; تفسير ساذج لكنة شائع | مجلة المجتمع

العنوان تفسير ساذج لكنة شائع

الكاتب نور الدين العويديدي

تاريخ النشر السبت 13-أكتوبر-2001

مشاهدات 62

نشر في العدد 1472

نشر في الصفحة 66

السبت 13-أكتوبر-2001

هل يمكن تفسير تجدد الظاهرة الإسلامية وحركة الإحياء الديني بالعوامل الاقتصادية والاجتماعية؟

 

ظهرت في العشرية الأخيرة مئات الكتابات والبحوث المهتمة بدراسة الحركة الإسلامية بقصد فهم هذه الظاهرة، واستيعاب تشعباتها وتطوراتها، وما يجمع بين مكوناتها، وما يفرق بينها. وتتراوح اهتمامات الدارسين لهذه الظاهرة بين اهتمامات علمية محضة واهتمامات سياسية وأمنية واستراتيجية. 

ولكن من الملاحظ أنه في الأغلب الأعم يستثنى من ذلك بعض البحوث والدراسات

العميقة والجادة، فلا تكاد تفتح مجلة أو جريدة أو كتابًا غربيًا، يتناول هذه الظاهرة بالبحث والدراسة والتحليل إلا وتجده في تفسيره لتجددها ونموها المتزايد يركز على الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية، معتبرًا إياها السبب المفسر الوحيد، أو يكاد لنمو الظاهرة وتجددها وأشكال تمظهرها.

هذا التفسير رغم مخالفته البيئة لحقائق الواقع، إلا أنه شائع بشكل كبير لدى الكثير من دارسي الحركة الإسلامية من الأوروبيين وهم يجدون أتباعًا كثيرين من الكتاب والصحفيين العرب يحذون حذوهم، في اعتماد تلك العوامل التفسير تنامي الحركة وانتشارها، وخاصة في السنوات الأخيرة، فتراهم يربطون بشكل إلي بين حركات الصحو الإسلامي وبين الفقر والأزمات الاقتصادية والاجتماعية وهو ما يوحي - بشكل خفي  في معرض التفسير العلمي، أن هذه الظاهرة، إنما هي تعبير من تعبيرات الأزمة التي تعيشها المنطقة العربية والإسلامية، وخاصة في بعديها الاقتصادي والاجتماعي، الأمر الذي يعني - في منطق هذا التفسير . أنها ليست ظاهرة أصيلة، وإنما هي تعبير مأزوم عن وضع مأزوم، وأن بقاءها مرهون ببقاء الأزمة، وأن تلك المجتمعات سوف تتعافى من تلك الظاهرة الأزمة عندما تتعافى من أزمتها الاقتصادية والاجتماعية.

ويتميز في هذا الصدد، بعض اليساريين المصريين على رأسهم رفعت السعيد ويساريون عرب سابقون مثل التونسي العفيف الأخضر، والمغربي الصالح بوليد بالشطط في الربط الآلي بين الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وظهور الحركة الإسلامية. ونجد بعضهم قد سار في ذلك الشطط أشواطًا بعيدة، إلى الحد الذي جعل الصالح بوليد يقيم معادلة صارمة، في بعض مقالاته بين إشباع بطن جائع والقضاء على أصولي، كما يقول أما العفيف الأخضر فتجده يركز في تحليله الظاهرة الصحوة الإسلامية على الأبعاد النفسية، مرجعًا وجود الظاهرة إلى أمراض نفسية خالصة، ونجده هو الآخر قد سار في طريق الشطط واجتناب الموضوعية ومخاصمتها شوطًا طويلًا.

ويغيب في أكثر الدراسات والمقالات التي كتبت تفسير الظاهرة باعتبارها مظهرًا من مظاهر التجدد أو الصحو الذاتي، أو باعتبارها ردًا تلقائيًا على العملية العنيفة والمنظمة من إقصاء الإسلام واستبعاده عن تنظيم شؤون الحياة، وإدارة دفة السياسة الخاصة والعامة. وهي عملية امتدت فترة طويلة من الزمن وفرضت بقوة الحديد والنار، ولم تكن ثمرة اختيار ذاتي في التخلي عن نمط الحياة والنظام الإسلاميين.

