العنوان المجتمع الأسري.. عدد 1524
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 26-أكتوبر-2002
مشاهدات 77
نشر في العدد 1524
نشر في الصفحة 60
السبت 26-أكتوبر-2002
أزمة تربية الأبناء.. الأسباب والحلول
أهم الأسباب: ضعف قوامة الرجل.. وسائل الإعلام والفراغ الديني
د. محمد السيد على بلاسي
أهم وسائل العلاج: تنشئتهم في ظل طاعة الله.. وغرس معنى المراقبة في وجدانهم
لا ينكر عاقل أن هناك أزمة حقيقية تكاد توجد في كل بيت مسلم في أمر تربية الأبناء وكيفية توجيههم ووسائل إقناعهم، ورغم عشرات الكتب والأشرطة والمقالات والتحقيقات التي دُبجت في هذا الشأن، إلا أن الأزمة ما زالت قائمة.. بل ربما تزداد سوءًا، لسبب جوهري بسيط هو غياب البعد الإيماني في كثير من وسائل التربية، وكذلك عدم الصبر والتأني في عملية توجيه الأبناء، والأخذ بأيديهم إلى طريق الرشاد، ولعل من أهم الأسباب أيضًا التي أوجدت تلك الأزمة ما يلي:
أولًا غياب أو ضعف قوامة الرجل: ويعد من أخطر الأمور التي أوجدت الخلل التربوي والسلوكي في كثير من الأسر، ومعلوم أن اختصاص الرجل بالقوامة التي منحه الله إياها لا يغض ولا ينقص من قدر المرأة، لأنه توزيع إلهي نشأ من مفارقات عضوية جسدية ونفسية عاطفية لا من تفرقة في جوهر الإنسانية المشترك بين النساء والرجال، قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۖ﴾ ( آل عمران: 195).
فالقوامة التي قررها الإسلام للرجل في أسرته تقوم على اعتبارين مادي ومعنوي.
ويتمثل الاعتبار المادي الحسي فيما يقوم به الرجل من عمل وسعي، لجلب سائر احتياجات الأسرة ومتطلباتها.
ولا شك أن هذا الواقع يستند إلى مبرر فطري وظيفي، ذلك أن المرأة بطبيعتها تحمل وتضع، وترضع وتحضن، وهي في هذه الأحوال والظروف تلاقي ضعفًا وألمًا وعجزًا عن مباشرة شدائد الحياة وقسوتها التي ينهض لها الرجل دونها، ومن هنا فرض الله تعالى الجهاد على الرجال دون النساء.
أما الاعتبار الأدبي والمعنوي الذي لاحظه الإسلام في قوامة الرجل، فهم أن عمله خارج بيته يوسع أفقه ويكسبه التجارب والخبرات وينوع علاقاته ومعاملاته مع كل مستويات البشر، فيطلع على أساليب تفكيرهم وطرق تعاملهم، ويتعرف على مكايدهم وحيلهم ويميز بين محسنهم ومسيئهم، وهذا ما لا يتوافر للمرأة بحكم وظيفتها وميدان نشاطها الفطري.
وبالإضافة إلى ذلك: فإن تقسيم الوظائف الفطرية بين الرجل والمرأة يستند إلى تعليلات معقولة مشاهدة الآثار، حيث إن الوضع الطبيعي للمرأة أن تقوم على رعاية البيت وتدبير شؤون الأبناء وحضانتهم، بما عرف عنها من طبع لطيف، وعاطفة رقيقة فياضة، يسهل معها أن تنزل إلى مستوى أبنائها، فتفكر بعقولهم وتملأ أرواحهم أملًا وإشراقًا، وتسعد قلوبهم مودة وصفاءً، وتنمي أحاسيسهم الطفولية، فإذا ما كبروا تناولتهم يد الأب ليأخذوا عنه تجارب الحياة، ويتحملوا بأسها بقوة وإرادة وتدبير سليم (1).
ثانيًا السلبية وعدم الاهتمام بأمر المسلمين: من أخطر أمراض المسلمين المعاصرين انفراط عقدهم وتشرذم أمتهم، فصاروا تجمعات صغيرة مبعثرة واستبدلوا رابطة العقيدة بروابط دنيوية، حتى وصل الأمر إلى تبلد الحس الإسلامي نحو رابطة الأخوة الإسلامية.
ونسوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أصبح وهمه الدنيا فليس من الله في شيء، ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم».
ولكن.. كيف نربي أولادنا على الاهتمام بأمور المسلمين؟
1 - اهتمام البيت المسلم بالقضايا الإسلامية الكبرى، وشرحها للصغار بما يناسب عقولهم، مثل قضية فلسطين، وكشمير، والبوسنة والهرسك، والشيشان.
2 - التعرف على الدعوات الهدامة التي تدبر للمسلمين: كالحركة التنصيرية ووسائلها في دس السم في العسل، وأماكن وجودها، والمؤسسات المختفية وراءها، وتحصين الناشئة ضدها (2).
