; تقسيم كردستان وعتاب للإسلاميين | مجلة المجتمع

العنوان تقسيم كردستان وعتاب للإسلاميين

الكاتب عبدالرحمن أسبينداري

تاريخ النشر السبت 01-يونيو-2002

مشاهدات 60

نشر في العدد 1502

نشر في الصفحة 44

السبت 01-يونيو-2002

القضية الكردية، من القضايا الإسلامية التي لم تأخذ بعد حقها من اهتمام المسلمين بصورة عامة، والإسلاميين بصورة خاصة، بل إن الغالبية العظمى من المسلمين لا يعرفون إلا النزر اليسير عن الكرد وقضيتهم، ومعلوماتهم القليلة هي في الغالب غير صحيحة ومأخوذة من مصادر معادية للقضية الكردية.

ومع أن الذين كتبوا عن القضية الكردية -ولا سيما قبل غزو العراق للكويت- قلة، لدرجة أنه يمكنني أن أقوم بسرد أسمائهم، ولن يأخذ ذلك إلا وقتًا قصيرًا، إلا أن التناقض وعدم الوضوح كان واضحًا في تلك الكتابات، ومما يؤسف له أن كثيرًا منهم كانوا متأثرين إلى حد كبير بما تنشره الدول التي تتقاسم كردستان فيما بينها بعد أن وزعت عليهم من قبل الاستعمار في بداية القرن العشرين في اتفاقية سايكس بيكو المشؤومة عام ١٩١٦م.

فعلى مستوى الجماعات والأحزاب الإسلامية، لم يكن هناك وضوح في رؤيتها للقضية، وحين تحدث بعض منها، فإن الضبابية وعدم الوضوح، كانا واضحين على تصريحاتها، حيث إن أول ما يتم الحديث عنه دور الغرب في القضية الكردية، وهذا ليس له إلا معنى واحد، وهو أنه لم يكن هناك دور إسلامي في القضية، فاستغل الغرب ذلك نتيجة لتقصير المسلمين، ولا يهمنا هنا الرد على مقاطع البيانات أو تصريحات الشخصيات الإسلامية، بقدر ما تشغلنا مسألة نريد أن نثيرها أمام القراء الكرام وهي:

إن الجماعات والصحف والشخصيات الإسلامية التي تحدثت عن القضية الكردية أو عن الأكراد بصورة عامة -على قلتها- تجعل السبب الرئيس وراء تقسيم کردستان قيام صلاح الدين الأيوبي بتحرير القدس من الصليبيين، لذا قام الغرب بالانتقام من الشعب الكردي فقسمه هذا التقسيم الشيطاني([3]) ليترك وراءه بؤرًا ونقاطًا ساخنة لإثارة المشكلات والفتن في المنطقة.

من ذلك على سبيل المثال: ما ذكره المرشد العام للإخوان المسلمين، حيث قال: ما تعرض له الأكراد ولا يزالون، من تمزيق وحرب وكيد يعد انتقامًا لما قام به صلاح الدين الأيوبي، فقد قسموهم على خمس دول يلقون فيها العنت الكبير، وفي العراق لاقوا من صدام حسين القتل والتشريد([4]).

ومن ذلك أيضًا ما تذكره مجلة المجتمع بين الحين والآخر، وما ذكرته مجلة الرابطة في افتتاحية العدد ٤١٣ في حديثها عن القضية الكردية: «ولكنها مأساة شعب مشرد مدمر يزيد عدده على ثلاثين مليون نسمة، شعب أصيل مسلم يحلم أن يكون له وجود مادي ومعنوي تحت الشمس شعب أبي كل ذنبه أنه قدم للعالم ذات يوم قائدًا تاريخيًا اسمه صلاح الدين».([5])

وما ذكره الأستاذ فهمي الشناوي «وليس خافيًا أن صلاح الدين الأيوبي كان كرديًا، وأن الأكراد هم الذين كسروا سيف الصليبية في وقت خضع بـها وانحنى العرب وتحالف كثير منهم من أمراء الصليبية، فالصليبية المعاصرة تنتقم من أحفاد صلاح الدين»([6])، ومثل هذه الأقوال كثير.

