العنوان المجتمع الثقافي(1242)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-مارس-1997
مشاهدات 55
نشر في العدد 1242
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 18-مارس-1997
ومضة
على فرض أن المنادين باستيراد الأفكار والسلع والقيم الغربية، ما دفعهم لذلك إلا حب الخير لبلادهم، والرغبة في أن يروها تعيش وتتمتع، كما يعيش ويتمتع الآخرون، فهل فكروا باقتباس ما يتناسب ويتلاءم مع طبيعتنا وحاجتنا؟ أم أن اختيارهم كان يستهدف فقط نقل تجربة الشعوب الأخرى بخيرها وشرها، وحلوها ومرها، بصرف النظر عن ملاءمتها لظروفنا وتلبيتها لاحتياجاتنا؟
إن كان ذلك كذلك، فقد جانبهم الصواب مرتين الأولى عندما أرادوا نقل التجربة قبل أن يعملوا على تهيئة المجتمع لقبولها والتعامل معها أو الاستفادة منها، والثانية عندما لم يراعوا مصلحة المجتمع وما يناسبه أو يتماشى مع تكوينه.
خذ لذلك مثلًا باستيراد التجربة الاشتراكية والتي فرض تطبيقها على أكثر من بلد عربي وإسلامي، هل تقبلت الشعوب هذه التجربة باختيارها وإرادتها الحرة؟، وهل استطاعت تحقيق الطفرة النوعية المرجوة في المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية؟!!
ومثال آخر: نقل التجربة العلمانية التي هيمنت نخبها على كثير من بلاد العرب والمسلمين... هل أريد منها تحقيق الغاية نفسها التي حققتها في بلادها عندما وقفت في وجه الكنيسة التي شاركت مع الإقطاع والأباطرة، في صنع الثالوث الاستبدادي، الذي أذل العباد، وأرهق كاهلهم بالضرائب والإتاوات؟
ولماذا إذن تحالفت مع الأنظمة المستبدة ورجال الأعمال المستغلين في مواجهة الدين؟ وكان من المنطقي أن تقف مع الدين لأنه السبيل الأقرب والسلاح الأمضى لتحجيم الاستبداد والقضاء على الاستغلال أضف إلى ذلك أن الشعب بقضه وقضيضه كان سيقف معها، ويؤازرها، ويشد على يديها، مما يعطيها دفعة قوية، لأن الشعب يجد فيها عند ذلك أمله الذي يسعى إليه، ويضحي بكل ما يملك من أجل حمايته واستقراره.
أخيرًا، لماذا تنقلب العلمانية على عقبها فبينما كانت في فترة سابقة مع الشعوب المضطهدة، تحولت في بلادنا المساندة لطغاة وتبرير مواقفهم، وتزيين طغيانهم في عيون المظلومين؟
العلامة أبو الحسن الندوي لـ المجتمع:
يظهر الإسلام في مظهره الصحيح إذا قاد العرب ركبه وحملوا مشعله
حبي للعرب يخرج من مشكاة النور التي حباهم الله تعالي.. وعليهم أن يرتفعوا إلى هذا الأفق المضيء من جديد
الشعوب التي لا تصوغ أجيالها الجديدة تربويًا.. شعوب ضائعة هابطة إلى مهاوي الحضارة وحضيض الإنسانية
الطابور الخامس من عملاء الاستعمار الذين يمثلون قوى التسخير والاستحمار... أصبحوا الآن جميعاً في مراكز الاستهجان والطرد
أدعو الحركات الإسلامية إلى أن يدرسوا بعناية تجربة الداعية الهندي أحمد الرهندي مع جلال الدين أكبر
إذا رفض الحكام المسلمون النصيحة... فإنني أدعوهم إلى أن يصغوا إلى أصوات ضمائرهم
حاوره في إسطنبول: محمود خليل
العلامة أبو الحسن الندوي رجل يحملك إلى الصدر الأول من رجالات هذا الدين... الذين يحسنون فهمه، ويخلصون في العمل له، ويجيدون تقديمه للناس هداية وهدى.
ينتمي إلى أسرة كريمة، مثلت دورًا تاريخيًا في بث الدعوة والعقيدة والتربية والتزكية في الحفاظ على صورة الإسلام الصحيحة في شبه القارة الهندية، ومثلت مرجعية مضيئة لهذه الرسالة في شتى الأقطار والديار.
