنهم تعلموا في مدارس المسلمين، هؤلاء إن لم يكفوا عن ذلك فستصدر الكنيسة ضدهم قرارات حاسمة». تدلكم هذه العبارات على فزع الكنيسة من التأثرات الإسلامية العائدة على المبتعثين الأوروبيين إلى مدارس الإسلام. وهنا جندت الكنيسة كُتَّابًا ليكتبوا ضد الإسلام وليدفعوا خطر الإسلام عن أوروبا. وهذه هي بداية الاستشراق. الكنيسة كلفت كتابها بأن يكتبوا يشتمون الرسول صلى الله عليه وسلم بأقذع أنواع السباب ويشككون في أنه رسول، ويشككون في صدق القرآن ويقولون إنه ليس من عند الله بل هو من تأليف محمد عليه الصلاة والسلام، ويقولون ما قالته الجاهلية الأولى ﴿إنما يعلمه بشر﴾ (النحل: 103)، ويحددون من البشر من علّم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يهاجمون القيم والمبادئ والشرائع الإسلامية، ثم يشوهون تاريخ الإسلام ثم يشوهون عظماء الإسلام- الرجال العظماء في الإسلام- فيصورونهم بصورة مشوهة.

هذا كله بُدئ به في العصور الوسطى لصد الإسلام عن أوروبا؛ لأن أوروبا كانت معرضة للغزو الإسلامي- كما يقولون هم وللفتح الإسلامي كما نقول نحن- بالتأثرات التي كان يعود بها الأوروبيون إلى مدارس المسلمين.

فالخطوة الأولى للاستشراق كانت لصد الإسلام عن قلوب الأوروبيين، التي كانت معرضة لأن يدخلها الإسلام، ثم اشتدت العداوة بين الصليبية والإسلام كما حدث في الحروب الصليبية وما بعدها، وظل الصليبيون بعد هزيمتهم الكبرى في الحروب الصليبية الأولى يتربصون الدوائر بالمسلمين. فلما سنحت لهم الفرصة في العصور الأخيرة تحركوا لغزو العالم الإسلامي بكل وسائل الغزو، لكنهم في هذه المرة اصطحبوا معهم وسيلة جديدة من وسائل الغزو؛ فقد تعلموا من الحروب الصليبية أن الحرب العسكرية وحدها لا تكفي، وإن هزم المسلمون فيها في مبدأ الأمر فإنه ما دامت العقيدة حية في قلوبهم فلا أمان للغزو الصليبي؛ فإنه مندحر بعد فترة من الزمان وإن طال، والمسلمون عائدون إلى دينهم وإن طال بهم العهد، أما إن استطاعوا أن يقتلعوا جذور العقيدة من قلوب المسلمين؛ فهنا يستطيعون أن يطمئنوا على غزوهم العسكري أن يطول أمده.

فجاءوا ومعهم في الغزوة الصليبية الجديدة ذلك السلاح الخطير وهو التبشير والاستشراق؛ لمحاولة اقتلاع العقيدة من قلوب المسلمين، حتى وإن خرجت الجيوش يظل لهم جيوش أخرى ممن يحملون أسماء مسلمة، وانصرفت قلوبهم عن الإسلام ولم يعودوا مسلمين في الداخل.

لنا صديق في مصر قال يوم خرجت الجيوش البريطانية بعساكرها: «خرج الإنجليز الحمر وبقي الإنجليز السمر» ويقصد بذلك الذين غُزيت قلوبهم من قِبَل الاستعمار، والذين استُعبدت أرواحهم لبريطانيا فصاروا يؤدون الغرض الذي تؤديه بريطانيا بغير وجود عساكرها في الأرض.

المبشرون والمستشرقون فئة واحدة وإن اختلفت في الظاهر وسائلهم. المبشرون فيما يقال يهدفون إلى تنصير المسلمين، وأردُّكم إلى ما ذكره فضيلة الشيخ ابن حميد في إشارته إلى مؤتمر زويمر اللعين، الذي أقام مؤتمرًا تبشيريًّا في القاهرة. على مقربة من الأزهر سنة 1906م أقيم مؤتمر تبشيري في القاهرة كان مقرره الأب «زويمر»، وهو من أخبث وأنشط المبشرين الذين عاشوا أو عاثوا في الأرض فسادًا «خاصة في هذه المنطقة». وفي ذلك المؤتمر قال للمؤتمرين كما حدثكم فضيلة الشيخ، قال لهم: «ليست مهمتنا هي تنصير المسلمين.. إن مهمتنا هي صرف المسلمين عن التمسك بالإسلام، وفي ذلك نجحنا نجاحًا باهرًا بفضل مدارسنا التبشيرية، وبفضل مناهج التعليم في مدارس الدولة». وعن هذا أريد أن أتحدث.

الاستشراق لا يخرج عن كونه وسيلة من الوسائل موازية لوسيلة التبشير، ولكن التبشير بدأ في العالم الإسلامي مع الجماهير، مع الدهماء؛ لأنه لم يكن هناك طبقة من المثقفين بعد تستطيع أن تلتقط سموم المستشرقين، فكان التبشير هو الذي يجري، وكان يجري في الشارع وفي الملجأ وفي المستشفى وفي كل مكان يستطيعون أن يصلوا إليه. فلما خرجت مدارس الدولة التي سطا عليها الاستعمار الصليبي، ووضع لها مناهجها التعليمية وخرَّج منها أجيالًا فيها الاستعداد لتقبل السموم، هنا بدأ المستشرقون يعملون؛ لأنه وجدت لهم القاعدة التي يعملون فيها والمناخ الذي يعملون فيه، وعملهم كعمل المبشرين سواء بسواء.. صرف المسلمين عن التمسك بالإسلام.

ولكني أخرج عن موضوعي لحظة فأقول إذا كان زويمر في الماضي قال للمبشرين في ذلك المؤتمر: إن مهمتنا ليست تنصير المسلمين فإن هذه مهمة لا طائل وراءها ولكن مهمتنا هي صرف المسلمين عن التمسك بالإسلام، أقول إن كان هذا قبل ما يزيد عن نصف قرن من الزمان فإنهم اليوم أجرأ، وهم اليوم يقومون بالتبشير على نطاق واسع، لا في البلاد التي يسكنها الوثنيون ولكن في البلاد التي يسكنها المسلمون، فهم ينصرون من أبناء إندونيسيا عشرة ملايين مسلم، ويفعلون في أفريقيا كثيرًا من ذلك ويردون مسلمين عن الإسلام، بل إنهم في قواعد الإسلام الأصيلة في مصر يقومون بالتبشير في كنائس الإسكندرية. قاموا بتنصير ما بلغ عدده فيما بلغني ما لا يقل عن مئة من المسلمين. فإذا كان قبل نصف قرن أو أكثر لم يكونوا يطمعون في أن ينصروا المسلمين بهذه الأعداد الهائلة فقد طمعوا. طمعوا لأن خريجيهم- الذين تربوا في أحضانهم أو في أحضان المخطط الذين هم جزء منه- قاموا لهم بمحاربة الإسلام في بلاد الإسلام وهم يحملون أسماء إسلامية، فتمكن التبشير أكثر وأكثر، واستطاع أن يقتطع هذا العدد الهائل المخيف من المسلمين يردونهم إلى النصرانية، ثم تشجعوا أكثر من ذلك فهم يسعون الآن إلى إقامة دول غير إسلامية في الأرض التي سكنها الإسلام وعمّرها أربعة عشر قرنًا من الزمان، فليتنبه المسلمون وليتنبه الدعاة إلى الأخطار التي تحيط بهم.

هذا ما يسمى المستشرقون النصارى. تلك قصتهم بدأوا بالكتابة ليصدوا الإسلام عن أوروبا، ثم استخدموا الحصيلة ذاتها حين سنحت لهم الفرصة لمهاجمة الإسلام في عقر داره. استعملوا الحصيلة ذاتها التي كانوا يستخدمونها لصد أوروبا عن الإسلام، في محاولة صرف المسلمين عن التمسك بالإسلام.

