; داء التقسيم ينخر الأمة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان داء التقسيم ينخر الأمة الإسلامية

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 20-أبريل-1993

مشاهدات 71

نشر في العدد 1046

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 20-أبريل-1993

  • ·       لقد كانت الخطة المركزية لأعداء الأمة الإسلامية أن تبقى منقسمة ليسهل تركيعها وضمان تبعية سلطات القرار فيها إلى القوى المركزية في العالم.

    بعد سقوط الخلافة العثمانية عام ١٩٢٤، تقاسمت الأيدي الخفية وراء سقوطها التركة الضخمة التي خلفتها هذه الإمبراطورية، وخططت لاستمرار حالة الانقسام على مستوى العالم الإسلامي؛ حتى تتمكن من السيطرة على مقاليد العالم في غياب منافسة حقيقية، وتوظيف موازين القوى لصالحها.

    ومنذ ذلك التاريخ، والأمة الإسلامية تعاني التمزق والتشتت والانقسام الذي تختلف درجاته ومستوياته حسب نوعية النخبة الحاكمة، والظروف الإقليمية والدولية. والجدير بالذكر أن بروز فكرة (الدولة-الأمة) في المنطقة الإسلامية، على غرار ما هو قائم في المجتمعات الغربية، تزامن مع تكريس القوى المسيطرة على مراكز النفوذ في العالم للخلافات الحدودية بين مختلف الكيانات المستحدثة، إلى جانب الخلافات الأيديولوجية ذات النزعة العلمانية على مستوى النخبة القيادية والمتعلمة.

    مشاريع وحدة فاشلة

    وإزاء هذا الوضع، باءت حيل المحاولات من أجل توحيد بعض أو معظم الأشلاء المتناثرة مشرقًا ومغربًا بالفشل، وليس من المنطقي- من الناحية المبدئية- إرجاع أسباب هذا الفشل إلى مجرد كون هذه الكيانات تنتمي إلى الفضاء الثقافي والحضاري العربي أو الإسلامي، انطلاقًا من المقولة الرائجة -خطًا أو صوابًا- بأن «العرب اتفقوا على ألا يتفقوا». ومن يقرأ بين السطور، يشعر بوجود يد خفية وراء ترويج مثل هذه الأقوال؛ للتيئيس وتثبيط الهمم، والجزم بأن العرب -والمقصود بهم هنا المسلمون- عاجزون عن النهضة التي تمثل الوحدة إحدى ركائزها الأساسية.

    وكان من الأولى البحث في أسباب الفشل عن عدم تجذر الفلسفات والأيديولوجيات التي قامت عليها مشاريع الوحدة في المنطقة العربية الإسلامية؛ وهذا الانبتات جعل الخطاب الوحدوي مجرد شعارات لا ترقى إلى الفعل والإنجاز. كما أن الحلول التي قدمت في إطار هذه المشاريع كانت مبتورة، وجِدّ متأثرة بالنموذج الغربي في شقيه الاشتراكي والرأسمالي، فعادة ما تكون هذه المشاريع ذات أبعاد إقليمية محدودة، بل يتم إقصاء عدة أطراف أو دول مركزية فاعلة، حتى داخل المنظومة الإقليمية نفسها، المغربية أو المشرقية مثلًا. كما أن الطابع العلماني كان هو الغالب على مثل هذه المشاريع، مع استبعاد العامل الديني أو تهميشه، والتركيز في المقابل على العامل الاقتصادي أو السياسي.

    وفي كل الأحوال، كانت الخطة المركزية لأعداء الأمة الإسلامية أن تبقى هذه الأخيرة منقسمة داخلها، وتتآكل فيما بينها؛ ليسهل تركيعها وضمان تبعية سلطات القرار فيها إلى القوى المركزية في العالم.