ثالثًا: وسائل الإعلام الهابطة: نتائج الأبحاث والدراسات تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن الطفل العربي المسلم يتعرض لمؤثرات خطيرة، وأن شخصيته وهي في مراحل تكوينها تخضع لضغوط سلبية متنوعة، وتتفاقم المشكلة في ظل تراجع دور الأب والأم في العملية التربوية، وبسبب نقص المواد التعليمية في أكثر من بلد عربي، فإن دور المدرسة أصابة قصور كبير، ومع هذا الغياب والتقصير المتعدد الصور والأشكال تأتي أجهزة الإعلام المعتمدة في جزء كبير منها على الإنتاج الأجنبي لتسد الفراغ ولتحدث هزة قيمية خطيرة قد ندفع ثمنها باهظًا في المستقبل.
ولنتذكر على الدوام مقولة شيمون بيريز، رئيس وزراء إسرائيل السابق: «لسنا نحن الذين سنغير العالم العربي، ولكنه ذلك الطبق الصغير الذي يرفعونه على أسطح منازلهم» (3).
رابعًا: الفراغ الديني: وبسببه كانت تلك الأزمة التربوية والسلوكية التي وضحت معالمها في واقع حياتنا، حتى صرنا نسمع عن قتل أم لابنها من أجل عشيقها، وقتل ولد لأبيه وأمه بسبب المخدرات، ورجل يرتكب الفاحشة مع ابنته!! وغير ذلك من الانتكاسات الفطرية التي تصل آذاننا كل يوم، فضلًا عن الظواهر المتفشية في الأبناء من تدخين ومسكرات ومخدرات وزنى.. كل هذا نظرًا لأننا ابتعدنا عن التربية الإيمانية والطريق إليها: ربط الولد بأصول الإيمان، وتعويده أركان الإسلام، وتعليمه مبادئ الشريعة الغراء.
المراقبة.. والطاعة
ومن المسلَّم به: أن الشاب حين يستشعر من أعماق وجدانه أن الله سبحانه يراقبه ويراه ويعلم سره ونجواه ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وأنه سيحاسبه إن قصر وفرط، ويعاقبه إن انحرف وزل، لا شك أنه سينتهي عن الموبقات والقبائح، ويكف عن المنكرات والفواحش.
ومن المعلوم يقينًا: أن حضور مجالس العلم والذكر والمداومة على صلاة الفرض والنفل، وتلاوة القرآن والاستماع إلى أخبار الصحابة والصالحين واختيار الرفقة الصالحة، والارتباط بالجماعة المؤمنة، وذكر الموت وما بعده، كل ذلك يقوي في المؤمن جانب الخشية من الله والمراقبة له واستشعار عظمته (4).
وبعد: فلنتأكد أنه «لن يصلح حال هذه الأمة إلا بما صلح به أولها».
فلقد انتصر محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم يوم صنع أصحابه – عليهم رضوان الله – صورًا حية من الإيمان، تأكل الطعام، وتمشي في الأسواق، يوم صاغ منهم كلًا على حدة قرآنا حيًا يدب على الأرض، يوم جعل من كل فرد نموذجًا مجسمًا للإسلام يراه الناس فيرون الإسلام.
إن النصوص وحدها لا تصنع شيئًا، وإن المصحف وحده لا يربي إلا من كان رجلًا.
الهوامش
القوامة على الأسرة: لماذا هي للرجل؟د. حسن أبو غدة، ص 57، «مقال منشور بمجلة الوعي الإسلامي عدد ذي الحجة هـ 1418».
كيف نربي أولادنا على الاهتمام بالمسلمين؟ خالد أحمد الشنتوت، ص 82، « مقال منشور بمجلة منار الإسلام، عدد شوال 1418».
الأطفال ومشاهدة العنف في التلفزيون، عبد الرحمن غالب، ص 88.
تربية الأولاد في الإسلام، عبد الله ناصح علوان، 1/147، 229.
دوافع الكذب عند الأطفال
حسين على البرواري
للإسلام قصب السبق في مضمار التربية والتعليم، وما اهتم دين، أو مذهب، أو فكر، أو حضارة بالتربية والتعليم مثلما اهتم بهما الإسلام، فهو كما نعلم دين وقاية قبل أن يكون دين علاج، لذلك نبه إلى خطورة المحيط الذي ينشأ فيه الطفل، وجعل مسؤولية الرعاية والإصلاح على عاتق الجميع انطلاقًا من مفهوم الحديث الشريف: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».