الفريق الآخر من المستشرقين هم اليهود، واليهود قصتهم مع الإسلام معروفة ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا (المائدة: 82) وكيدهم للإسلام قديم قِدَم الدولة الإسلامية؛ فمنذ ولدت الدولة الإسلامية في المدينة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ كيد اليهود ولم يكفّ أبدًا في التاريخ. وكل الفتن الكبرى في حياة الإسلام كان وراءها يهودي أو كان وراءها اليهودية العالمية، منذ عبد الله بن سبأ إلى وقتنا الحاضر، إلى كمال أتاتورك اليهودي الأصل المتسمي باسم إسلامي، وهو من يهود الدونمة الذين كانوا يسكنون في المغرب ووجهوا إلى تركيا. وُجهوا إلى اعتناق الإسلام ظاهرًا ليقوموا بهدف معين وقاموا به وهو إلغاء الخلافة، منذ عهد عبد الله بن سبأ إلى كمال أتاتورك إلى ما بعده واليهود يكيدون للإسلام، وجزء من كيدهم هو عملهم في ميدان الاستشراق. وأكتفي بهذا في إجابة السؤال الأول: من هم المستشرقون؟

ما هي أهدافهم؟ أهدافهم معلومة وظاهرة، وهي محاولة صرف المسلمين عن الإسلام.. محاولة تشكيكهم في دينهم.. محاولة تشكيكهم في كتابهم المنزل على رسولهم صلى الله عليه وسلم، في صدق الوحي، في عظمة تاريخهم، في عظمة رجالاتهم، في أمجادهم التي لا مثيل لها في تاريخ أمة من الأمم.

وأهم من كل شيء تشكيكهم في إمكان قيام بعث إسلامي وتخذيلهم من الداخل عن محاولة القيام ببعث إسلامي.. تلك أهدافهم مجملة.

ما وسائلهم؟ ينبغي لنا لكي ندرك الدور الذي يقوم به المستشرقون أن نضعهم في الإطار الكبير الذي هم جزء منه، إطار المخطط الصليبي الصهيوني ضد الإسلام ولا بد لنا أن نعرف شيئًا عن ذلك الإطار فإنه لا بد للداعية أن يعرف أعداءه ويعرف الخطط التي يستخدمونها لمحاربة دينه، وإذا كنا لا نستطيع أن نتبين خطط أعدائنا فسيدخلون إلينا وسيغزوننا من غير أن نتبين.

على سبيل المثال- وإن كنت أستعجل الحديث- مناهج التعليم في مدارسنا هي جزء من ذلك المخطط، وإذا لم نتدارك الأمر ولم ندرك ما دُسَّ في مناهج تعليمنا من السموم فلن نستطيع أن نقاوم تلك السموم بما تحتويه أو بكثير مما تحتويه، هي جزء من ذلك المخطط، وإذا لم نتبين كيف يتدسسون بمخططاتهم إلى وسائل إعلامنا فلن نستطيع أن نقاوم تلك المخططات. إذن لكي نعرف حقيقة الدور الذي يقوم به المستشرقون ينبغي أن نعرف شيئًا عن المخطط الكبير الذي يشكلون جزءًا منه.

متى بدأ؟ وما أهدافه؟ بدؤه قديم ولكن نقصر أنفسنا على الفترة الحديثة، ونبدأ على وجه التحديد من نهاية الإسلام من الأندلس، فإن الحروب الصليبية الحديثة قد انطلقت منذ تلك اللحظة، حينما انتهت آخر دويلة إسلامية في الأندلس وهي دويلة غرناطة سنة 1492م قسم البابا بلاد الكفار كما يقول، أي بلاد المسلمين، قسمها بين إسبانيا والبرتغال، وأذكر لكم ما أذكّر به طلابي دائمًا أن كلمة البرتغال أي البرتقال، واسمها على الخريطة هو الاسم العربي الإسلامي الذي وضعه المسلمون لتلك الأرض، وزرعوا البرتقال فيها وأسموها أرض البرتقال، وهذا هو اسمها إلى هذه اللحظة على الخريطة الجغرافية. قسم البابا تلك الأرض بين إسبانيا والبرتغال وقال لهم: انطلقوا في حرب المسلمين ولا تكتفوا بإزالة الإسلام من الأندلس إنما تعقبوه.

