; هل اندثر البطل وضاعت البطولة في الأمة؟! | مجلة المجتمع

العنوان هل اندثر البطل وضاعت البطولة في الأمة؟!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 22-مايو-2010

مشاهدات 68

نشر في العدد 1903

نشر في الصفحة 45

السبت 22-مايو-2010

معالم على الطريق

هل اندثر البطل وضاعت البطولة في الأمة؟!

د. توفيق الواعي

لم يغادر البطل وعي الشعراء العرب وقصائدهم منذ فجر التاريخ، حتى صارت ظاهرة التغني بالبطولة والفروسية والكرم والشجاعة وغيرها من مفردات الحياة العربية حاضرة بشكل قوي في القاموس الشعري العربي، منذ امرئ القيس وحتى اليوم، ولذا يستحيل علينا أن نعدد حتى أبرز ما قالوه في بطولاتهم والبطولة عمومًا، كما جرت العادة في ملفات «القافلة«؛ لأن المختارات وحدها قد تملأ مجلدًا ضخمًا، ونكتفي هنا بالإشارة إلى أبرز العناوين العريضة التي يمكن أن تجمع تحتها ما قاله كبار الشعراء في البطولة.

فالدارسون لشعر البطولة العربية، أو ظاهرة البطل في الشعر العربي - قديمه وحديثه- يجدون صورتين واضحتين، لا تتقاطعان مع بعضهما وقد تكمل إحداهما الأخرى.

الصورة الأولى: هي أن يقوم الشاعر الفارس بالإعلان عن فروسيته وشجاعته وسمات بطولته بنفسه ومن خلال قصائده، وهي صورة تستند إلى بعض الوقائع على الأرض، وإرادة هؤلاء في أن يتناقل الآخرون هذه القصائد وترويجها، ليتم من خلالها ترويج صفات البطولة لهؤلاء الشعراء الفرسان.

 

يقول الشاعر عنترة العبسي:

ملأت الأرض خوفًا من حسامي

               وخصمي لم يجد فيها اتساعًا

      وفي موقف مشابه يقول شاعر العربية

المتنبي:

الخيل والليل والبيداء تعرفني

                 والسيف والرمح والقرطاس والقلم

        فيما يذهب الشاعر الفارس أبو فراس

 الحمداني حتى وصف أهله وقومه المحاربين

بالقول :

ونحن أناس لا توسط بيننا

       لنا الصدر دون العالمين أو القبر

ومثل هذه المكانة لا تتحقق إلا بشروط

البطولة والفروسية والكرم والمروءة والشجاعة والأخلاق.

وفي صورة شعرية تعلي من شأن البطولة والفروسية يقول الشاعر الفلسطيني الشهيد عبد الرحيم محمود:

سأحمل روحي على راحتي

             وألقي بها في مهاوي الردى

فإما حياة تسر الصديق

            وإما ممات يغيظ العدا

وهذا قرار لن يأخذه أو ينفذه إلا الأبطال الفرسان حيث كان الشاعر أحدهم، واستشهد في معركة حامية دفاعا عن وطنه عام 1948م.

الصورة الثانية: وهي أن يذهب شعراء آخرون لتخليد صورة البطل في قصائدهم، سواء كتبوا عن أبطال معروفين بأسمائهم، أو عن البطولة بشكل عام، من أجل تعميم هذه الصورة بين الناس.

وفي قصيدة ذائعة الصيت للشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان يقول فيها متحدثًا عن الفدائي - البطل الذي احتل مساحة واسعة في وعي الجمهور:

هو بالباب واقف

    والردى منه خائف

وخلال اندلاع الثورات الاستقلالية ضد الاستعمار الأجنبي لبعض البلدان العربية في النصف الأول من القرن العشرين، وجدنا الشاعر القروي «رشيد سليم الخوري» يمجد القوة كما لم يمجدها شاعر آخر بقوله:

تسلحوا واستعدوا للدهر سلمًا وحربًا

        فالليث ظفر وناب لولاهما كان كلبًا

وفي الزمن العربي المعاصر صار الشهيد هو البطل الذي لا ينازعه حضور في وعي الناس، وقد امتلأت صفحات ديوان الشعر العربي بقصائد لا حصر لها تتحدث عن الشهيد والشهادة، باعتبارهما صورة عالية المقام من صور البطولة والفداء، التي تتراجع أمامها صور كثيرة تتحدث عن البطولة والأبطال في التاريخ العربي، وقد توقف كثيرون أمام قصائد الشاعرة العربية الخنساء التي قالتها في أخيها «صخر» لترسم له صورة متكاملة من البطولة التي تحدث عنها العرب على مر الزمان، إذ تقول في مطلع إحدى قصائده:

أعيني جودًا ولا تجمدًا

        ألا تبكيان لصخر الندى

بطل في الوجدان العربي

أجمعت قواميس اللغة العربية - القديم منها والحديث - على تقديم تعريف يكاد يكون موحدًا للبطل، وقد اتفقت معظم التعريفات على وصفه بالشجاعة والإقدام والجرأة والسبق والإيثار.

وقد حفظ لنا تاريخ الشعر في العصر العباسي الثاني قصائد شاعر بلغ بها الذروة بين معاصريه من شعراء الحرية والبطولة في الذود عن حياض الدين والأمة، وهو أبو فراس الحمداني الذي حارب في كتائب ابن عمه سيف الدولة أمير دولة حلب الذي حمل لواء الإسلام في المعارك المتوالية ضد الروم، ولم يغمد أبو فراس سيفه إلا بعد أن وقع أسيرًا في قبضة العدو، وقد سميت قصائده بالروميات.

كما خلد ديوان الحماسة في الشعر العربي قصائد شاعر العربية الأكبر أبي الطيب المتنبي في تصوير الوقائع الحربية لسيف الدولة، وكان المتنبي أحد فرسانه المشهود لهم بالشجاعة أليس هو القائل:

عش عزيزًا أو مت وأنت كريم

            بين طعن القنا وخفق البنود

والقائل:

وإذا لم يكن من الموت بد

            فمن العار أن تعيش جبانًا  

وقد عبر عن جمعه بين الفروسية والشعر بقوله:

الخيل والليل والبيداء تعرفني

            والسيف والرمح والقرطاس والقلم

البارودي رب السيف والقلم

وتتوالى الحقب التاريخية حتى نبلغ العصر الحديث، فإذا بمحمود سامي البارودي يعيد أمجاد الشعراء الفرسان حتى أطلق عليه »رب السيف والقلم» لإبداعه في الأدب شعرًا وفي ساحات الحرب بطولة، وتجديده نسيج الشعر العربي الذي كاد أن يصبح رثًا في عصور العثمانيين والمماليك، فأعاد إليه ثوبه القشيب ورد إليه نضارته وجزالته، فصار بذلك رائدًا لمدرسة الإحياء الشعري التي ازدهرت على يد شوقي وحافظ ومطران ومن عاصرهم، ثم من خلفهم من أبناء الأمة العربية الإسلامية، ويكفي أن نستشهد بالأبيات الآتية للدلالة على مواهبه وقدراته العسكرية والشعرية: وما أنا ممن تأسر الخمر لبه

      ويملك سمعيه اليراع المثقب

ولكن أخوهم إذا ما ترجحت

        به سورة نحو العلا راح يدأب

نفى النوم عن عينيه نفس أبية

             لها بين أطراف الأسنة مطلب

وهكذا كانت البطولة صفة من صفات العرب، وكانوا مهابي الجانب، فماذا دهاهم اليوم قد فقدوا كل شيء شرفًا ورجولة وشجاعة وإقدامًا، فهل من عودة ورجعة إلى عهدنا الأول وتعرف البطولة موطنها فتأرز إليه.. نسأل الله ذلك .

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 44

111

الثلاثاء 19-يناير-1971

لعقلك وقلبك (44)

نشر في العدد 300

88

الثلاثاء 18-مايو-1976

من شذرات القلم

نشر في العدد 287

81

الثلاثاء 17-فبراير-1976

جلسة مع ابن قيم الجوزية (287)