; في قراءة تجربة الغرب | مجلة المجتمع

العنوان في قراءة تجربة الغرب

الكاتب منير شفيق

تاريخ النشر الثلاثاء 07-ديسمبر-1999

مشاهدات 62

نشر في العدد 1379

نشر في الصفحة 43

الثلاثاء 07-ديسمبر-1999

• بنى نهضته بنهب ثروات العالم والسيطرة عليه، وصاغ نظامًا للحفاظ على تفوقه واستمرار قهره لبقية الشعوب

الذين يناقشون تجربة الغرب سواء من ناحية التطورات والثورات العلمية والتقنية والصناعية والمعلوماتية وغيرها، أم من ناحية ما اصطلح عليه من نظم ديمقراطية ونظريات اتجهت لتفكيك الأواصر العائلية لتعلي الفردية والاستقلال الفردي في كل اتجاه، هؤلاء وأولئك يأخذون بعين الاعتبار حقيقتين رافقتا النهضة الأوربية، ومن بعدها الأمريكية حتى اليوم، وهما: السيطرة الغربية على غالبية العالم، ثم ما نجم وينجم عن ذلك من جمع الثروات، ابتداء من النهب المباشر، وانتهاء بإقامة نظام اقتصادي عالمي على قياس الرأسمالية الغربية وعلى تضاد مع مصالح منتجي المواد الخام وتجارتهم مع العالم المتقدم صناعيًّا وتكنولوجيًّا.

لا يصار إلى تجاهل هاتين الحقيقتين فحسب، ولا إلى قراءة تأثيرهما على تراكم رأس المال الداخلي وتحريك عجلته وإيجاد المناخ الداخلي والخارجي الملائم لنموه وتقدمه فحسب، وإنما أيضًا يجري اعتبار ما هو نتائج أسبابًا فيصار إلى التبشير بها وترويج بضاعتها عندنا كأن من الممكن مثلًا وضع أنظمة للضمان الاجتماعي والصحي والتقاعدي وتأمين الشيخوخة من قبل بلدان فقيرة ترزح موازناتها تحت الديون. وبهذا يطلب أن تفكك التكافل الاجتماعي الذي يعين أشد الإعانة في ظروف البلدان الفقيرة أو أيام الشدة والمحن لحساب نظام فردي يستند في الغرب إلى دولة الرفاه، هذه الدولة المنغمسة منذ قرون في نهب ثروات المستعمرات وأشباه المستعمرات.

دعوى مكافحة التمييز ضد المرأة

لنأخذ مثلًا آخر، وهو محاولة المنظمات التابعة لهيئة الأمم المتحدة أن تفرض على بلداننا اتفاقية «مكافحة كل أشكال التمييز ضد المرأة»، وهي اتفاقية صيغت من خلال لجان مختصة ضمن المنظور الغربي حتى في أشد أشكاله تطرفًا، ثم بدأ يهرب بليل ليستفرد بكل دولة على حدة لإحراجها من أجل التوقيع عليه لئلا «تعزل عن المجتمع الدولي»، مع التأكيد ألا مفر لها من التوقيع، وبعد التوقيع يصبح لزامًا عليها إعادة النظر بقوانينها الداخلية لتنسجم مع نصوص المعاهدة.

لو وضعنا جانبًا البنود التي تشكل تعارضًا حادًّا مع الشريعة الإسلامية وأخذنا تلك البنود التي تبدو أقل «صدامية» مع الشريعة، مثلا البند الذي يعطي للفتاة بعد بلوغ الثامنة عشرة أن تخرج من بيت العائلة وتختار السكني التي تريد، وهو الحق الذي يمنح للفتاة في الغرب كما يمنح بالطبع، ويجب أن يكون الأمر كذلك بالضرورة للوالدين طردها من العائلة بعد أن تبلغ الثامنة عشرة؛ لأن أمام كل حق حقوقًا مقابلة للغير، ومن ثم فإن إقرار حق غريب عن المنظومة الأساسية للحقوق والواجبات المتبادلة يفكك تلك المنظومة بالضرورة، والسؤال عندما تخرج الفتاة في الغرب، أو يطلب منها أن تخرج من بيت والديها، ستجد المجلس المحلي يؤمن لها مسكنًا، وستجد من يؤمن لها العمل، أو يؤمن لها ضمانة مالية إلى أن تجد العمل، فما العمل والحالة هذه في بلدان العالم الثالث، ولا سيما بلداننا العربية والإسلامية حين تكرس ذلك النموذج الذي ينتهك كثيرًا من الحرمات، ويهدر كثيرًا من القيم والأخلاقيات، ناهيك عن أن هذه البلدان لا تملك ما يقابله من ضمانات؟ أفلا يعني هذا إلقاء الفتاة في مصير مجهول، بل تحفه كل الأخطار الأخلاقية والمعنوية والجسدية، ثم كيف تكرس مثل هذه الظاهرة ولا تكرس القيم التي صحبتها في الغرب، وهو عدم المبالاة بما يحدث للفتاة أو الفتى كذلك، حين يواجه كل منهما العالم فردًا بدلًا من تلك المواجهة الجماعية المتكافلة التي يحصنها الدين ويسدد خطاها؟

بكلمة، إن من لا يقرأ تجربة الغرب من خلال ما تحقق له من سيادة عالمية وثراء وإمكانات، وهي كلها سابقة لدولة الرفاه وما بلغه اليوم من مستوى علمي ومادي وتنظيمات اجتماعية وسياسية وثقافية من يسقط عاملًا فريدًا أساسيًّا في تلك التجربة، وهذا الإسقاط هو الذي يسمح بحمل بضاعة الغرب في مجال القوانين والتنظيمات والقيم ليسوقها في بلادنا مدعيًا أنها سبب نهضته، الأمر الذي «سيكون سببًا لنهضتنا لو أخذنا بها»، بينما الأخذ بها من جانب مجتمعاتنا سيمعن في تفكيكها وانحلالها، ومن ثم في ضعفها وتخلفها وتدهور أحوالها، ولو لم يكن الأمر كذلك، لما حاولوا أن يفرضوا علينا اتفاقات دولية فرضًا تتضمن بشكل أو بآخر تعريضًا لمجتمعاتنا واقتصاداتنا وسيادة دولنا إلى المزيد من الانكشاف وفقدان المناعة وانهيار آخر خطوط الدفاع.

هذا دون أن نأتي إلى الأهم وهو موضوع الدين والقيم والأخلاق ونمط الحياة.

 

الرابط المختصر :