وبدأ تعقب المسلمين من تلك اللحظة ولكنهم لم يجرؤوا في هذه المرة أن يغزوا الإسلام من الشرق كما صنعوا في الحرب العالمية الأولى؛ لأن قوة الدولة العثمانية الرهيبة كانت تمنعهم وتزجرهم من أن يأتوا هذا الطريق؛ لذلك التفوا حول أفريقيا. ورحلة «فاسكودي جاما» التي اكتشف فيها رأس الرجاء الصالح كانت جزءًا من هذه الحرب الصليبية. ونحن نكذب على أبنائنا في كتب التاريخ ونعطيهم معلومات خاطئة مأخوذة من كتب الأوروبيين، وموضوعة لنا من قبل أولئك المستشرقين في مناهجنا لكي نعرف تاريخهم.

إن فاسكودي جاما البرتغالي لم يكن هو الذي كشف طريق رأس الرجاء الصالح، بل كان المسلمون يعرفونه قبل ذلك بأربعة قرون على الأقل إن لم يكن بخمسة، وكانت تجارة العالم كله تمر في أيدي المسلمين، من أرض الصين شرقًا إلى الجزر البريطانية شمالًا وغربًا، وكانوا يحفظون الشاطئ الآسيوي الأفريقي ويحفظونه على خرائطهم. وعلى هذه الخرائط اعتمد فاسكودي جاما في رحلته، ثم إنه من الثابت تاريخيًّا أن ابن ماجد البحارة العربي المسلم كان قائد سفن فاسكودي جاما، ونحن نغفل هذا كله عندما ندرّس هذه المعلومة في التاريخ لأبنائنا. والذي نفعله في التاريخ هو أخطر ما في هذه القصة، وهو قول فاسكودي جاما عندما وصل إلى جزر الهند: «الآن طوقنا رقبة الإسلام بالحبل ولم يبقَ إلا جذب الحبل فيختنق فيموت».

لم تكن رحلة فاسكودي جاما كشفية علمية، بل كانت رحلة كشفية صليبية، يكتشف الطريق للصليبيين ليعرفوا من أين ينفذون إلى العالم الإسلامي، بعدما عجزوا أن يأتوه من الشرق بسبب وجود القوة الرهيبة، قوة الدولة العثمانية، منذ ذلك الحين بدأ الصليبيون غزو العالم الإسلامي، ولم يأتِ القرن التاسع عشر الميلادي حتى كانت أرض الإسلام كلها قد خضعت للنصرانية عدا تركيا الأصل، الأرض التركية وأجزاء من الجزيرة العربية وبقية الأرض الإسلامية كلها خضعت للنفوذ الصليبي، وحين خضعت عمل فيها الاستشراق والتبشير.

وليس خروجًا عن موضوعنا أن أحدثكم بقصة قصيرة تعطينا الوسائل التي يتدسس بها أولئك القوم إلى قلوبنا وأفكارنا، حين جاء الاستعمار البريطاني إلى مصر في سنة 1882م كان المعتمد البريطاني- أي الحاكم البريطاني في مصر- اسمه (كرومر)، وزعم المبشرون في مصر أن كرومر يحارب أعمال التبشير، فشكوه إلى وزارة الخارجية البريطانية فأحيلت الشكوى إليه فجمعهم وقال لهم «هل تتصورون هل تعقلون أني أحارب نشاطكم؟ لا يعقل ذلك ولكنكم تستخدمون وسائل خاطئة.. إنكم تخطفون أبناء المسلمين الأطفال الصغار وتنصرونهم فيستفز ذلك مشاعر المسلمين فيتمسكوا بالإسلام وهذه وسيلة خاطئة.. قد اتفقت مع شاب تخرج حديثًا من كلية اللاهوت في لندن وهو (دانلوب) المستشار البريطاني الشهير واتفقت معه ليضع منهجًا تعليميًّا في المدارس وهو الذي سيحقق لكم أهدافكم».

ولا يتسع الوقت للحديث المفصل عن دانلوب وعن وسائله، ولكني لا أستطيع أن أغفل هذه النقاط السريعة من برنامج دانلوب، وأذكر بالذات ثلاثة مناهج، منهج «اللغة العربية» و«منهج الدين» و«منهج التاريخ»، لأنها هي التي وضع فيها أكبر قدر من السموم ونفذ بها أخطر مقررات المخططات.

البقية في العدد القادم/ الجزء الأخير

 

الرابط المختصر :