إن المتتبع للنظم الاجتماعية يجد أن الإنسان عندما يريد أن يتعلم يسلك سلوكًا معينًا، وعندما يريد أن يحسن مكانته الاجتماعية يسلك سلوكًا آخر، هذا السلوك الاجتماعي يتعرف الشخص على أصوله، ويدمج في ذاته، بحيث يصبح جزءًا من بنائه الفكري عن طريق عملية التربية، أو التنشئة الاجتماعية التي تقوم بها الأسرة ومختلف مؤسسات التربية في المجتمع.
يقول أحد المختصين في مجال تربية الأطفال: إنه خلال الثلاثين عامًا التي قضاها في مهنته، وهو يراجع الآباء والأمهات بصدد عيوب أطفالهم، لا يذكر حادثة واحدة كذب فيها أحد الأطفال من دون سبب.
ونورد هنا بعض الأسباب والدوافع التي تؤدي إلى كذب الأطفال:
1 - القدوة: قد يكذب الطفل بسبب سلوكنا الخاطئ، فنحن لا نستطيع أن نامر أطفالنا بالصدق إذا كنا نسبقهم إلى الكذب.
ومن أسئلة ذلك الأب الذي أمر ولده أن يقول للطارق على الباب إذا كان فلانًا إن والدي غير موجود، وإذا كان غيره فقل له إن والدي موجود وافتح له الباب.
2 - تفادي العقوبة: ومن أمثلة ذلك الأم التي تكتشف اختفاء شيء ما في المنزل كقطعة حلوى أو غيرها، وعندما تسأل الأم عمن أخذها، ويعترف أحد الأطفال بأخذها، تقوم الأم بضربه وشتمه وتهديده إذا ما عاد لمثل هذا العمل ثانية، ففي مرة تالية حين يجد الطفل إحدى قطع الحلوى يأخذها ويأكلها، وعندما تسأله الأم عمن أخذها، ينكر أنه أخذ شيئًا فلا تعاقبه أمه، وبذلك يستقر في ذهنه أن الصدق يؤدي إلى العقاب، بينما الكذب منجٍ، وبالتالي يتسرب في وجدانه أن الكذب أفضل من الصدق فيكذب ويكذب.
3 - الإهمال: قد يشعر الطفل أنه كتلة مهملة في المنزل بسبب انشغال الأسرة الدائم عنه في أعمالهم وأوجه نشاطهم، فيرى أن الكذب ولو رافقه الضرب والتأديب ربما كان وسيلة لاستجماع مركز الاهتمام، لذا فإنه يفضل أن يضرب على أن يهمل.
4 - حب التملك: الطفل الذي يحرم من امتلاك بعض الأشياء يلجأ لأخذ بعض الحاجات من البيت ويخبئها في مكان آمن بالنسبة له أو يسرقها، وإذا سئل عنها ينكر أية صلة له بها.
5- العاطفة: تشكل العاطفة مساحة واسعة في نفس الطفل الناشئ، وهي تكون نفسه، وتبني شخصيته، فإن أخذها بشكل متوازن كان إنسانًا سويًا في مستقبله وفي حياته كلها، وإن أخذها بغير ذلك سواء بالزيادة أو النقصان تشكلت لديه عقد لا تحمد عقباها.
فالزيادة تجعله مدللًا لا يقوم بتكاليف الحياة بجد ونشاط، ونقصانها يجعله إنسانًا قاسيًا كاذبًا على من حوله.
6 - المحيط المنزلي: عندما يستعمل الآباء والأمهات كلمات بذيئة، ويدخل في ذلك الكذب، يبدأ الطفل بتقمص شخصياتهم وقد يلجأ إلى الكذب تقليدًا لعوامل تراكمت لديه بسبب التجربة، فبعض أفراد العائلة يعدون الأطفال بهدية عند الرجوع من السوق مثلًا، ثم يفاجأ الطفل بأمر غير الذي وعد به، وفي المرة التالية يتعود الطفل، ويكتسب هذه الصفة، فيقوم بتقمص دوره بإلقاء هذه الكلمات على أفراد العائلة عندما يحتاجون إلى شيء ما فيقول لهم نفس ما قيل له.
7 - مصاحبة رفقاء السوء: يقضي بعض الأطفال جل أوقاتهم خارج المنزل، فإذا كانوا مع أصدقاء السوء اكتسبوا منهم أساليب معينة ثم يأتون إلى المنزل ويطبقونها، ومن جملة ذلك الكذب.
8 - حب الظهور: ليظهر الطفل أمام الآخرين من أقرانه على أنه قوي ومحبوب ولديه أشياء كثيرة، وأن والده يجلب له كل يوم هدايا على غير الواقع.
ونصيحتي للآباء والأمهات أن يهتموا بأطفالهم وتنفيذ متطلباتهم قدر الاستطاعة وضمن المعقول، وعليهم أن يبينوا لهم أن الكذب خيانة، وإن كان ما يسمى بالكذب الأبيض، وأن هناك خطوطًا واقعية تميز بين قول الحقيقة مهما يكن الثمن وبين إيذاء مشاعر الناس بلا ضرورة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل