; الهزيمة الداخلية | مجلة المجتمع

العنوان الهزيمة الداخلية

الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر الاثنين 01-سبتمبر-2014

مشاهدات 76

نشر في العدد 2075

نشر في الصفحة 27

الاثنين 01-سبتمبر-2014

- الهزيمة الداخلية تعني ببساطة أنك لست مهيئا لمواجهة خارجية مهما كنت مدججا بالسلاح والعتاد

- النخب هي صانعة الصهيونية العربية التي تتماهى مع الصهيونية اليهودية.. والمفارقة أنها من اليسار بكل أطيافه والتنظيمات السرية التي عاشت بها النظم العسكرية .

- ظل الغزاة اليهود بعد اغتصاب فلسطين يعملون لفرض وجودهم القسري ، فنشطت أجهزتهم السرية والعلنية لتكوين نخب حاكمة في بلادنا موالية لهم تكون مهمتها تثبيت وجودهم الدموي وتؤكد للأجيال الجديدة أن مواجهة الصهاينة الغزاة مستحيل

- نخب إعلامية تطالب بسحق المقاومة الإسلامية في غزة ، وتدعو للسفاح نتينياهو بالنصر على الفلسطينيين وتخليص العرب منهم !!

عقب هزيمة 1967 م ، شاع تعبير مهم ذو دلالة يكشف عن السبب الحقيقي للهزيمة والدافع إليها . كان كثير من الكتاب والمفكرين المخلصين يرددون : إننا هزمنا داخليا قبل أن يهزمنا العدو .

والهزيمة الداخلية تعني ببساطة أنك لست مهيئا لمواجهة خارجية مهما كنت مدججا بالسلاح والعتاد . فالمهزوم داخليا لا يملك عقيدة قوية تؤهله للبذل والتضحية والعطاء والتخطيط والتدريب والتنظيم والقدرة على المبادأة والانتصار .

كانت هناك حالة من الفوضى الفكرية والعقدية والسياسية ، فضلا عن الضعف الاقتصادي والاستبداد الذي يؤله الحاكم ويمنح الأجهزة القمعية سواء كانت من الجيوش أو الشرطة أو الدرك سلطة قهر الشعوب دون وازع من خلق أودين أو قانون ، بحيث يتحول المواطن إلى مجرد كائن حي يجب أن يسمع ويطيع ، وإلا كان التغييب وراء الأسوار والتعذيب والموت غيلة مصيره المحتوم !

الهزيمة الداخلية تعني أن المواطن مستعبد ، ولا يملك قدرة على الإبداع أو العمل المثمر أو التفكير الخلاق أو العطاء الذي يدفع بالبلاد إلى الأمام .

تكوين نخب حاكمة

لقد ظل الغزاة اليهود بعد اغتصاب فلسطين يعملون لفرض وجودهم القسري ، فنشطت أجهزتهم السرية والعلنية لتكوين نخب حاكمة في بلادنا موالية لهم وتكون مهمتها تثبيت وجودهم الدموي ، وتؤكد للأجيال الجديدة أن مواجهة الصهاينة الغزاة مستحيل ، وذلك بالقضاء على العناصر التي تحلم أو تأمل في المقاومة والمواجهة معا ، وكان أول عنصر في هذا السياق ، هو الإسلام الذي يدعو إلى الجهاد ، ويتم ذلك باستئصاله ، وإحلال أنظمة هجين تتحدث عن الإسلام وتمارسه شكلا ومنظرا، وترفضه مضمونا وممارسة ، ولم يكن غريبا أن تحدث انقلابات عسكرية متتالية وغير مسبوقة عقب اغتصاب فلسطين ؛ في كل من : دمشق والقاهرة وبغداد – العواصم المهمة في العالم العربي – ويحكم العسكر الشبان الذين لا يملكون المعرفة التاريخية ولا العقيدة الإيمانية ولا الرؤية المستبقلية ( معظمهم كان شيوعيا أو علمانيا أو لا يعنيه أمر الدين ) ، ويقومون بصناعة نخب تتفق مع نزواتهم الشخصية ورغباتهم الخاصة في تحويل البلاد والعباد إلى مجرد عزبة خاصة يتحكم العسكر في مقدراتها دون أن يقدروا على حمايتها !

