العنوان تأملات تاريخية- ولتعلمن نبأه حتى حين
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-فبراير-1982
مشاهدات 63
نشر في العدد 562
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 23-فبراير-1982
جاء موسوليني -ذلك الطبل الأجوف- زعيمًا على إيطاليا في أكتوبر (۱۹۲۲) فكان بداية عهد أسود قاتم في ليبيا، تضاءلت إلى جواره كل الفظائع التي ارتكبت من قبل وتلاشت.
لقد كان الفاشست يحلمون بإعادة الإمبراطورية الرومانية الغابرة، فقرروا لذلك امتلاك البلاد العربية القائمة على شواطئ البحر الأبيض، ثم إبادة أهل هذه البلاد وإفنائهم، وتحويلها إلى رقعة لاتينية.
وفي عام (۱۹۲۳) قتلوا من أهالي جفارة وغيرها عند احتلالها ما يزيد على ألف رجل صبرًا أمام نسائهم وأطفالهم.
وكان من أبشع ما فعلوه -مما يدل على الجبن والنذالة والضعة وما شئت من أوصاف السوء- أنهم أتوا بعشر سيدات من أهل جفارة فجردوهن من ثيابهن، وشنقوهن عاريات، وأبقوهن سبعة أيام معلقات على هذه الحالة، ثم ما لبثوا أن أحرقوا عدة قرى بمن فيها.
وعندما دخل الطليان الكفرة في يناير (۱۹۳۱)، ولم يجدوا بها سوى الشيوخ والنساء والأطفال استباحوا قرى هذه الواحة ثلاثة أيام بطولها «ارتكبوا خلالها ما لا تتصوره الأذهان من نهب وسلب وتشنيع، وسبي نساء، وذبح شيوخ وأطفال، وإحراق دور ومزارع، وانتهاك حرمة المساجد ودوس المصاحف.
وقد وصف أحد الذين شهدوا معركة «الكفرة» فظائع الطليان؛ فقال ودخلوا الكفرة التي لم يبق فيها إلا الشيوخ والعجزة والنساء والأطفال، وانتشروا فيها، وفي قرية التاج مستبيحين كل حرمة، ونهبوا الأموال، وذبحوا الشيوخ والأطفال ذبح الخراف، وفتكوا بالنساء فتكًا ترتعد له الفرائص، وبقروا بطون الحوامل، وكان نصيب الكثيرات من النساء الموت الفظيع لدفاعهن عن أعراضهن، وبالجملة فقد هتكوا أعراض (۷۰) عائلة من عائلات السادة الأشراف، وجعلوا من الجوامع خمارات شربوا فيها الخمر، وكانوا يجبرون النساء المسلمات اللاتي أحضروهن للفحش على شرب الخمر أو الموت شر ميتة، ونثروا جميع المصاحف والكتب الشرعية في زاوية التاج، وداسوها، وألقوها في الاصطبلات تحت حوافر الخيل والبغال» إلا أن أفظع ما فعله الطليان كان اغتصاب النساء الأشراف.
ويروي الأمير شكيب أرسلان قصة هذه الفعلة الشنيعة، فيقول: «وكان نحو من (۲۰۰) امرأة من نساء الأشراف قد فررن إلى الصحراء قبل وصول الجيش الإيطالي، فأرسلوا قوة في أثرهن فتأثروهن حتى قبضوا عليهن، وسحبوهن إلى الكفرة؛ حيث خلا بهن ضباط الجيش الطلياني واغتصبوهن، وهكذا أنزلوا المعرات بسبعين أسرة شريفة من أشراف الكفرة الذين كانت الشمس تقريبًا لا ترى وجوههن من الصون والعفاف».
وفي مكان آخر يقول الأمير: «إن الإيطاليين قلبوا زاوية السادة السنوسية في الكفرة إلى دار فسق وسكر، وداسوا المصاحف الشريفة بالأرجل، وعندما كانوا يطبخون طعامهم كانوا يوقدون المصاحف تحت القدور».
وفي أثناء هذا النضال استحق المارشال جرازياني لقب «الوباء»، أو «الطاعون»؛ ذلك بأنه ظل شهورًا طويلة يعدم حوالي ثلاثين نسمة يوميًا، وأما العرب الذين كانوا يحاولون الفرار فقد كان نصيبهم أن يلقوا من الطائرات حتى يتحطموا على الصخور.
تلك قطرات قليلة من طوفان البلاء وسيل العذاب الذي صبه الاستعمار الإيطالي على أبناء القطر الليبي الشقيق، ليعلم الناس جميعًا لماذا كان يقاتل المختار ويقاتل، ويستبسل في قتاله وجهاده.
كان يعلم هو والمجاهدون معه أن العار والذل والعذاب وكل أنواع المهانة في انتظاره إذا استسلم؛ فكان لا بد له من القتال حتى الموت.
هذه المأساة الدموية التي أذاقت الشعب المسلم الليبي الويل والدمار والعار تتكرر في هذا العصر في بعض الدول العربية التي تحكمها أنظمة الحديد والنار، والتي تكيل لشعوبها سوء العذاب صباح مساء، وإننا نلمح إلى عودة «المختار» من جديد كي يخلص هذه الشعوب من براثن وأنجاس هذه الأنظمة الحاكمة الجائرة.
«ولتعلمن نبأه حتى حين».
من كتاب «عمر المختار» للمؤلف/ محمود شلبي.