    وإذا كان هذا المعطى ليس جديدًا في حد ذاته، فإن ما يمكن استنتاجه بعد ثلاثة عقود خلت على جلاء الاستعمار العسكري من الأراضي الإسلامية، هو طول النفس والإصرار والتخطيط المرحلي بعيد المدى من طرف القوى المهيمنة؛ من أجل قطع كل الجذور، أو على الأقل محاصرة كل مشروع أو توجه نحو إسعاف الأمة الإسلامية، أو إنقاذها من داء الانقسام الذي ينخر في أوصالها بعد أن زرع الاستعمار بذور التفرقة والتشتت في صفوف أبنائها، إذ لم تكتفِ هذه القوى بعملية الزرع، وإنما هي ترعى نمو نباته، بل تحتضن كل من يوظف لمهمة الرعاية المتواصلة والدؤوبة؛ حتى لا يشفى الكيان الإسلامي خصوصًا من داء الانقسام والتقسيم، والأمثلة في هذا المجال عديدة.

    البؤرة البربرية

    فعلى مستوى المغرب العربي، سعى الاستعمار إلى اعتماد البربر كمدخل بؤرة توتر واحتجاج ومعارضة للسلطة المركزية، كلما حاولت هذه الأخيرة اتخاذ إجراءات ذات نفس إسلامي؛ وبصفة أشمل توظيف هؤلاء لخدمة المصالح الغربية والفرنسية منها بالخصوص.

    ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى الدور السلبي للمنظمات والأحزاب ذات الانتماءات البربرية في الجزائر، بالضغط بكل قوة من أجل إيقاف مسار التجربة الديمقراطية في هذا البلد، بعد فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الدورة الأولى للانتخابات النيابية، بالإضافة إلى موجة احتجاج هذه الأطراف على مصادقة البرلمان الجزائري على تعميم استعمال اللغة العربية في المجال الإداري والتعليمي بالخصوص، والدعوة إلى الاعتراف باللغة الأمازيغية؛ بحيث أصبحت النخبة البربرية العلمانية مصدر تشويش وإعاقة لكل نفس تحرري من التبعية إلى الخارج، بحجة أن الأقلية البربرية مضطهدة وهويتها مهمشة، في حين أثبتت عدة تحاليل موضوعية تبني عدد لا بأس به ممن ينتمون إلى المناطق القبائلية المشروع الإسلامي والحلول التي يقدمها كبديل عن الاشتراكية ومختلف الأيديولوجيات المستوردة.

    من هنا يتأكد الحلف القائم بين فرنسا ودعاة التغريب من البربر في الجزائر؛ وتكفي قراءة الصحافة الفرنسية بمختلف توجهاتها السياسية؛ لفهم المخطط الفرنسي في إيجاد بؤرة بربرية في قلب المنطقة المغاربية التي تعتبر المجال الحيوي لفرنسا، بل إن التنافس بين فرنسا وأمريكا على هذه المنطقة قد اشتد منذ ظهور الصحوة الإسلامية بها. وكل طرف يجتهد في كسب فصيل عرقي أو سياسي، والعمل على إفشال الوحدة المغاربية حتى في أضعف مستوياتها، وإبقاء هذا الكيان مجزأً ومنقسمًا.

    إشعال الفتنة على ضفاف النيل

    ونفس الأسلوب انتهج مع بلدان ضفاف النيل، باعتبارها تقع في منطقة استراتيجية، والبوابة التي يطل منها العالم العربي على قلب القارة الإفريقية. وقد شهدت كل من السودان ومصر تحديات كبرى لتحويلها عن مهمة الانفتاح على محيطها الإفريقي، والإشعاع على منطقة القرن الإفريقي؛ بإغراقها في مشاكل داخلية عن طريق إحداث كيانات عرقية أو طائفية تعطل مسار وحدتها وتقدمها.

    ففي السودان، لم يخرج الاستعمار من هذا البلد عام ١٩٥٥ إلا وقد أشعل نار الفتنة بين سكان الشمال من المسلمين وأهل الجنوب من المسيحيين والوثنيين، بعد أن اتبع سياسة المناطق المقفولة، وعزل الشمال عن الجنوب، والتركيز على هذا الأخير لربطه بثقافة المستعمر عن طريق الحملات التبشيرية المكثفة؛ والنتيجة نشأة نخبة متغربة وحاقدة على الإسلام والمسلمين. ولم يقتصر الأمر على الاختلاف العقائدي أو السياسي المعقول، وإنما تجاوزه إلى إعلان التمرد المسلح على المؤسسات حديثة العهد بعد الحصول على الاستقلال، بحجة أن الشماليين احتكروا المناصب السياسية والإدارية في عملية السودنة.

    وهكذا وجدت السلطات الجديدة نفسها أمام تحدٍ خطير منذ انطلاق مهمتها، والتصدي لمنظمة «إنيانيا» (الثعبان السام) بدلًا من صرف اهتماماتها إلى البناء الداخلي ومعركة التحرر. وتطورت الحرب في جنوب السودان لتصبح المعضلة الرئيسية لكل حكومة، عسكرية كانت أم مدنية؛ بل إن سقوط عدة حكومات كان ناتجًا عن تحطم سفينتها على صخرة هذه الحرب، التي ظلت الجرح الدامي في جسم أكبر بلد إفريقي إلى يومنا هذا.

    وإذا كان تدويل القضية في عهد ثنائية القطبية في النظام الدولي السابق يدخل في إطار التنافس على مناطق النفوذ داخل القارة الإفريقية، فإن المساندة التي يلقاها اليوم قرنق، زعيم جيش تحرير جنوب السودان المتمرد، من طرف الغرب عمومًا، وإسرائيل وأمريكا بالخصوص؛ دليل على مراهنة هذه الأطراف على تقسيم السودان إلى جنوب وشمال؛ بهدف تعطيل المشروع الإسلامي الذي قطع أشواطًا كبيرة منذ حزيران (يونيو) ۱۹۸۹، ودعم الجبهة الإسلامية القومية بزعامة الدكتور الترابي لنظام البشير.

    ومعلوم أن وصول هذا الأخير للسلطة كان في ظرف خطير على هوية السودان وأمنه؛ حيث كادت القوى المتمردة أن تقترب من العاصمة الخرطوم، بعد أن تقدمت كثيرًا في المناطق الجنوبية في ظل من التسيب الأمني والتنافر السياسي بين الأحزاب التقليدية الممثلة في طائفتي المهدية والميرغنية أو الختمية.

    وتشير تصريحات المسؤولين الأمريكيين إلى عدم اعتراض الولايات المتحدة على تقسيم السودان، بحجة عدم احترام حقوق الأقلية الجنوبية، في حين أن الواقع يدل على أن السلطات في الخرطوم عقدت العزم على الحسم مع قرنق وأعوانه، ووضع حد للتمرد والحفاظ على وحدة البلاد وهويتها، وقطع الطريق أمام مشروع إلحاق جنوبها بالشخصية الإفريقية ذات الانتماءات الوثنية؛ فلا غرابة أن تكون السودان موضوع حملة إعلامية وسياسية مضادة، بل تهديدات بالتدخل على غرار العراق، ووصفها بأنها مركز الثقل للأصولية والإرهاب في العالم الإسلامي.

    خطر التقسيم في الشرق الأوسط

    أما القطر المجاور من الشمال- أي مصر- فإنه يعاني هو الآخر من مشكل مستحدث، متمثلًا في تحرك بعض رموز الطائفة القبطية بوازع خارجي؛ من أجل زعزعة استقرار الأمن في هذا البلد العربي الاستراتيجي، والتخويف من خطر أصولي يعتمد العنف أسلوبًا في العمل. ومعلوم أن التعايش يسود المجتمع المصري منذ قرون عدة، ولكن التدخلات الخارجية هي التي تشعل نار الفتنة، وتسعى إلى فرض الأقلية القبطية على مقاليد الدولة وسلطات التسيير والتنفيذ في مجتمع ذي انتماء إسلامي عريق.

    وتكفي الإشارة إلى ردود الأفعال المتخوفة من تنامي الصحوة الإسلامية، بعد فوز القائمة الإسلامية في انتخاب هيئة المحامين، كما أن العديد من المشاريع الفكرية والاستراتيجية المطروحة هناك تركز على الهوية الفرعونية لهذا البلد، وتحاول إبراز معالم الحضارة الفرعونية وآثارها، وتهميش الدور الإسلامي في نهضة مصر، إلى جانب التسرب الإسرائيلي باسم التبادل التجاري أو السياحي منذ عهد السادات، ولا تخفى الآثار السلبية لهذا التسرب على وحدة الكيان المصري والجسم العربي الإسلامي بصفة أعم.

    القارة الآسيوية

    أما على مستوى القارة الآسيوية، فإن الوضع أكثر تعقيدًا؛ لوجود القضية الجوهرية التي تشغل الأمة الإسلامية منذ أن تحالفت القوى الغربية على زرع الكيان الصهيوني في قلب فلسطين، وعلى أرض المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين.

    ومنذ أن انطلقت الانتفاضة المباركة، شعرت القوى الخارجية والداخلية بخطورة الموقف واحتمال قيام دولة إسلامية في المنطقة، وسارعت أمريكا بتكثيف دعمها للكيان الصهيوني، وكانت حرب الخليج فرصة ذهبية بالنسبة لها؛ لدعم نفوذها في منطقة الشرق الأوسط.

    وبالطبع كانت الضحية الأولى لهذه السياسة شعوب تلك المنطقة، وعلى رأسها الشعب الفلسطيني الذي تحول إلى كبش فداء موازين القوى القائمة في إطار النظام الدولي الجديد، ولا يزال شبح الحرب الأهلية في لبنان يخيم على شعوب وأهالي منطقة الشرق الأوسط؛ نتيجة التدخلات الأجنبية، وتحريك النعرات العرقية والطائفية تحت شعارات حضارية؛ لإخفاء حقيقة مصالح القوى المهيمنة في العالم.

    تحويل الأنظار عن انتصار المجاهدين

    وليست الحدود الشرقية للعالم الإسلامي بأحسن وضع من بقية المناطق؛ فما أن انتهت الحرب في أفغانستان بين النظام الشيوعي في كابل وأسياده السوفييت والجيش الأحمر من جهة، والمجاهدين والشعب الأفغاني من جهة أخرى، حتى فتحت بؤرة جديدة لصراع داخل الصف الإسلامي وبين فصائل المجاهدين أنفسهم.

    والملاحظ أن الإعلام الغربي يركز في تحاليله وأخباره على الانتماءات العرقية المختلفة لقادة المجاهدين، ويصور القائد مسعود على أنه الطرف الأكثر اعتدالًا، في حين يقدم المجاهد حكمتيار والحزب الإسلامي على أنهما قمة التطرف والأصولية.

    ومع تطور الأحداث، تبين أن الصراع ضد الميليشيات من بقايا النظام الشيوعي بزعامة رشيد دستم هو أصل المشكل، لكن التدخلات الأجنبية تريد تحويل الأنظار إلى الاختلافات والخلافات العرقية بين الباشتون والأوزباك والطاجيك، وبين الشيعة والسنة؛ إلى حد طرح مسألة التقسيم كحل لهذه الخلافات.

    وبدون شك، فإن الهدف الحقيقي من وراء هذه التدخلات هو التقسيم؛ من أجل السيطرة على منطقة استراتيجية تشهد صحوة إسلامية على كل المستويات، خاصة في نطاق الجمهوريات الإسلامية في جنوب شرقي آسيا، إلى جانب باكستان وكشمير.

    ويبدو أن مشروع التقسيم الذي خططت له القوى الغربية قد وصلت عدواه إلى أوروبا، حيث ظهرت بوادر لصحوة في قلب القارة؛ لذلك تحركت الآلة الصربية حليفة الغرب لاستئصال هذا الخطر- في نظرها، وتشهد بذلك المجزرة الرهيبة التي يتعرض لها المسلمون في البوسنة والهرسك على مرأى ومسمع المجموعة الدولية بأكملها؛ بل إن الحقد على الإسلام بلغ حد تدمير جل المعالم الأثرية الحية التي تشهد على حضارة إسلامية رائعة خلفها وراءهم العثمانيون بعد أن فتحوا تلك الديار.

    واستكمل مشروع الاستئصال الذي بدأه الصرب بمشروع غربي لتقسيم دولة البوسنة والهرسك بين الصرب والكروات، وبذلك تلتف الكماشة الغربية حول كيان الأمة الإسلامية، وتحاصره وتجهز عليه تقسيمًا وتفتيتًا.

    اقرأ أيضًا:

الرابط المختصر :