; محاكمة موريس بابون في فرنسا.. تثير الصراعات السياسية وتسلط الأضواء على صفحة سوداء في الملف الجزائري | مجلة المجتمع

العنوان محاكمة موريس بابون في فرنسا.. تثير الصراعات السياسية وتسلط الأضواء على صفحة سوداء في الملف الجزائري

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 28-أكتوبر-1997

مشاهدات 67

نشر في العدد 1273

نشر في الصفحة 43

الثلاثاء 28-أكتوبر-1997

يقوم القضاء الفرنسي هذه الأيام بمحاكمة موريس بابون السكرتير العام للشرطة بمنطقة بوردو، ومحافظ شرطة باريس في فترتين من الحكم الفرنسي «الاحتلال الألماني والعهد الديجولي»، الخلفية الأساسية من هذه المحاكمة هذا الظرف بالذات كانت إعادة إحياء الذاكرة لدى الرأي العام الفرنسي ومن ورائه الرأي العام الأوربي والعالمي بالمحنة التي تعرض لها اليهود في مرحلة الاحتلال الألماني لفرنسا خلال الأربعينيات، لكن هذه القضية تحولت مع الوقت إلى قضية سياسية يتجاذب أطرافها اليمين واليسار استعدادًا للانتخابات الجهوية في مارس ۱۹۹۸م.

وتتمحور التهم الموجهة لموريس بابون حول ترحيل يهود فرنسيين نحو ألمانيا الهتلرية ما بين عامي ١٩٤٢م و١٩٤٤م، أي عندما كانت فرنسا تحت الاحتلال الألماني، وفي ظل حكومة فيشي الموالية للألمان، وقد دار جدل كبير حول الدور الفعلي لبابون في هذه العملية باعتباره في ذلك الوقت السكرتير العام لمحافظ الشرطة بمنطقة بوردو، والرائج اليوم أن هذا الموظف الفرنسي هو المسئول الأول والمباشر عن ترحيل اليهود من خلال توقيعه على وثيقة الترحيل.

لكن بداية من يوم ۲۰/ ۱۰ اخذت القضية مجرى آخر، حيث تبين أن المسئولية المباشرة غير مؤكدة.. هذا التطور جاء بعد تصريح مؤرخ فرنسي يدعى ميشال برجيس لإحدى وسائل الإعلام الفرنسية «LCI» بأن الوثيقة التي وقعها بابون ليست سوى نسخة لأمر صادر عن محافظ الشرطة لمدينة بوردو قبل أيام من تاريخ التوقيع، وكان دور بابور بوصفه السكرتير العام التابع لمحافظ الشرطة التصديق على الوثيقة ليحتفظ بها في الأرشيف، وانطلاقًا من هذا المعطى الجديد، فإن التحقيق في قضية ترحيل اليهود بدأت تأخذ منعطفًا جديدًا لأن النقاش تحول من دائرة المسئولية المباشرة إلى أحد الاحتمالين التاليين: المشاركة في «الجريمة»، أو البراءة، الأمر الذي يقلق اللوبي اليهودي في فرنسا الذي سعى منذ وقت طويل إلى جعل هذه المحاكمة مناسبة هامة لإحياء ذاكرة الأجيال الصاعدة في فرنسا وأوربا بشأن ما تعرض له اليهود وتحميل الأجيال السابقة مسئولية ما حدث خلال الحرب العالمية الثانية، ذلك أن هذه المحاكمة تتنزل في إطار سياسة جر أصحاب القرار في فرنسا نحو الاعتراف الرسمي بمسئولية فرنسا في هذه الأحداث، والاعتذار لليهود رسميًّا، ثم دفع المجتمع المدني بمنظماته الدينية والعلمانية للسير في نفس النهج.

والمتأمل يلاحظ بأن خطوات كبرى قطعت في اتجاه مسار «التطبيع» المسيحي- اليهودي، وبالرغم من الطابع العلماني للدولة في فرنسا، فإن النفس الديني ليس غائبًا، بل إنه كان بارزًا في بعض المواقف مثل زيارة الرئيس الفرنسي إلى البابا، وكذلك من خلال الانتماء الديني لعدد من الشخصيات السياسية والخلفية الدينية المسيحية تبقى هي الطابع المؤثر على التصورات والرؤى السياسية، لذلك فإن الاعتراف الرسمي الذي قام به الرئيس شيراك: يوم 16/ 7/ 1995م بمسئولية الدولة الفرنسية في ترحيل اليهود يعتبر حسب الكثير من الملاحظين تحولًا كبيرًا في التعامل الرسمي مع الملف اليهودي، وكذلك من حيث العلاقات المسيحية- اليهودية، ومعلوم أن الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا میتران رفض تقديم هذا الاعتراف الرسمي طوال مدة حكمه «١٤ سنة» لأنه لم يشأ تحميل مسئولية حقبة في تاریخ فرنسا لكل الفرنسيين.