ولد سماحته بقرية «تكية» في المحرم سنة ١٣٣٣ هـ عام ١٩١٤م، أمد الله في عمره وأدام به نفع الإسلام والمسلمين.
له عدد ضخم من الكتب والرسائل بالعربية والأردية والإنجليزية، يبلغ (١٦٥) كتابًا ورسالة تمتد على ساحة العمل الإسلامي كله في التفسير والتاريخ والسنة والأدب والدعوة والترجمة والتربية والأخلاق والفكر الإسلامي، يأتي على رأسها كتابه القيم ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، وإلى الإسلام من جديد، والصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية.
يترأس الآن ندوة العلماء بالهند، وقد عمل أستاذًا زائرًا في العديد من جامعات العالم الإسلامي والغربي، قدم خلالها عددًا من المحاضرات التي تنطق بتبحره في العلوم الإسلامية، والآداب المعاصرة، وتشهد بنبوغه في ترحاله عبر الأرض والتاريخ والحضارة... ومن قبل ومن بعد... فإنه يحمل حبًا خاصًا للعرب.. أمة الدعوات ومهد الرسالات.
وقد التقته المجتمع بمدينة إسطنبول بتركيا، عبر محاورة مطولة... كانت فيها كلماته مفعمة بالحكمة والتأمل والإخلاص العميق.
- بماذا تفسرون هذا الحب الخاص للعرب الذي تنطق به معظم مؤلفاتكم وأحاديثكم... على الرغم من أن حال العرب الآن... قد لا يشجع على مثل هذا الحب العميق؟
لقد اختار الله العرب للإسلام لخصائص طبيعية، ومزايا خلقية ينفردون بها، كما قال الله أولاً عن بني إسرائيل: ﴿وَلَقَدِ ٱخۡتَرۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ عِلۡمٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ (الدخان: ۳۲)، كما عقد الله بين العرب والإسلام للأبد، وربط مصير أحدهما بالآخر، فلا عز للعرب إلا بالإسلام، ولا يظهر الإسلام في مظهره الصحيح إلا إذا قاد العرب ركبه وحملوا مشعله، ولم يشوش هذا الصفاء إلا حوادث كان مصدرها أشخاص وأغراض، ولكنها جنت على هذه الأمة الميمونة، ولكن بقي العرب يعيشون بالإسلام وللإسلام، وبقي تاريخ كل منهما متصلًا بتاريخ الآخر، متداخلًا بعضه في بعض.
والعرب هم حواريو النبوة الصادقة الخاتمة وإذا كان العرب اليوم يملكون النفط، وهو هدية الأرض إلى الأرض، فإنهم يملكون ما هو أعز وأغلى وأعلى.. ألا وهو الإيمان وهو هدية السماء وهدايته إلى الأرض.
ولذلك فإن حبي وشغفي بالعرب.. لا يخرجًا من منظور قومي ضيق، أو عرقية بالية.... إنما يخرج من مشكاة النور التي حباهم الله تعالى بها، واختص أرضهم ولغتهم بالرسالة الخاتمة، والكتاب الخاتم، وعليهم أن يرتفعوا إلى هذا الأفق المضيء من جديد، ليفكروا للدنيا كلها بدلًا من أن يفكروا لأنفسهم...
ولقد صدق شاعر الإسلام الكبير الدكتور محمد إقبال حين قال: لا عجب إذا انقادت لي النجوم، وخضعت لي الأفلاك والكواكب، فقد ربطت نفسي بركاب سيد الخلق العظيم الذي لا يأفل نجمه، ولا يعثر جده، إمام الرسل البصير بالسبل، الذي وطأت قدمه الحصباء فأصحبت إثمدًا يكتحل به السعداء»، وهل للعرب أشرف وأغلى من ذلك؟
- ومن واقع خبرتكم الواسعة، علميا وادبيا ودعويا... كيف تنظرون إلى الرسالة المعاصرة للأدب الإسلامي إذن؟
مما يتوفر عليه علماء النفس والحضارة والتاريخ، أن الأدب له تأثير كبير في صياغة الأفراد، وصلاحية القيادة وتكوين الشعوب، فإذا كان الهدف واضحًا وخاضعًا للأساليب الصحيحة، فإنه يتوصل حتمًا إلى الغايات المستهدفة المرضية لله، والمصلحة للناس.