نقول: إذا كان الإسلاميون يقرون بأن الشعب الكردي هو ضحية تاريخه، وما قام به من أجل الإسلام والمسلمين، فما المطلوب عمله للشعب الكردي؟

هل المطلوب من الإسلاميين محاولة هدم ما بناه الاستعمار في اتفاقية سايكس بيكو، وإزالة آثاره وإعادة الحقوق للشعب الكردي حيث يحق له أن يعيش على أرضه مصان الدم والمال والشرف؟ وردم التراب على البؤر التي تركها الغرب ما يقولون من خلال معالجة الأمر، بإعطاء الأكراد حقوقهم، وجعلهم مساوين لبقية شعوب المنطقة؟ هل هذا هو المطلوب؟

أم أن الأمر يتطلب منهم «تقديس» عمل الاستعمار الغربي فيما قام به تجاه الشعب الكردي والاستمرار في سياسة الانتقام التي قام بها الغرب ضد الأكراد ومحاولة الإبقاء على هذه البؤر التي سماها البعض الخناجر في خصر الأمة العربية وجعل قرارات سایکس بيكو من الثوابت التي لا يمكن التنازل عنها في الحال، وكأنها أصبحت من مصادر التشريع الثابتة؟

المطلوب من الإسلاميين -حتى لا يناقضوا أنفسهم فيما ذهبوا إليه من أن الغرب قسم الشعب كردي انتقامًا من صلاح الدين- أن يقوموا بإزالة آثار الانتقام الغربي على الشعب الكردي، وإعطائهم حق تقرير المصير  ولو من الناحية النظرية من خلال تأييد ذلك الحق- وبذلك يسد الإسلاميون بابًا فتحه الغرب لإثارة المشكلات في المنطقة كما يقولون، حتى لا يقعوا في التناقض بالإصرار على ما قام به الاستعمار وجعل عمله من الثوابت.

إن النصارى يدعون أن عيسى صلب، وأن المسامير قد دقت في جسمه، ثم يقومون بعد ذلك بتقديس الصليب والمسامير، والواجب أن يكره النصراني الصليب والمسامير لا أن يقدسهما، كذا الحال مع القضية الكردية، فمن جانب يريد الإسلاميون إقناع الشعب الكردي بأن ما يتعرض له إنماالسبب فيه هو الغرب الحاقد على الإسلام والمسلمين الذي لا يريد إلا الإساءة إلى المنطقة، ومن جانب آخر يصرون على الالتزام بما صنعه الغرب، بل يصل بهم الأمر إلى تقديس ذلك.

هل من الممكن أن نجعل قرارات سايكس بيكو من الثوابت الإسلامية التي لا تقبل التغيير؟ ونجعل الحفاظ على عمل الاستعمار مطلبًا من المطالب الإسلامية([7])؟ أقول للإخوة العرب بصورة عامة والإسلاميين بصورة خاصة إذا كان الغرب لا يزال يتذكر ما فعله الأكراد بهم من إخراج القدس من تحت أيديهم فانتقامًا منهم قاموا بتقسيم كردستان إلى خمسة أجزاء، فلماذا لا يتذكر الإخوة العرب ولو مرة واحدة ما فعله الأكراد لهم، ويعطون للأكراد حقوقهم فإن كانوا غير قادرين على عمل شيء فليتركوهم يحصلوا على حقهم في التحرير والاستقلال والعيش بحرية على أرضهم المقسمة دون تدخل أو إيجاد أدلة على تحريم ذلك، أو اتهامهم بأنهم ورقة بيد الغرب، وما إلى ذلك من التهم.

لو أن الغرب يريد إثارة المشكلات في المنطقة باستخدام الورقة الكردية، فإن الذين يصرون على عدم إرجاع الحقوق إلى أهلها ويقدسون قرارات سايكس بيكو يشاركون الغرب في عمله.

فإما أن يفعل العرب ولا سيما الإسلاميون منهم للأكراد شيئًا، ولو كان معنويًا يتمثل بتأييد حقهم في العيش على أرضهم كردستان، أو ليسكتوا وليتركوا الغرب يفعل ما يريد بالمنطقة.

وإن سأل سائل ماذا يريد الأكراد؟ أقول بإيجاز إن الكردي لا يريد أكثر مما يريده كل عربي أو تركي أو فارسي، هذا ما يريده الأكراد.

