; رعي الإبل أولى من رعي الخنازير | مجلة المجتمع

العنوان رعي الإبل أولى من رعي الخنازير

الكاتب د. عبد الله عزام

تاريخ النشر الثلاثاء 10-يوليو-1984

مشاهدات 67

نشر في العدد 678

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 10-يوليو-1984

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. 

اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلًا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلًا وبعد.

يروي لنا التاريخ أن ألفونسو السادس حاكم قشتالة وليون في إسبانيا أراد أن يبتلع الأندلس كلها مدينة مدينة، وفي ذلك الوقت كان أمراء الطوائف إذ كانوا آنذاك سبعة ملوك في المدن السبع الكبرى «سرقسطة، قرطبة، طليطلة، بطليوس، أشبيلية، غرناطة، بلنسية».

وصدق منهم قول شاعرهم

وقال أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني فيهم: 

مما يزهدني في أرض أندلس
 

 

أسماء معتمد فيها ومعتضد

 

ألقاب مملكة في غير موضعها

 

 

كالهر يحكي انتفاخًا صولة الأسد

 

وبلغ السوء بملوك الطوائف أن يقدموا عروضهم عن ألفونسو السادس بمساعدته ضد إخوانهم، وكان المعتمد بن عباد «صاحب أشبيلية وقرطبة» أقواهم، ولكنه صانع ألفونسو واستخذى له وسكت عليه، وهو يأكل أراضي المسلمين التي يحكمها إخوانه. وكان يدفع للفونسو ضريبة سنوية، ولكن الغرور الذي ملأ نفس ألفونسو جعله يطلب المزيد من التنازلات من المعتمد وأرسل إليه ليقدم المراسم الزائدة في الاستخذاء والهوان، فأرسل وفدًا برئاسة وزيره اليهودي «ابن شاليب» وطلب من المعتمد بن عباد إتاوات فادحة، وأبلغه أن ألفونسو قرر أن تلد زوجته في مسجد قرطبة بناء على إشارة القساوسة، وأن تنزل الزهراء مدينة بناها الناصر على بعد خمسة أميال من قرطبة».

فاهتز المعتمد بن عباد لهذه المطالب وقتل رسول ألفونسو فغضب ألفونسو وبدأ يعد للهجوم على أشبيلية. كان هذا سنة 475هـ، وجاء نذير الخطب الفادح عندما سقطت طليطلة سنة 478هـ فانتفض المعتمد واتصل بالمتوكل حاكم بطليوس وطلب إليه أن يرسل إليه قاضيه واجتمع مع قاضي غرناطة وقاضي قرطبة وأضاف إليهم وزيره أبا بكر بن زيدون.

واستشارهم في استدعاء أمير المرابطين يوسف بن تاشفين لإيقاف هذا السيل الداهم من الشر، فأخذت بطانة السوء تحذره من مغبة عاقبة دخول المرابطين، وتزين له عدم استدعائهم بحجة أن المرابطين سيستولون على عرشه إذا انتصروا على ألفونسو، أما القضاة فقد محضوه النصح باستدعائه لإنقاذ الإسلام في شبه الجزيرة الأندلسية، وعندما رأى ابن عباد حاشية السوء تصر على عدم الاستعانة بالمرابطين صاح في وجههم قائلًا كلمته المشهورة: «رعي إبل البربر خير من رعي الخنازير الإفرنج». 

وأرسل وفده من القضاة الثلاثة ووزيره لاستدعاء يوسف بن تاشفين فاستجاب يوسف لنجدة إخوانه في الأندلس ولنصرة الإسلام فيها، وكانت معركة الزلاقة الشهيرة في 12 رجب سنة 479هـ ونصر الله جنده وأعز دينه، ولقد أمدت موقعة الزلاقة في عمر الإسلام في الأندلس أربعة قرون. 

وهنا نقف أمام معالم هذا الحدث العظيم للعبرة ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (يوسف: 111). ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق: 37).

1- أول ما يتبادر إلى الذهن من العبر هو أن الموقف الصادق من حاكم واحد قد يحفظ الله به الأمة المسلمة لقرون قادمة، تحمى بها الأعراض وتحقن بها الدماء وتصان به الأمة معززة مكرمة، وهذا يظهر جليًا من كلمة المعتمد بن عباد: «أن أكون راعيًا لإبل يوسف بن تاشفين المسلم البربري أحب إلي من أن أكون راعيًا لخنازير ألفونسو السادس النصراني».