صناعة النخب الآثمة امتدت لتشمل الأجهزة الأمنية والعسكرية والشرطية والإعلامية في مجالاتها المقروءة والمسموعة والمرئية ، والثقافية والفكرية والحزبية ( سواء في عصر الحزب الواحد أو الأحزاب الكرتونية ) ، فضلا عن مجالات التعليم والخارجية والقضاء والنقابات والاتحادات .. بحيث صارت كل مرافق العمل في الدولة رهينة لما يقوله الحاكم الذي تم تفريغه من الإيمان الحقيقي والعقيدة الصحيحة والوطنية المسئولة .

محاربة الإسلام

 الحاكم العربي المتصهين يجعل أول أعماله الشريرة محاربة الإسلام أو العقيدة التي تؤمن بها الأغلبية الساحقة تحت مزاعم محاربة التخلف والرجعية والتطرف والإرهاب ، وتقام المحاكم الاستثنائية بذرائع واهية للحكم بالإعدام أو الأشغال الشاقة أو مصادرة الأموال والممتلكات على من يتمسكون بالإسلام .

أصبح الإسلام في أجهزة الإعلام والمدارس والجامعات والثقافة والسفارات والمسلسلات التلفزيونية والإذاعية والأفلام كابوسا ثقيلا ينبغي التخلص منه ، ويرمز إلى التخلف ومعاداة التقدم ، وكراهية الحياة ، أما الجهاد فهو ذبح وقتل وعدوان على الآخر ( من هو الآخر ؟ ) . وكل من يتمسك بالدين متشدد ومتطرف وإرهابي ، ولا يحق له المشاركة في حركة المجتمع أو صياغة مستقبل الدولة ويجب نفيه من المجتمع نفيا تاما.

وروج العسكر سواء كانوا يحكمون مباشرة أو عن طريق الجندرمة لحركة النخب التي تم اصطفاؤها لنشر مفاهيم الفصل بين الدين والدولة والدولة المدنية ( كأن الدولة العسكرية حلال زلال !) والعلمانية تحت مزاعم الحفاظ على حقوق الأقليات ، ولا نعدم أن يظهر بين حين وآخر شخص ما يشكك في ثوابت الإسلام وتهتم به أجهزة الإعلام وتفرد له مساحات كبيرة ، وتحوله إلى بطل مضطهد من المسلمين (المتوحشين الذين لا يحبون البشر !).

النخب تنطق باسم الحاكم الإله العاجز ، فتروج للعدوان على الشعوب الشقيقة

وفي المقابل تجد رقة وليونة ونعومة عند الحديث عن العدو النازي اليهودي . لابد من التفاوض معه ، والوصول في المحادثات إلى آخر العالم ولو كانت مفاوضات فاشلة وبلا أفق منظور! لا انتفاضات شعبية سلمية ضد هذا العدو الذي يمارس القتل اليومي ، ولا التمرد عليه بإلقاء حجر! لا بد من طرح المبادرات الاستسلامية . مبادرة إثر مبادرة .!

نخب إعلامية تطالب بسحق المقاومة الإسلامية في غزة ، وتدعو للسفاح نتينياهو بالنصر على الفلسطينيين وتخليص العرب منهم ، وتزرع في أمخاخ العامة أن المقاومة الإسلامية الفلسطينية قتلت الأبناء في سيناء ، وتسللت إلى داخل البلاد ، واقتحمت السجون ، وهاجمت أقسام الشرطة وقتلت المتظاهرين في ميدان التحرير ، ومكنت الإسلاميين من خطف الثورة ( صارت تسمى الآن مؤامرة ! ) . أين جيوشكم الجرارة ومخابراتكم المرعبة وكمائنكم المنتشرة في كل مكان لتحمي البلاد والعباد من هذه المقاومة الإسلامية المحدودة العدد؟

لم يتغير دور النخب منذ عهد البكباشي في انقلابه الأول عام 1954 وإرهاب الشعب كله بعد حرمانه من الحرية والكرامة والأمل عن دورها في عهد الفيلد ماريشال الذي أقام في الانقلاب الثاني أكبر مذبحة في التاريخ للشعب المصري وقتل منهم في يوم واحد برابعة العدوية وحدها أكثر من ألفي شخص مسالم ، أحرق منهم حوالي تسعمائة شخص وجرفهم باللودرات ، ودفنهم في أماكن مجهولة على طريق القاهرة السويس !

النخب دورها هو التسويغ والتبرير وتبرئة القتلة من دم الشعب المسكين ( تأمل ما يدعو إليه عميل لأجهزة الأمن بأن يكون يوم فض رابعة الدموي عيدا للانتصار على الإرهاب الإسلامي !) .

إخراج الإسلام

  كان التركيز في أدبياتها على أن الصراع مع العدو النازي اليهودي يجب أن يخرج منه الدين أي الإسلام ، مع أن اليهود الغزاة يتحركون من منطلق ديني ، ويقتلون الفلسطينيين والعرب بناء على تعاليم التوراة ، والذين يستغربون قسوة العدو ووحشيته في قتل الأطفال والنساء وتدمير المساجد والبيوت يتجاهلون أن توراتهم تحثهم على القتل الهمجي والتدمير الوحشي ، فهم يتعلمون ما يقوله الرب لشعبه المختار :"إن سمعت عن إحدى مدنك التي يعطيك الرب إلهك لتسكن فيها قولا، فضربا تضرب سكان تلك المدينة بحد السيف، وتحرمه - (تهلكها) – بكل ما فيها مع بهائمها بحد السيف، تجمع كل أمتعتها إلى وسط ساحتها وتحرق بالنار المدينة وكل أمتعتها، فتكون تلا إلى الأبد لا تبنى بعد"!. ( سفر التثنية – إصحاح 13: 12، 15- 17 ) .

الهزيمة دائما

ومع ذلك يصر اليساريون وأشباههم من نخب السلطة أن السلام ممكن ، وأن التعايش مع القتلة متاح ، ولذا يلحّون بوحي من حكامهم العرب المتصهينين على تثبيت فكرة أن تحرير فلسطين أصبح مستحيلا ، وأن المواجهة العسكرية محكوم عليها بالهزيمة أبدا .

للكاتب الراحل محمد جلال كشك كتاب اسمه " كلمتي للمغفلين " (ط2، دار ثابت ، القاهرة ، 1985،عدد صفحاته 449 صفحة) يكشف فيه فضائح النظم العربية التي تصهينت ، ويشير إلى ما قامت به المخابرات الأميركية والغربية لتنفيذ انقلاب يوليو 1952وقبله انقلاب سورية 1949، ويوضح الالتزامات التي التزم بها العسكر تجاه الكيان الصهيوني الغاصب ، والاتفاقيات الضمنية بحماية أميركا للانقلابيين الأوائل من أي هجوم صهيوني يهودي ! ولكن هذا الالتزام لم يتحقق إطلاقا ، فقد خرق اليهود هذا الالتزام مرات عديدة في اختبار للقوة مع عسكر يوليو بعدوانهم مثلا على القوات الموجودة في خان يونس ، ثم العدوان على العوجة وقتل العشرات من الجنود المصريين في المرتين ، وبعد ذلك جاء عدوان 1956 الذي انتهي باحتلال سيناء وتدمير الطيران المصري على أرضها ( مفارقة مبكية مضحكة : قائد الطيران يومئذ كان اسمه صدقي محمود ، أفاد أن الطائرات لم تقلع من سيناء لمواجهة العدو لأنها كانت بدون وقود وتم تدميرها على الأرض؟ هذا القائد نفسه كان قائد الطيران المصري في هزيمة 1967 الذي تم فيها القضاء على الطيران المصري كله على امتداد البلاد!) .

لقد كان الحاكم العسكري المهزوم دائما في كل حروبه عدا حربه ضد شعبه التي انتصرفيها انتصارا كاسحا ، صديقا لعدد من الرموز الصهيونية اليهودية في مقدمتهم ناحوم جولدمان رئيس المؤتمر اليهودي ، وزعيم الحزب الشيوعي المصري هنري كورييل ، وكان لهما دور في حمل الرسائل منه إلى اليهود الغزاة ومنهم إليه ، وكان يؤكد لهم كما تقول مذكرات رفاقه العسكر ( البغدادي وحمروش وغيرهما ) إنه كان حريصا على التأكيد بأنه لن يحارب اليهود الغزاة أبدا !

المتاجرة بالقضية

لذا تركوا للحكام العساكر وأشباههم في أرجاء العالم العربي حق المتاجرة بقضية فلسطين ، وألحقوا بهم المناضلين في المنظمات الفلسطينية اليسارية التي صنعتها الحكومات العسكرية وغير العسكرية ، فانتهى بهم المطاف إلى أوسلو التي جعلتهم حراسا لجيش الاحتلال ومستوطنيه وحواجزه ، وعينا على المجاهدين والمرابطين من أبناء المقاومة الإسلامية .

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 48

126

الثلاثاء 23-فبراير-1971

مع القراء (48)

نشر في العدد 1700

511

السبت 06-مايو-2006

وجهة نظر أم فتوى؟!