المجتمع من الواضح أن الشعور القومي طغى على كلام الأخ عبد الرحمن فلم يترك مجالًا للشعور الإسلامي، وإذا أردنا أن نوضح الموقف في نقاط موجزة نقول:

1-إن الأصل في حياة المسلمين هو الوحدة ومن ثم لا يقبل الإسلاميون بأي دعاوى قومية تحبذ الانفصال تحت اسم الاستقلال.

2-   أن الوحدة ينبغي أن تتم تحت مظلة الحكم الإسلامي، وبرضا الشعوب ولا تفرض فرضًا بواسطة حاكم مستبد يسعى المجد شخصي أو يروج لدعاوى مخالفة للإسلام.

3-   الإسلاميون يحبون لإخوانهم الأكراد ما يحبونه لأنفسهم، ولذا فإنهم يقبلون طواعية بل يدعون باستمرار الوحدة الشعوب الإسلامية، فلا يعقل أن يطلبوا للأكراد غير ذلك.

4-   أن مشكلة الأكراد أنهم وقعوا -في الدول التي ضموا إليها- تحت أنظمة لا تراعي حقوقهم و خصوصياتهم، ولو عاشوا تحت حكم إسلامي صحيح لما اشتكوا مما يعانون منه الآن.

5-   يتحدث الأخ عبد الرحمن وكأن الإسلاميين هم سبب نكبة الأكراد، أو كان الحكومات التي تظلمهم تنتظر رأي الإسلاميين، وقول الإسلاميين النتيجة لو أعلن الأكراد في الدول التي ينتمون إليها اليوم الحرب من أجل الاستقلال من سيحاربون ألن يحاربوا مسلمين؟ وكم من الدماء ستراق من الجانبين من أجل دعوى قومية وهل تستحق الدعاوى القومية مثل تلك الحرب ولماذا لا إن الغرب ينتقم من الأكراد، ليس دليلًا على وجوب استقلال الأكراد عن الدول التي يعيشون فيها اليوم، فليسأل الأخ عبد الرحمن نفسه: ماذا تكون يدرس الأخ عبد الرحمن الموضوع من باب أن درء المفاسد مقدم على جلب المنافع؟

6-   ألم يكن الأكراد قبل التقسيم يعيشون ضمن دولة الخلافة هل كانت الدعوى القومية قائمة آنذاك؟ إن السبب الرئيس لاستفحال هذه الدعاوى هو الظلم المستند إلى تفضيل عرق أو عنصر معين ولو كانت هناك مساواة لما ظهرت الدعاوى القومية.

7-   الأكراد يهاجرون بالألوف إلى مختلف دول العالم، ترى هل سيطالبون بإقامة دول كردية في كل بقعة يحلون فيها أم يقبلون بجنسية تلك الدول؟ أليس من الأولى القبول بالتعايش مع إخوانهم المسلمين؟

8-   وأخيرًا نعتب على الأخ عبد الرحمن قوله: إن الإسلاميين يقدسون اتفاقية سايكس بيكو فاللفظ غريب، وهو يعلم أو ينبغي أن يعلم أن الإسلاميين يرفضون سياسات عدوهم ولا يقبلونها فضلًا عن أن يقال إنهم يقدسونها.

الهوامش

([1]) طالب دكتوراه في قسم الدراسات القرآنية والحديثية في الجامعة الإسلامية العالمية- ماليزيا.

([2]) الإسلاميون الأكراد بدورهم يركزون على هذه النقطة كثيرًا: محاولة منهم لكسب دعم ومساندة الشعوب الإسلامية للقضية الكردية من أن أحفاد صلاح الدين يتعرضون للظلم والاضطهاد!  

([3]) مشهور مصطفى أخطار جسام تحيط بالأمة الإسلامية، جريدة الشعب المصرية، نقلًا عن المنارة العدد ٧، ١٤١٧هـ، ص ٩٧

(4])  الحساني، محمد أحمد: القضية أكبر من أوجلان الرابطة عدد ٤١٣، يوليو ١٩٩٩م، ص ٢.

([5])  الشناوي، فهمي: الأكراد يتامى المسلمين مجلة المختار الإسلامي عدد (٩٦).

([6]) مجلة دار السلام، حوارات حول المشروع السياسي الإسلامي في العراق، العدد ١٤٦، صفر ١٤٢٢هـ، مايو ۲۰۰۱م، ص ۲۷.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2062

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 17

100

الثلاثاء 07-يوليو-1970

حدث هذا الأسبوع - العدد 17