والأدب هو الذي يصوغ وجدانات الشعوب ويحمل في طياته وأمواجه ذوب فكرها وعقلها وعواطفها، وكل شعب مهما كانت درجة الثقافة التي يقف عليها، والتجربة التاريخية التي يتمتع بها فإنه يرنو إلى هدف صانع بناء... يصوغ الأجيال الحديثة على الأهداف التي يؤمن بها، والشعوب التي لا تقوم على مثل هذه الأهداف الصياغية التربوية الممتدة، إنما هي شعوب ضائعة هابطة إلى مهاوي الحضارة وحضيض الإنسانية.
وشعوبنا الإسلامية لها خصيصتها الحضارية والعالمية المستمرة والتي ترنو إليها الدنيا كلها اليوم، وهي هذه الرسالة التربوية الممتدة.. والتي يعتبر الأدب الإسلامي أحد سفراتها المهرة في هذا المجال.
لأننا نرى أن الإسلام ليس مرافقًا أو قادرًا على مسايرة الزمان فحسب بل هو قائد الزمان وموجهه، ومن خلال الأدب يستطيع الموهوبون من الإسلاميين أن يولدوا هذه الحياة الجديدة والإيمان الجديد، وأراني أقف الآن أمام كلمات شاعر الإسلام محمد إقبال وهو يقول:
لا خير في نشيد شاعر، ولا في صوت مغن إذا لم يفضيا على المجتمع الحياة والحماس، لا بارك الله في نسيم السحر إذا لم تستفد منه الحديقة إلا الفتور والخمول والذوى والذبول.
وهذه هي رسالة الأدب الإسلامي المعاصرة كما أراها... إنها البعث والتربية والإحياء للدنيا كلها من جديد.
أصالتنا وعالمية الأدب:
- هناك من يرى أن الآداب والفنون ومعظم العلوم المعاصرة، إنما هي أشياء عالمية، فلماذا التخصيص... ومحاولة التميز والتمييز؟
نشرت منذ مدة مقالًا بعنوان «الجباية والهداية»... فحواه أن أمة الهداية تحمل الخير للعالمين كما تأتي الأمطار بالخصب والزرع، وكما تأتي الأشجار بالفاكهة والثمر.. مهما تحملت في هذا السبيل.. أما أمة الجباية، فكل همها هو تضخم الأرقام والميزانيات، وكثرة الدخول والإيرادات، وإن كان ذلك على حساب امتصاص دماء الفقراء وسحق الشعوب....
ومن باب التأمل المحض.. أدعو الناس أن يسيحوا في الأرض، وأن يشاهدوا الأمم والشعوب، وإنهم سيرون –لا محالة– أن أزمة واحدة لا ثانية لها، تجتاح البشرية وتطحن شعوبها، وتذهب بحلاوة الحياة من أمامها – إنها أزمة «الإيمان والأخلاق».
والقيادة العالمية الآن قد ضلت الطريق، وهي لا تزيد بالبشرية كلها إلا بعدا عن رسالتها وقربًا من الهاوية، وفي هذا الوضع الشاذ على المسلمين أن ينهضوا بدورهم الإنقاذي لهذه البشرية الهالكة لا محالة إن هي استمرأت هذا الضلال المبين.
وإن المسلمين في عصرنا هذا ما قدروا وظيفتهم التي ورثوها عن سيد المصلحين محمد r، وبالتالي فقدوا مكانتهم كدعاة وهداة....واستبد بهم الجناة والجباة... وبالتالي فإن الآداب والفنون والعلوم مهما كانت عالمية التداول والاستغلال والانتفاع، إلا أنها خصوصية الابتكار والإبداع.. ولكل منهما ما يمكن أن نسميه بالبصمة الحضارية.. وبخصوص المسلمين، فإن هذه البصمة الحضارية، لا بد أن تحمل معها كل سمات الإنقاذ وملامح الهداية ودلائل الرشاد...
وبخصوص الأدب الإسلامي، فإنه لا يعارض الأدب العالمي أبدًا... ولكل منهما أهدافه وأبنيته وفعاليته وغاياته.. وأنا كتلميذ من تلاميذ التاريخ العالمي أقول: إن المؤامرات الثقافية ومنها الآداب والفنون.. قد نجحت من خلال الأدب فيما لم تنجح فيه كل وسائل المؤامرات.
