; إرادة الإصلاح.. من هنا نبدأ ؟ ! (١ من ٢) | مجلة المجتمع

العنوان إرادة الإصلاح.. من هنا نبدأ ؟ ! (١ من ٢)

الكاتب د. محمد يتيم

تاريخ النشر السبت 01-مارس-2008

مشاهدات 54

نشر في العدد 1791

نشر في الصفحة 66

السبت 01-مارس-2008

الرؤية التي يكونها القرآن لدى الإنسان المسلم عن الإصلاح الاجتماعي رؤية واقعية أبعد ما تكون عن الطوباويات «الخيالات والأوهام غير القابلة للتحقيق»  التي عرفها تاريخ الفكر الإنساني، ولدى أكبر فلاسفة التاريخ الذين نظروا إلى التاريخ على أنه مجال للتقدم المتواصل الذي قد يفضي إلى نهاية التاريخ، وإقامة الجنة على الأرض.

تبدأ تلك الرؤية القرآنية الواقعية في التكون لدى الإنسان المسلم وهو يقرأ أول ما يقرأ قصة الخلق، كما بدأت مع خلق أبي البشر سيدنا آدم، في ذلك الإعلان الإلهي للملائكة أنه جاعل في الأرض خليفة كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ  (البقرة:30)

ولعل في هذه الإشارة إقرارًا بذلك التدافع الأبدي بين إرادة الإصلاح، ودوافعها الكامنة في النفس البشرية وبين إرادة الفساد ودوافعها داخل النفس الإنسانية ابتداء، ومن ثم خارجها، وهو ما تشير إليه قصة آدم بوسوسة الشيطان وسعيه الدائم كي يدفع به إلى الخروج عن نداء الفطرة وهدي الكتاب، أي نداء وهدي الصلاح والإصلاح، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ  (البقرة:34-36)

 ففي هذه الواقعة إشارة رمزية إلى حقيقة نفسية أساسية تتمثل في تصارع نوازع الخير مع نوازع الشر، وأن الأمر يتعلق بحقيقة أبدية قائمة في كل زمان ومكان، وأن مناط التكليف هو حمل النفس باستمرار على الاستقامة.. أي تقوية نوازع الخير وتنميتها ومجاهدة النفس الأمارة بالسوء وتطويعها، وتعبيدها لتستقيم على نداء الفطرة وعلى الأمر والنهي الواردين لتعزيز ذلك النداء، كما قال تعالى مباشرة بعد عرض تلك التجربة الإنسانية الأولى التي تلخص التجربة الإنسانية كلها﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (البقرة:38-39) 

سيظل الصراع إذًا  قائمًا بين الخير والشر في جنبتي الإنسان إلى أن يقوم الناس لرب العالمين، وسيظل الصراع قائمًا بين قوى الخير والإصلاح وقوى الشر والإفساد إلى قيام الساعة، ولا كمال إنسانيًّا أو كمال اجتماعيًّا، ولا جنة فوق الأرض، ولا نهاية للتاريخ بهذا المعنى.

 وتزكية النفس وتقوية نوازع الخير في النفس وظهور المعروف وتواري المنكر قضية يحكمها الناس أنفسهم، أي أن الناس من خلال جهادهم النفسي والاجتماعي هم الذين يصنعون تاريخهم ويحددون وجهتهم، فكما أن هناك جزاء للأفراد أي خلاصًا فرديًّا لما هو فردي من تبعات وتكاليف، فهناك أيضًا جزاء جماعي وخلاص جماعي أو هلاك جماعي.

ومن جميل ما تميز به القرآن أنه أولى حيزًا كبيرًا للخلاص الجماعي وللمسؤولية الاجتماعية، وربط ذلك بسنن اجتماعية لا تتخلف فمن ذلك قوله تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا  (البقرة:59) كما جعل للأمم أجالاً وأعماراً، وهي آجال وأعمار مرتبطة بمدى أخذها بسنن استقرار واستمرار العمران فمثال ذلك قوله تعالى:﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ  

(الأعراف:34) وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16)  (الإسراء:16)

 فهي سنن كونية اجتماعية مطردة لا تتخلف، تشير إلى أنه إذا اختل التوازن بين منسوب الخير في المجتمعات ومنسوب الشر، ومالت الكفة إلى غلبة منسوب الشر؛ فإن ذلك مؤذن بانهيار النظام الاجتماعي وهلاكه.

 ولا ينبغي أن يفهم من هذا الإهلاك أنه يقع دومًا بفعل قوى غيبية أو كوارث طبيعية مسخرة أو مسلطة من الله على المجتمعات المفسدة. وإن كان هذا واردًا في القرآن الكريم وقد حدث مع أمم سابقة ، لكن القرآن الكريم ينبهنا إلى شيء آخر يتناسب مع بلوغ البشرية عهد الرشد العقلي، وهو أن هذا العذاب يقع جزاءً وفاقًا للسنن الكونية والاجتماعية !!

 ومعنى ذلك أن المجتمعات المتدينة أو المنتسبة إلى الدين التي لم تأخذ من الدين إلا سنن التعبد، وتركت الأخذ بسنن الله في الأنفس والآفاق، من قبيل الأخذ بأسباب القوة في مجال العلوم التقنية والإنسانية، وفي مجال التخطيط والإدارة والتنظيمات الاجتماعية والعدالة الاجتماعية وآليات التداول على السلطة، وتركت الجهاد بمعناه الواسع في جميع هذه المجالات، مهددة بالخراب ولو مع وجود متدينين أو صالحين في أنفسهم.

 فالصلاح الفردي - وإن كان يحقق الخلاص الفردي - فهو لا يحقق الخلاص الجماعي إلا أن يقوم هؤلاء الصالحون جماعيًّا أو فرادي بدورهم في مدافعة الفساد بجميع الوسائل المشروعة والمقدور عليها، وأضعفها التغيير بالقلب وعدم التواطؤ بالشعور والإحساس مع الظلم والفساد.

ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على عائشة وهو يقول: «ويل للعرب من شر قد اقترب، قالوا: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم.. إذا كثر الخبث» (الحديث).

الرابط المختصر :