كما يغيب تفسير الظاهرة باعتبارها ردًا على مظاهر الضعف والتبعية والفساد المستشري بين كثير من طبقات الحكم والنخب المتغربة المحيطة بها، أو باعتبارها تعبيرة من تعبيرات محاولة استعادة أمجاد لا تزال حية في ضمائر شعوب منطقة فرض عليها الإقصاء والتهميش والإذلال والانقطاع القسري عن أمجادها التاريخية. هذه المعطيات التي قد تصلح لتفسير ظهور حركات الإحياء الإسلامي من جديد، لا تعترف بها تلك التفسيرات، لأنها تنطلق من مسلمة غير مسلم بها. فحواها أن ظاهرة العودة إلى الدين لا بد أن تكون تعبيرًا من تعبيرات الأزمة أو الفشل المؤقت لمشروع التحديث على الطريقة الغربية، الذي قادته أوروبا وفرضته على المنطقة العربية والإسلامية، خلال القرنين الأخيرين بواسطة الجيوش والأساطيل الجرارة، ولا يمكن أن تكون عملية إحياء طبيعية وذاتية، تجد دواعيها و مبرراتها من داخل النص الديني الإسلامي، ومن تجارب الإحياء الإسلامي التاريخية، ومن ضرورات الواقع الراهن، وإنما هي في تلك النظرة، مجرد رد فعل على أزمة مؤقتة تعاني منها مشاريع التحديث، وليست فعلًا مستقلًا، يتعاطى مع حقائق الواقع تأثيرًا وتأثرًا.

وإذا قمنا بامتحان تلك التفسيرات التي ترجع الظاهرة الإسلامية الحديثة إلى الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وعمليات التهميش الاجتماعي لوجدناها تحمل الكثير من التجني على الحقيقة والواقع: 

فهي أولًا تحصر - تفسيريًا - ظاهرة متسعة جغرافيًا من المغرب غربًا إلى إندونيسيا شرقًا، ومن أعماق إفريقيا جنوبًا إلى الجمهوريات الإسلامية المستقلة عن روسيا شمالًا، فضلًا عن الأقليات الإسلامية المنتشرة في كامل أنحاء المعمورة في عامل واحد هو العامل الاقتصادي والاجتماعي، بالرغم من اختلاف الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والحضارية في الدول الممتدة على تلك على تلك المساحة الجغرافية الهائلة.

 ثانيًا: أن هذا التفسير تفسير مادي مغرق في ماديته، وهو تفسير تبسيطي ساذج، يرجع الحياة الثقافية والروحية الإنسانية على ثرائها وتنوعها، إلى عامل واحد هو العامل الاقتصادي، وهو ما يذكرنا بالمقولات الماركسية التقليدية التي تجعل من الوجود الثقافي والفكري والروحي الإنساني مجرد بناء فوقي هو شكل من أشكال الانعكاس للبنية المادية التحتية، كما أن هذا التفسير يذكرنا أيضًا بالتفسير المادي للمدرسة السلوكية القائم على نظرية المثير المادي والاستجابة المادية وأبرز التعبيرات عن هذه المدرسة في ما يعنينا هنا تجربة عالم المدرسة السلوكية بافلوف على كلبه حيث يرتبط المثير المادي بالاستجابة المادية المباشرة، الأمر الذي يتساوى فيه لدى هؤلاء الدارسين لتلك الظاهرة المعقدة، رد فعل الإنسان بالرغم من الخلفية الثقافية والفكرية والثراء الروحي الذي يتميز به برد فعل كلب جائع. 

ثالثًا: أن الواقع يثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن نظرية الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في تفسير حركة الإحياء الإسلامي المعاصرة، نظرية قاصرة بل خاطئة. وذلك بالرغم من أننا لا ننفي وجود تأثير مهم للعوامل الاجتماعية والاقتصادية في نمو هذه الظاهرة، وبالتالي في تفسير وجودها مثلها مثل أي ظاهرة إنسانية أخرى، ولكننا لا نعتبرها العنصر الأساسي، فضلًا عن أن تكون العنصر الوحيد ودليلنا على ذلك أننا نجد حركة الصحوة الإسلامية أقوى في بعض البلدان التي تعيش وفرة اقتصادية، منها في بلاد تعاني من صعوبات اقتصادية واجتماعية والأمثلة التي تثبت قصور نظرية الأزمة في تفسير تجدد ظاهرة الإحياء الإسلامي كثيرة.

رابعًا: وبخلاف ذلك يمكن تفسير الظاهرة الإسلامية باعتبارها حركة إحياء ذاتي يشهدها العالم العربي والإسلامي.

الرابط المختصر :