وقد وقع ذلك في بلادي في الهند وفي الأدب الإيراني.. حيث أسست آداب هذه الشعوب على مبادئ إغريقية ورومانية ولا دينية.
وواضح من الأمثلة القريبة جدًا في البلاد العربية حيث عبثت المناهج الاشتراكية والشيوعية بآداب وفنون هذه البلاد، فخرجت أجيال قد تمت برمجة عواطفها وأفكارها ووجداناتها، بحيث لا تعمل للإسلام، إن لم تتركه أو تعاديه.
ومن هنا؛ فإن الأدب الإسلامي والفنون الإسلامية لها هذه الخصوصية التي أشرت إليها والتي لا تتعارض مع الآداب العالمية بل تأخذ بأيديها من الظلمات إلى النور ومن الضلالة إلى الرشد.
إقبال... شاعر أنطقه الله:
- وإذا أردنا أن نقدم نموذجًا لدعاة الهداية الذين ارتفعوا بالأدب الإسلامي إلى هذا الأفق.. فمن تراه يمثل هذا الأنموذج؟
إنني أرى أن هذا النموذج قد يكون إفراده مجحفًا بحق غيره، فكم من العظماء أنجبهم تاريخنا، وكم من العمالقة والحكماء والنابهين ممن كانوا من أبناء الإسلام أو أبناء حضارته.. لكنني أرى أن الدكتور محمد إقبال فيلسوف الإسلام رجل له خصوصية معينة... وأنا هنا لا أرفعه إلى قداسة أو عصمة ليست له بل إنني أرى أن الحكيم السنائي وفريد الدين العطار والعراف الرومي كانوا أرفع منه بكثير، لكنني أرى في الوقت نفسه أن إقبالًا رجل أنطقه الله بالحكمة في زمن الضلالة، فقد ولد بعيدًا عن مهد الإسلام من سلالة برهمية قريبة العهد بالإسلام، في بيئة يحكم فيها الإنجليز وتسود فيها الثقافة الغربية أو اللا دينية، وعاش في وقت كادت فيه روح الإسلام تذبل وتذوى، ثم هب والقرآن أمامه، وفتح عينيه على الطبيعة من غير حجاب ليبني لنفسه فلسفة ترد المسلم إلى ثقته بنفسه وربه، وتراه هو مصدر الانقلاب الصالح في هذا الكون، الذي سيطر عليه الفساد، وأنه مؤذن الفجر في الليل البهيم.
| إنما الكافر حيران | له الآفاق تيه | |
| وأرى المؤمن كونا | تاهت الأكوان فيه |
ويقول للمسلمين مذكرًا، ومحفزًا لهم. ليدركوا دورهم قبل الفوت أو الموت:
| بلغت نهاية كل أرض خيلنا | وكأن أبحرها رمال البيد | |
| في محفل الأكوان كان هلالنا | بالنصر أوضح من هلال العيد | |
| في كل موقعة رفعنا راية | للمجد تعلن آية التوحيد | |
| أمم البرايا لم تكن من قبلنا | إلا عبيدًا في إسار عبيد | |
| بلغت بنا الأجيال حرياتها | من بعد أصفاد وذل قيود |
ولعل قصيدته «برلمان إبليس» من ديوانه الأخير «أرمغان حجاز» «هدية الحجاز» تلخص لك رؤية هذا الرجل، وإدراكه لمكائد الغرب والشرق، وابتعاثه لدور المسلم من جديد.
ومن هنا فإنني أرى أن «محمد إقبال» هو الصورة التي تصلح أن نقدمها للعالم أجمع كمثال فريد للأدب الإسلامي، على الرغم من أنني أعلم أن هناك رجالًا لا يقلون عظمة عنه في الرواية والمسرح والقصة وسائر فنون الأدب الإسلامي.
التسخير والاستحمار:
- والحل في عقدة الخواجة التي تصيب بعض الأدباء ومنهم الإسلاميون في الجري وراء الصيحات الأدبية والفنية من كلاسيكية ورومانسية ووجودية، وبنيوية، وحداثة... وحاليًا.. ما بعد الحداثة؟
لي معرفة شخصية دون واسطة بالأدب الغربي، ومن خلال القراءة الظاهرة له - ناهيك عن المتأنية المتأملة- ترى أن هناك الطابور الخامس وهو ذلك الأدب المسلول المسموم الذي ولدته الثورة الفرنسية، وأرضعته الفوضى الأخلاقية والإباحة في أوروبا، وغذته الشيوعية، وذلك الأدب الخليع المستهتر الذي ينبت في القلوب النفاق ويسقي فيها الشهوات ويقوض دعائم العمران، ويفسد نظام الأسرة، ويسخر من كل فضيلة، ويستهين بكل أدب ونظام ويزين للقارئ مذهب اللذة والانتفاع العارض، وانتهاز الفرص، ويلخص التاريخ في صراع المادة... ويوجز حياة الإنسان وحركة الأشياء في المال والجنس.
ويصور الحياة وليس وراءها حقيقة سامية أو مبدأ شريف، ولقد انتشر هذا الطابور في أنحاء العالم عن طريق الأدب والروايات والمجلات والراديو والسينما، وصار ينخر في الحضارة الإسلامية والأدب الإسلامي حتى تسرب العطب إلى لبابه، وأفرز جيلًا من المنهزمين والمصابين بمركب النقص، وقد عالجت ذلك في كتابي: «الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية»... وهكذا أصبح العالم كله شعوبًا وحكومات وأفرادًا تحت سلطان هذا السراب الخادع الذي يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا.
واستطاع الغرب بأدواته الدعائية والإعلامية الجبارة، أن يستأجروا دون أجر جيلًا جديدًا. يحمل الامتعاض لموروثاته وتراثه، ويرتد على نفسه، ويثور على ماضيه لا ليغيره بل ليدمره ويكفي لشعب أن يكون عنده شعور بمركب النقص هذا وعندئذ ستراه يخجل من نسبته إلى القديم.. بل وسيجري لاهثًا ليلقي بنفسه فريسة سهلة لكل عوامل التسخير والاستحمار.
ولكن الآن الذين يمثلون هذه الهزيمة النفسية أصبحوا جميعًا في مراكز الطرد والاستهجان، بل والمواجهة المباشرة من شعوبهم ومثقفيهم، وليس أدل على ذلك مما يدور الآن على الساحات المصرية والتركية والجزائرية، بل وفي قلب أوروبا، في البوسنة والهرسك.
ويكاد ينتهي الآن عهد هؤلاء العملاء الذين أفسدوا أذواق الشعوب، كما تفسد الصبيان بإغرائهم بالحلوى.. والدور يأتي أولًا وأخيرًا على المنتمين إلى تراثهم بكل ما يحمله من صدق الإلهيات وشرف الرسالات وصلاح العالمين.
المجاهدون والمتاجرون:
- التطورات المتلاحقة في القضية الفلسطينية، والأقصى الشريف، كقضية القضايا لأمتنا الإسلامية، ما هي رؤيتكم الحالية لها، في ظل هذا التلويح الصهيوني الدائم بالحرب.. والتضليل الدائم بالسلام؟
قضية فلسطين الحبيبة والأقصى المقدس لن يحل بين يوم وليلة..
| ألا إنما الأيام أبناء واحد | وهذي الليالي كلها أخوات | |
| فلا تطلبن من عند يوم وليلة | خلاف الذي مرت به السنوات |
والمنصفون يعتبرون أن أسوأ حادث مرت به أمتنا الإسلامية، هو ذلك الجرم الغربي البريطاني في إنشاء «إسرائيل» في فلسطين واحتلالها للأقصى الشريف.
وترجع المسؤولية الكبرى في هذه المحنة الكبرى على جامعة الدول العربية التي لم تدرك دورها، وإلى الدول الإسلامية التي كانت مخدرة عقب فترات الاحتلال الصليبي الطويل... واليوم.. الوضع يقتضي عددًا من الإجراءات السريعة العاجلة بعيدًا عن كل ألوان المتاجرة والتهرؤ السياسي المقيت، نحن اليوم بحاجة إلى قائد في مثل همة وخطى صلاح الدين الأيوبي.. والأمة جمعية من خلفه، ولا بد من شد البطون ورعاية الحركات الإيمانية بدلًا من حربها لحساب اليهود، ولا بد بكل جدية وإخلاص من تأليف جمعية شعوب وحكومات عربية وإسلامية تحل محل الأمم المتحدة، ثم التوكل الصادق على الله في إعلان الجهاد بعد ذلك.
- الحركات الإسلامية، تعاني من سوء فهم البعض لرسالتها الإصلاحية والإنقاذية لشعوبها على نحو ما أشرتم.. وعلى الجانب الآخر هناك حملات شعواء لا تبرير لها على هذه الحركات.. كما أن الساحة الإسلامية تعاني من العراقيل الداخلية والخارجية.. مما يضيق من فرص العمل الإنقاذي لهذه الأمة، بل ويصادر «الآمال» في حق الأجيال الجديدة في أن يكون مساحتها على خارطة يصطرع عليها النظام العالمي الجديد وتحاول الصهيونية ابتلاعها اليوم قبل الغد... بماذا تنصحون؟
مدارس العمل الإسلامي المعاصر، تعيش أصعب مراحل حياتها الماضية والباقية.. ذلك لأن الظروف والملابسات الموجودة داخل العالم الإسلامي، أو المحيطة به تدعونا إلى أن تبتكر للبلاغ المبين مدارس جديدة.. ولا أقصد بذلك جماعات جديدة أو فرق مستحدثة، بل أساليب ومناهج ووسائل تعمل على تحريك الإيمان في نفوس الشعوب والجماهير المسلمة، وتصون الحقائق الكبرى من التزييف والتحريف، وتعيد الثقة إلى هذه الشعوب بدينها، خاصة الطبقة المثقفة التي يجب أن تكون رسالتنا معها مبنية على مبدأ التعامل مع الحضارة الغربية - المبهرة على أنها مواد خام نصوغ منها الفكر الملائم للتربة الإسلامية.
وهذه الحركات الإيمانية عليها أن تصبر وتصابر، لأنها اليوم في مرحلة من مراحل الاستخلاص الحضاري، والتميز العالمي..... ويكذب من يقول إن العالمية هي إلغاء الخصوصية وتحولينا إلى مجرد توابع.
فنحن المسلمون.. خاصة منطقة «القلب». مهما كانت منطقة تدخل واصطراع وارتطام إلا أنها ستظل القلب النابض المتدفق بالحياة والعافية للأطراف جميعًا.
ومن هنا فإن هذه الفترة، هي فترة الصبر والمصابرة والرباط بكل ما أوتي المؤمنون من قوة.
كما يجب العمل المخلص من كل الوطنيين والشرفاء والأمناء على فض هذا الاشتباك المبني على سوء الفهم بين الحكام والحركات الإسلامية.. لأنها ذخر الحكام والشعوب معًا.
وعلى الإسلاميين أن يدرسوا بعناية تجربة الداعية المخلص «أحمد السرهندي» الذي استطاع أن يحدث انقلابًا هائلًا في نظام الحكم في الهند أيام الإمبراطور «جلال الدين أكبر» الذي اعتلى عرش الطاووس في أيام كل ما فيها ينذر بالقضاء على الإسلام... واستطاع هذا الداعية اللبيب ومن معه من الرجال الأوفياء... استطاعوا بتوفيق الله.. ثم بالتوسل بكل الوسائل الدعوية الماهرة إلى «الوصول بالإيمان إلى أهل الكراسي، وتبنيهم لقضية الإسلام، بدلًا من وصول جماعة مؤمنة إلى الكراسي».... ونجحت هذه الفكرة حتى اعتلى عرش الطاووس ملك مسلم غيور هو «أورنك زيب عالمكير» الذي يعتبر سادس الخلفاء الراشدين.
كما أدعو حكام المسلمين جميعًا أن يحسنوا رؤية واقعهم، وأن يتعاملوا مع الأحداث والوقائع يقدر أكبر من التسامح مع شعوبهم وعلمائهم ودعاتهم فهم ردوهم، وهم أرجى لهم من كل من عداهم خاصة في فترات الاختبار والانصهار.
وإنني أرى أن أهم مشكلة في العالم الإسلامي اليوم هي مشكلة القادة والشعوب، إنها مشكلة الفجوة الهائلة التي وقعت بينهما... إن الشعوب تريد الإسلام، وتحب أن تحيا به وله... ولكن من المآسي والفواجع أن زمام هذه الشعوب إلى قيادات وضع جهازها الفكري بعيدًا عنها.
وإذا لم يتفهم الحكام المسلمون نصحي ولم يصغوا إلى شخصي الضعيف المحب لهم. فليصغوا إلى حديث قلوبهم وأصوات ضمائرهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل