العنوان المجتمع التربوي (1172)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أكتوبر-1995
مشاهدات 68
نشر في العدد 1172
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 24-أكتوبر-1995
من صفات الدعاة
يقول مصطفى صادق الرافعي: منصفات الدعاة:
1- الثبات على الخطوة المتقدمة.. وإن لم تتقدم.
2- وعلى الحق. وإن لم يتحقق والتبرؤ من الأثرة.. وإن شحت عليها النفس.
3- واحتقار الضعف.. وإن حكم وتسلط.
5- ومقاومة الباطل.. وإن سار وغلب
٦- وحمل الناس على محض الخير.. وإن ردوا بالشر.
7- والعمل.. وإن لم يأت بشيء.
8- وبقاء الرجل رجلًا .. وإن حطمه كل من حوله.
إنها والله صفات أولئك الرجال الأفذاذ الذين آثروا الباقية على الفانية، لم تلههم زخارف الدنيا وزينتها، ولم يتشبثوا بالطين والوحل، شعارهم في ذلك «ركضًا إلى الله بغیر زاد»
تلك هي صفات الغرباء وخصوصًا عند مواجهة الباطل والزيف، فهم ثابتون في تقدمهم لا يتراجعون، وعلى حقهم لا يتزعزعون، يؤثرون أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، يمشون بين الناس عالية رؤوسهم، وشامخة أنوفهم، يزدرون الحكم المتسلط، ويقاومون الباطل المستشري، كلهمهم هو دعوة الناس إلى الخير وإيصاله لهم، والعمل الدؤوب في سبيل ذلك، وإن لمتكن له نتائج ملموسة محسوسة.
إن الرجولة هي الثبات على ذلك كله على مر العصور، وكر الدهور، يقول اللهتبارك وتعالى: ﴿ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾ (الأحزاب: 23).
عبد اللطيف محمد الصريخ
قصة طالوت وجالوت ... قراءة في أوراق جولة في التدافع الحضاري (3 من 7)
تمحيص إرادة القتال
● ظاهرة تضخم الإحساس بالذات تقف حائلًا أمام إدراك الحق
بقلم:د.حمدي شعيب
﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: 246) وكانت تلك العقبة الأولى، والتي من عندها بدأ مسلسل التراجع والنكوص، فعندما فرض عليهم القتال، تمت التصفية الأولي، حيث تخلى الكثير منهم عن الركب، ونسوا ما اشترطوا عليه، وما تعاهدوا عليه، وأخلَّوا بالاتفاق، فظلموا أنفسهم، وظلموا نبيهم، وظلموا من تحرك معهم، وظلموا الفكرة والقضية التي بادروا وعن طواعية بحملها.
حتى وإن كانت هذه "سمة خاصة من سمات بني إسرائيل في نقض العهد، والنكث بالوعد، والتفلت من الطاعة، والنكوص عن التكليف، وتفرق الكلمة، والتولي عن الحق المبين، ولكن هذه كذلك ثمة كل جماعة لا تنضج تربيتها الإيمانية، فهي سمة بشرية عامة، لا تغير منها إلا التربية الإيمانية العالية، الطولية الأمد، العميقة التأثير، وهي- من ثم– سمة ينبغي للقيادة أن تكون منها على حذر وأن تحسب حسابها في الطريق الوعر، وإن الذي يعرف أنه على الحق، وأن عدوه على الباطل، ثم يتولى بعد ذلك عن الجهاد، ولا ينهض بتبعة الحق الذي عرفه في وجه الباطل الذي عرفه، إنما هو من الظالمين المجزيين يظلمهم"(1).
وتأمل ما قاله الصديق- رضي الله عنه- يوم حنين عندما نظر حوله فسر لعدد المسلمين الذين نفروا للجهاد، وقال: «لن نغلب اليوم من قِلة» ثم تلتها الجولة الأولى في المعركة، وانهزم فيها المسلمون حتى ثبت الرسول ﷺ وقلة معه وحوله، حتى التف حولهم البقية التي فرت فكان النصر في الجولة الثانية للمعركة، ولهذا كان الحبيب ﷺ يوصي في مثل تلك الأمور على الاهتمام بالنوع لا الكم: «إنما الناس كإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة» (2)، والراحلة هي الناقة القوية السريعة السير ونسبتها لاتتعدى الواحدة في القطيع.
وعلى دربهم كان من حكمة القادة الرواد المجددين، أن وعوا «أن رجل القول غير رجل العمل، ورجل العمل غير رجل الجهاد ورجل الجهاد فقط غير رجل الجهاد الحق المنتج الحكيم، الذي يؤدي إلى أعظم الربح بأقل التضحيات»(3).
ومن هنا كان على القيادة في كل أمر أن لا تبني وأن لا تخطط على مجرد الأقوال، حتى تتيقن من ثبات الأرضية التي تقف عليها، وأن تكون على حذر من ذوي الاقتراحات، دون أن تختبر جديتهم، وأن لا تمل من البحث عن الرواحل، وأن لا تأبه بكثرة الناكصين الظالمين.
القائد...رمز الجهاد وعنوانه
9- ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ ﴾ (البقرة: 247) لقد تمت الخطوة الثانية للجهاد وتحقق الشرط الثاني للقتال- بعد شرط إرادة القتال في سبيل الله عند القاعدة- حيث اختار لهم ربهم ملكًا عليهم وقائدًا يقودهم في معركة المصير، "وهو درس مهم في حسن اختيار القائد المناسب للأمة، فليس أتقى الأمة فقط هو المؤهل للقيادة، بل لابد من مواصفات تجتمع في القائد ليضطلع بهذه المهمة ، ولو ترك الأمر إلى الملأ لأساءوا الاختيار، ويدل ذلك على احتجاجهم على قيادة طالوت- رضي الله عنه- ولدخلت عوامل أخرى في الاختيار مثل النسب والثروة، وأفسدت عليهم الأمر، وحري بنا ونحن نقدم على اختيار القائد أن نحسن الاختيار، فلو كان الخلل في اختيار القائد لاضطرب أمر القتال كله، ولا غرو فقد تكون الهزيمة أحيانًا من سوء القيادة، كما تكون من خذلان القاعدة" (4).
وعلى الدعاة العاملين، أن لا ينسوا أهمية القيادة، وأهمية التدقيق في اختيارها، "فهي قلب العمل، وأداة الانسجام والتناغم وطريق المناقلة، وحزام الربط فوق أنها الرمز العاطفي الذي يملأ الحاجات النفسية للعاملين، وركن الاستناد الذي يسند المتعب ظهره إليه" (5).
وإذا علمنا خطورة دور القائد في ميدان الدعوة، وخطورة علاقته بالأفراد على قوة المجموعة، بل على وجودها، "فالقائد جزء من الدعوة ولا دعوة بغير قيادة، وعلى قدر الثقة المتبادلة بين القائد والجنود تكون قوة نظام الجماعة، وأحكام خططها، ونجاحها في الوصول إلى غايتها، وتغلبها على ما يعترضها من عقبات وصعاب فأولى لهم طاعة وقول معروف، ولها حق الوالد بالرابطة القلبية والأستاذ بالإفادة العلمية، والشيخ بالتربية الروحية، والقائد بحكم السياسة العامة للدعوة، ودعوتنا تجمع هذه المعاني جميعًا والثقة بالقيادة هي كل شيء في نجاح الدعوات" (6)، فإن الأخطر والأهم هو دور القائد في ميدان القتال، ولا عجب أن نجد كل معارك التاريخ الفاصلة، قد سجلت وخلدت باسم قادتها، فلا تذكر القادسية إلا ويذكر معها سعد- رضي الله عنه، وحطين ومعها صلاح الدين، وعين جالوت، ومعها المظفر سيف الدين قطز، حتى إن الحربين العالميتين لا تذكر إلا ويذكر معهما قادتهما. فالقائد هو رمز الجهاد وعنوانه، وعلامته.
ظاهرة بروز الذات وخطرها
10- ﴿قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 247) لقد نظروا إلى القائد المعين على أساس أنه ليس من أبناء «لاوي» فرع النبوة وشجرة الرسالة، وليس من غصن «يهوذا» معدن الملك، وأصحاب الرياسة، كما أنه رجل فقير ليس له ثروة تعينه على ذلك السلطان، فلقد كان دباغًا أو راعيًا، ولكنهم نسوا قول نبيهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ﴾، فهو إذن اختيار رباني، ولذلك فقد كرر نبيهم تلك الميزة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾، وعدد عليهم صفاته القيادية الأخرى التي يحتاجها القائد العسكري، وهي القدرة الجسمية والإدارية، فلقد كان أعلم بني إسرائيل وأجملهم وأتمهم خلقًا، وأشد قوة وصبرًا والله لا يسأل عما يفعل ويختار، وهو سبحانه واسع العطاء والفضل، وعليم بمن هو أحق بالملك.
وكانت تلك هي العقبة الثانية، التي كشفت عن سمة أخرى من سمات بني إسرائيل، وهي ظاهرة بروز الذات، وهي ظاهرة اعتلالية من مظاهرها الشعور بالعلو العرقي والعصبية الطائفية، ومن نتائجها بروز روح التمرد داخل الصف مما يدفع إلى حب الاعتراض ولو على القيادة.
وهنا ملمح تربوي طيب يرفع أمام أعيْن الدعاة تقف علامات تحذيرية حمراء تبرأ بهم من أن يسلكوا طريق بني إسرائيل متناسين تحذيره ﷺ «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟ (7)» فيقعوا في مثل أخطائهم، التي منها هنا:
أولًا: التسرع في الأحكام، قبل التبيّن وسترى كيف كانت حكمة وبلاء هذا القائد أثناء الطريق.
ثانيًا: ظاهرة بروز الذات والنظرة الفوقية وبمحدودية فكرية، تقف حائلًا أمام إدراك الحق والتعصب والفوقية قد تراها في سلوك بعض الدعاة فيتعامل بفوقية لرأيه، أو لاقتراحه أو لصفاته الشخصية وقدراته، أو الجماعة بعينها.
ثالثًا: خطر الاعتراض على القيادة، وهو وإن كان من صفات بني إسرائيل المذمومة، فإنه مدخل موحش لفتن قد عانى منه تاريخ الدعوة على مر التاريخ قديمًا وحديثًا، ولقد كان التشكيك في نبوة محمد ﷺ ورسالته، هو الهدف الأول لحملات اليهود الذي يسهل بعد بلوغه تحويل المسلمين عن قيادتهم الأمينة، بعد تحويلهم عن عقيدتهم القويمة، ومن ثم يسهل تفتيت الصف المسلم، وإيهان تماسكه، فهذا التماسك حول العقيدة القويمة، والقيادة الأمينة هو الذي يتعب اليهود وأعداء الجماعة المسلمة- في كل زمان- وهو الذي يكلفهم الجهد والمشقة. ومن ثم تتجه جهودهم أولاً لتحطيمه) (8).
وتأمل ما فعله عبد الله بن سبأ حامل لواءالفتنة ضد عثمان- رضي الله عنه- لقد بدأ خطته مستهدفاً قتل القيادة المسلمة، بأوامر إلى أتباعه "انهضوا في هذا الأمر، فحركوه، وابدأوا بالطعن على أمرائكم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تستميلوا الناس، وادعوهم إلى هذا الأمر، قولوا للناس: إن عثمان أخذ الخلافة بغير حق، وإن عليًّا وصئّ رسول الله ﷺ وانهضوا وردوا الحق إلى صاحبه" (9).
والاعتراض دومًا يغلف بغلاف مصلحةالدعوة، أو يجمل بدعوى النصيحة، والأغلفة كثيرة لمن قبل الدخول والحذر الحذر من الولوج في ذلك الباب، أو محاولة اقتحام جحر الضب، فكن كما كان هارون لموسى، أو إسماعيل لإبراهيم- عليهم السلام .
الهوامش
1-في ظلال القرآن- سيد قطب ٢٦٧/٢ بتصرف.
2- رواه البخاري ۱۳۰/۸
3- مجموعة الرسائل- المؤتمر الخامس- البنا ۱۳۸- ۱۲۹
4- المنهج التربوي للسيرة النبوية- التربية الجهادية- منير
5-القضبان ۳۱
6-صناعة الحياة- الراشد ١١٥.
7- مجموعة الرسائل- التعاليم- الإمام البنا ٣٦٤.
8-رواه البخاري ومسلم.
9-في ظلال القرآن- سيد قطب ٠٥٦٧/٤
10-عثمان بن عفان- رضي الله عنه . خالد البيطار ٩٥.