إنها لحظة اختيار والسعيد فيها من وفقه الله لاختيار الخير لدينه ودنياه. وكم من الناس اختاروا هواهم فخسروا دنياهم وأخراهم.

ومن هو يوسف بن تاشفين، لقد جاء إلى الحكم عندما وكله ابن عمه أبو بكر بن عمر زعيم المرابطين بإدارة الدولة، وذهب أبو بكر للإصلاح بين قبائل منهاجة سنة 453هـ، وعندما عاد أبو بكر ورأي القدرة الفائقة التي أبداها يوسف في إدارة الدولة مع حب الناس والتوفيق من الله به عليه تنازل أبو بكر عن الحكم لابن عمه يوسف الذي حكم قرابة خمسين سنة أحيا بها سيرة السلف الصالح واتبع سمت الخلفاء الراشدين من قبل. إنها تضحية من حاكم واحد بكرسيه حفظ الله به الإسلام والأمة من الضياع والاندثار.

والآن نتوجه إلى مخاطبة الأفغان سواء الذين يجاهدون أو يتاجرون بالدماء والأعراض. وسواء ممن ينادون بعودة الملك المخلوع ظاهر شاه يريدون أن ينفخوا الحياة في العظام الرميمة استجابة لأهواء السادة في واشنطن وباريس ولندن، أو الذين يرفضون عودة الملك ويأبونها فنقول لهم: 

أليس الأولى بكم أن تقولوا كما قال المعتمد بن عباد: «جندية عند سياف خير من عبودية تحت أقدام كارمل».

أي الفريقين خير مقامًا وأحسن نديًا؟ صحبة قائد مجاهد يعيش معك كأخ وصديق يعاملك بالإجلال والتكريم والاحترام، أم خدمة حاكم لا يعتقد بالدين الذي تجاهد من أجله ولا يقرب إلا كل كافر وفاسق، وينفر ويشمئز من كل عالم وصادق. وأتوجه بالسؤال إلى الذين ينادون بعودة الملك فأقول: من الذي غرس الشيوعية في أفغانستان؟ أليس الملك هو الذي داس على حجاب المرأة المسلمة وقال: انتهى عهد الظلام إلى الأبد!

أليس الملك هو الذي وجه الدبابات إلى قندهار عندما رفضت نساؤها إلقاء الحجاب وقتل الآلاف من أجل فرض خلع الحجاب ولإرغام النساء على التهتك والتبذل والسفور؟ أليس الملك هو الذي جر كل هذه الويلات والمصائب إلى أفغانستان. 

2- والعبرة الثانية: الدور العظيم الذي يقوم به العلماء في قيادة الأمة وفي جمع كلمتها وفي بناء أجيالها ومواجهة الأهوال التي تهدد مصيرها. 

ولقد ذهلت وأنا أطالع التاريخ الأندلسي، فكم من العلماء استشهد في غمار المعارك مع الصليبية.

إن فكرة استدعاء المرابطين لنصرة المسلمين في الأندلس ابتدأت من العلماء وعلى رأسهم أبو الوليد الداجي، وهذه المعركة التي أشرنا إليها «الزلاقة» قد استشهد فيها من العلماء الكثير منهم: أحمد بن رميلة، وأبو مروان عبد الملك المعمودي «قاضي مراكش، والفقيه أبو رافع الفضل ولد الحافظ «أبي محمد بن حزم» صاحب المحل. 

وهنا نسجل بالفخر والاعتزاز لعلماء أفغانستان أنهم هم الذين قادوا الجهاد وفجروا طاقات الخير في الأمة الإسلامية في أفغانستان، وهم الدعاة لهذا الاتحاد «الاتحاد الإسلامي لمجاهدي أفغانستان» الذي يرأسه عبد رب الرسول سياف. ولكننا نأخذ على العلماء شيئًا واحدًا؛ أنهم لم يقفوا وقفة حاسمة من الذين يحاولون أن يعبثوا بوحدة المسلمين ويريدون تفريق كلمتهم وتشتيت جمعهم. لم تصدر فتوى واحدة من العلماء في أولئك الذين لا يتركون فرصة في النيل من هذا الاتحاد ويحاولون تمزيقه وبالتالي إنهاء الجهاد سواء قصدوا أو لم يقصدوا، فليسمع هؤلاء حديث المصطفى r: «من أعطى بيعة ثم نكثها لقي الله وليس معه يمينه» رواه الطبراني بإسناد جيد.

3- والعبرة الثالثة: بطانة السوء التي تسول للزعماء والمسؤولين دائمًا فعل الشر، فكم من القيم ضاعت وكم من الأوطان اغتصبت بآراء هؤلاء الذين يعيشون على الفتات، ويقتاتون بدماء البشر ويعيشون على ركام الآلام والآهات والأنات. 

وبطانة الشر هذه هي التي تتهافت حول قادة الجهاد ينفخون فيهم، ويسولون لهم ما تهوى أنفسهم، ويزينون لهم الانفراد عن الجماعة وعدم الذوبان في الاتحاد الإسلامي لمجاهدي أفغانستان، ويصورون للقادة أن مستقبل أفغانستان ونصرها رهن ببقاء هذه الأحزاب وتحت هذه القيادات، فإذا ذاب الحزب في الاتحاد ضاع الجهاد وذهبت البلاد. وسر الأمر يكمن في النفعية التي تصل إلى أيدي البطانة من فتات الموائد أن كانت هنالك موائد، ومن ابتسامات القادة عند اللقاء بهؤلاء ولا يدرون أنهم يعبثون بمقدرات أمة ويتغاضون عن أنات الجرحى وآهات الثكلى، وصرخات الصبايا اليتم ودموع الأرامل ودماء الأبرياء.

﴿وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (سورة الأنعام: 26).

4- والعبرة الرابعة: أن النفوس السوية من عادتها أن تتجمع وتجمع قواها وتتناسى نفسها أمام الخطر الداهم الذي يهدد وجودها، فلقد تجاوز المعتمد مصلحته وعرشه إلى مصلحة الأمة ووجود البلاد وعزة العباد، لقد وجد أن اتباع الهوى سيعصف بعرشه وببلاده، وأن العودة إلى نفسه وصوابه سيحفظ عرشه وبلاده. 

كان الأولى بهؤلاء الذين يحاولون أن يعبثوا بمصير الأمة ووحدة الكلمة الجهادية الأفغانية التي التقت على سياف كأمير مبايع بيعة شرعية، أقول الأولى: أن يستيقظوا أمام هذه المخططات الرجعية التي ترمي إلى سحق كل قيمة في أفغانستان وإلى التصفية الجسدية لهذا الشعب بكامله. 

كان الأولى: أن ينظروا إلى المجازر الجماعية التي تقيمها روسيا للأطفال والنساء خاصة بعد مجيء «شيرننكو» إلى الحكم وبعد أن وجه أوامره للجيش الروسي في أفغانستان بأن يقتلوا الطفل قبل الشيخ، ففي كل يوم تقريبًا تشهد أرض أفغانستان مذبحة مثل مذبحة صبرا وشاتيلا، دون أن ينزجر تجار الدماء أو يرعوا.

لقد كان جديرًا بمن في قلبه إحساس أو حرقة على المسلمين وعلى اليتامى والأرامل والثكلى والجرحى والمشوهين وذوي العاهات من مصابي الحرب الأجدر بهؤلاء أن يستيقظوا من الحس ويتوبوا إلى رشدهم، إذ إن هجرة ثلاثة ملايين أفغاني إلى باكستان ومليون إلى إيران، وهجرة سبعة ملايين أفغاني آخرين من أفغانستان إلى أفغانستان مشردين في الجبال والأدغال بعد هدم بيوتهم وحرق منازلهم ومسحها من الوجود، أقول: هجرة هؤلاء الملايين كافية ليستيقظ الضمير إن كان في النفس أثارة من ضمير أو بقية من صدق أو لب.

ولكن الهوى قد يتملك القلوب حتى يصبح إلهًا ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾ (الجاثية: 23).

وختامًا أبشر الناس قائلًا باطمئنان- إن شاء الله-:

1- إن الاتحاد الإسلامي اليوم أقوى منه في أي وقت مضى، وإن الذين كانوا يراهنون على الاتحاد بالسقوط قد خاب فألهم، وأخطأ سهمهم وأخلف الله ظنهم.

2- إن 70% على الأقل من القادة والمجاهدين في أرض المعركة مع الاتحاد قلبًا وشعورًا وقالبًا.

3- إن الزمن في صالح الاتحاد، وكل يوم يمضي يزداد الاتحاد قوة وثباتًا، ولقد بين الله قواعد ونواميس تجري عليها الحياة الإنسانية ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (الصافات: 173) ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ (فاطر: 43) ﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ﴾ (الفتح: 10) ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7) وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

الرابط المختصر :