وكانت الخطوة الثانية بعد الرئاسة اعتراف ممثلي الدين المسيحي في فرنسا بمسئولية الكنيسة في الأحداث التي تعرض لها اليهود، ولم يكن هذا الاعتراف محل إجماع فعاليات الدين المسيحي لأنه سيضعف هامش المصداقية التي تتمتع بها الكنيسة لدى قطاع من الرأي العام، ولدى الشباب الطامح للعودة إلى جذوره الدينية.

أحداث ١٩٦١م الدامية ضد الجزائريين

من هذا المنطلق تعد محاكمة موريس بابون مرحلة أخرى في تحرير مشاعر الفرنسيين للإشفاق على اليهود في الوقت الذي تتناقل فيه وسائل الإعلام أخبار تعنت حكومة نتنياهو مع الفلسطينيين، لكن التطورات الأخيرة في ملف القضية بالإضافة إلى فتح ملف جديد يخص الأحداث الجزائرية أضعفا اهتمام الرأي العام الفرنسي بالشق الأول الخاص بترحيل اليهود؛ فقد تزامنت محاكمة بابون مع الذكرى السادسة والثلاثين لأحداث 17/ ١٠/ ١٩٦١م في باريس، في هذا التاريخ نظم الجزائريون المتواجدون في باريس مظاهرة كبرى شارك فيها النساء والأطفال والرجال احتجاجًا على قرار محافظ الشرطة بباريس صادر يوم 5/ ١٠/ ١٩٦١م ينص على حظر التجول ليلًا بالنسبة للمسلمين، وكان محافظ الشرطة هو موريس بابون الذي عمل في ذلك الوقت في العاصمة، والخطير في الأمر أن المظاهرة تم قمعها بكل قوة وقامت قوات الشرطة بفتح النار على المتظاهرين وإلقاء عدد منهم في نهر السين. المصادر الرسمية تقول: إن عدد الضحايا لا يتجاوز الثلاثة اشخاص، في حين تؤكد مصادر «جبهة التحرير الوطني» الجزائرية المنظمة للمظاهرة أن عدد الضحايا يبلغ 247، وتتحدث المصادر التاريخية عن أكثر من مائتي ضحية هذه الحقبة التاريخية لم تكشف أسرارها إلى اليوم لهذا السبب قررت حكومة جوسبان فتح الأرشيف الخاص بهذه الأحداث، ولكن الملاحظين يشككون في العثور على الوثائق المهمة بعد كل هذا الزمن.

وتبين أن الاهتمام الخاص بإحياء ذكرى أحداث ١٩٦١م أخذ أبعادًا سياسية، فهذه الأحداث مرتبطة بالحكم الديجولي في أواخر المرحلة الاستعمارية للجزائر، وكثر الجدل حول دور الديجوليين كتيار حزبي في تأزيم الوضع هناك، ولهذا كان رد فعل رئيس الحزب الديجولي الحالي فيليب شيغان قويًّا احتجاجًا على استغلال محاكمة بابون لتشويه صورة الديجوليين، والكلام موجه للاشتراكيين في الحكومة، من ناحيته قام رئيس حزب الجبهة الوطنية العنصري جون ماري لوبان بالتهجم ضمنيًّا على شارل ديجول بالمقارنة بينه وبين المقاومين الذين اختاروا مقاومة الاحتلال الألماني من داخل فرنسا في حين اختار شارل ديجول المقاومة انطلاقًا من لندن.

وتأتي هذه الاتهامات في إطار الإعداد للانتخابات الجهوية «المحلية» في مارس ۱۹۹۸م والتي ينتظر أن يفوز فيها حزب لوبان بنسبة مهمة، وكل طرف سياسي من اليمين واليسار يحاول التركيز على أخطاء خصمه في الماضي والحاضر من أجل كسب أصوات الناخبين لهذا تحولت محاكمة بابون إلى ميدان للصراع السياسي ضمن جملة من ميادين الصراع في المجال الاجتماعي: المنح العائلية، وتخفيض ساعات العمل إلى ٣٥ ساعة وغيرها من المسائل التي قوي بشأنها الاحتكاك بين الحكومة الاشتراكية والمعارضة اليمينية.

الرابط المختصر :