العنوان المبشرات بانتصار الإسلام (٢ من ٣)المبشرات من السنة النبوة
الكاتب د. يوسف القرضاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يوليو-1996
مشاهدات 100
نشر في العدد 1207
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 09-يوليو-1996
لا تقف المبشرات بانتصار الإسلام عند نصوص القرآن والسنة التي تملأ القلب يقينًا بأن الغد للإسلام بل إن وقائع التاريخ تؤكد أن الغد سيكون لهذا الدين.
وفي السنة النبوية والسيرة النبوية مبشرات كثيرة وفيرة، مر بنا ذكر بعضها فيما نقلناه عن الحافظ ابن كثير. وهذه المبشرات النبوية قد حفلت بها دواوين الحديث الشريف من الصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم والأجزاء وغيرها من المصنفات الحديثية. ولكن المسلمين - في عصور التراجع والتخلف - أغفلوها ونسوها، ولم يذكروا إلا أحاديث الفتن وأشراط الساعة، وقد فهموها فهمًا يوحي باليأس من صلاح الحال، ومن كل عمل ينهض بالأمة من عثرتها، ويجتهد في تغيير الواقع إلى ما هو أحسن وأمثل، ولا يعقل أن يصدر من هادي الأمة أن يثبطها عن محاولة الإصلاح، وإرادة التغيير وكل هذه المبشرات أخبار بمستقبل الإسلام، وأن الغد له ولأمته، أخبر بها من لا ينطق عن الهوى. وأود أن أذكر بأن الرسول الكريم لا يعلم الغيب بذاته، فالله وحده هو الذي يعلم الغيب بذاته، كما قال الله عز وجل: ﴿ قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (النمل: ٦٥). وإنما يعلم الرسول من الغيب ما أعلمه الله تعالى به فهو يخبر به كما أعلمه الله سبحانه، قال تعالى:﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ﴾ (الجن (٢٦، ٢٧) وسنذكر أهم هذه المبشرات في الصحائف التالية:
عودة الإسلام إلى أوروبا وفتح رومية:
من ذلك: ما رواه أحمد عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ سئل أي المدينتين تفتح أولًا قسطنطينية أو رومية؟ فقال: «مدينة هرقل (۱) تفتح أولًا» (۲) ورومية هي: روما عاصمة إيطاليا الآن، والقسطنطينية هي إسطنبول الآن، يفهم من السؤال أن الصحابة كانوا قد علموا قبل ذلك أن الإسلام سيفتح المدينتين، ويدخل أهلهما في دين الله، ولكن يريدون أن يعرفوا أي المدينتين تسبق الأخرى، فأجابهم أن مدينة هرقل - وهي القسطنطينية. ستفتح أولًا. وقد تحقق ذلك على يد الفتى العثماني الطموح محمد بن مراد ابن الثالثة والعشرين الذي عرف في التاريخ باسم «محمد الفاتح» وفتحت «مدينة هرقل» في القرن التاسع الهجري الخامس عشر الميلادي وبالتحديد: في يوم الثلاثاء ۲۰ من جمادى الأولى سنة ٨٥٧ هـ ٢٩ مايو «أيار»(سنة ١٤٥٣م). وبقي الجزء الثاني من البشرى فتح رومية وبه يدخل الإسلام أوروبة مرة أخرى بعد أن طرد منها مرتين مرة من الأندلس، ومرة من البلقان. وظني أن هذا الفتح سيكون بالقلم واللسان لا بالسيف والسنان، وأن العالم سيفتح ذراعيه وصدره للإسلام، بعد أن تشقيه «الأيديولوجيات» الوضعية، ويتطلع إلى مدد من السماء وهدي من الله فلا يجد إلا الإسلام طوقًا للنجاة.
انتشار دعوة الإسلام في العالم كله ومن هذه المبشرات ما رواه تميم الداري قال: سمعت رسول ﷺ يقول «ليبلغلن هذا الأمر « يعني أمر» الإسلام ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر، إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز، أو بذل ذليل عزًا يعز الله به الإسلام، وذلًا يذل الله به الكفر» (۳). ومعنى بلوغه ما بلغ الليل والنهار انتشاره في الأرض كلها، حيث يبلغ الليل والنهار، ودخول هذا الدين الحواضر والبوادي، فالحواضر هي التي بيوتها من مدر «أي من حجر» والبوادي هي التي بيوتها من وبر وشعر، وسيدخل الإسلام جميعها، وبهذا يتحقق وعد الله تعالى في كتابه:﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ وذلك في ثلاث آيات: في (التوبة: ۳۳) وفي (الفتح: ۲۸)، وفي (الصف: ۹) ومعنى ظهوره على الدين كله غلبته على جميع الأديان وفي القرون الإسلامية الأولى غلب الإسلام على اليهودية والنصرانية والوثنية العربية والمجوسية الفارسية، وبعض أديان أسيا وإفريقية، ولكنه لم ينتصر على جميع الأديان، فلا زلنا ننتظر هذه البشارة، ولن يخلف الله وعده. وأكد هذه البشارة ما رواه المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول الله له يقول: «لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله كلمة الإسلام بعز عزيز، أو بذل ذليل»(٤) الحديث.
اتساع دولة الإسلام في المشارق والمغارب: ومن هذه المبشرات ما رواه ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض....» الحديث (٥). ومعنى زوى لي الأرض أي قبضها وجمعها له عليه الصلاة والسلام حتى يراها جملة واحدة، وهذا الحديث يبشر باتساع دولة الإسلام حتى تشمل المشارق والمغارب، أي الأرض كلها، فإذا كان الحديث السابق - أو الحديثان السابقان - يؤذنان بانتشار دعوة الإسلام وعلو كلمته فهذا الحديث يبشر بقوة دولة الإسلام واتساعها، بحيث تضم المشارق والمغارب، التي راها النبي ﷺ:
الرخاء والأمن وفيض المال: ومن هذه المبشرات ما رواه أبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا»، وزاد أحمد في روايته «وحتى يسير الراكب بين العراق ومكة لا يخاف إلا ضلال الطريق» (٦). ومنها ما رواه أبو هريرة أيضًا عن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم رب المال من يقبل منه صدقته لي وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب» (٧) ويؤكده حديث أبي موسى مرفوعًا: «ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب ثم لا يجد أحدًا يأخذها منه» (۸). ومثله حديث حارثة بن وهب مرفوعا: «تصدقوا فإنه يأتي عليكم زمان يمشي الرجل بصدقته فلا يجد من يقبلها، يقول الرجل: لو جئت بها بالأمس لقبلتها، فأما اليوم فلا حاجة لي بها» (۹) وهذا كله دليل على ظهور الرخاء ورغد العيش، وزوال الفقر من المجتمع، بحيث لا يوجد فيه فقير يستحق الصدقة أو يقبلها، وهذا من بركات عدل الإسلام، وأثر الإيمان والتقوى في حياة الناس، كما قال تعالى:﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (الأعراف: ٩٦).
عودة الخلافة على منهاج النبوة:
ومن هذه المبشرات ما رواه حذيفة بن اليمان عنه ﷺ قال: «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبريًا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت؟» (۱۰). والملك العاض - وفي رواية العضوض - هو الذي يصيب الناس فيه عسف وظلم كأن له أنيابًا تعض، أما ملك الجبرية فهو القائم على الجبروت والطغيان أشبه بالحكم العسكري المستبد في عصرنا.. فهذا الحديث يبشر بانقشاع عهود الاستبداد والظلم والطغيان، وعودة الخلافة الراشدة المتبعة لمنهاج النبوة في إقامة العدل والشورى، ورعاية حدود الله وحقوق العباد.
الانتصار على اليهود:
ومن هذه المبشرات ما رواه ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تقاتلكم اليهود، فتسلطون عليهم، ثم يقول الحجر: يا مسلم هذا يهودي وراثي فاقتله» (۱۱) ومثله ما رواه أبو هريرة مرفوعًا: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله» (۱۲). فهل ينطق الحجر والشجر بلسان المقال - آية من آيات الله،﴿وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾(فاطر: ١٧) أو ينطقان بلسان الحال؟ بمعنى أن يدل كل شيء على اليهود، ويكشف عنهم. وأيًا كان المراد، فالمعنى أن كل شيء سيكون في صالح المسلمين وضد أعدائهم اليهود، وأن النصر لا ريب فيه، وأن أسطورة القوة التي لا تقهر التي يشيعها اليهود لن تستمر وأن الذين اغتصبوا فلسطين بقوة السلاح، وسلاح القوة سيخذلهم الله، الذي يملي للظالمين، ثم يأخذهم أخذًا أليمًا شديدًا.
بقاء الطائفة المنصورة: ومن هذه المبشرات ما رواه عدد من الصحابة y مثل ما رواه معاوية عنه ﷺ قال:« لا تزال طائفة من أمتى قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله، وهم ظاهرون على الناس» (۱۳) وقد صح هذا الحديث من رواية عمر والمغيرة وثوبان وأبي هريرة وقرة ابن إياس وجابر وعمران بن حصين وعقبة بن عامر (١٤) وجابر بن سعرة (١٥)، وأبي أمامة الذي قال: قال رسول الله ﷺ:«لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم، إلا ما أصابهم من لأواء، حتى يأتي أمر الله، وهم كذلك، قالوا: يا رسول الله وأين هم؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس» (١٦) ومعنى هذه الأحاديث كلها: أن الخير سيستمر في هذه الأمة، وأنها لا تخلو من قائم لله بالحجة، ومن ناصر للحق مستمسك به، حتى تقوم الساعة، وأن هذه الطائفة المنصورة باقية حتى يأتي أمر الله وإن أصابها ما أصابها من لأواء وأذى. يؤكد هذا ما رواه أبو مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله أجاركم من ثلاث خلال ألا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا جميعًا، وألا يظهر أهل الباطل على أهل الحق، وألا تجتمعوا على ضلالة» (۱۷).
ظهور المجددين في كل قرن: ومن هذه المبشرات ما رواه أبو هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها» (۱۸). وكلمة «من» في الحديث تشمل «المفرد» كما قالوا عن عمر بن عبد العزيز والشافعي والغزالي، كما تشمل الجمع، كما ذهب إليه بعض الشراح، وهو ما نختاره فقد يكون المجدد جماعة دعوية أو تربوية أو جهادية، وهنا يكون سؤال المسلم ما دوري في حركة التجديد؟ بدل أن يكون كل همه انتظار ظهور المجدد، وهو لا حول له ولا قوة (۱۹).
مبشرات من التاريخ: ولا تقف المبشرات بانتصار الإسلام عند النصوص القرآنية والحديثية المتوافرة والتي تملأ القلب يقينًا بأن الغد لهذا الدين العظيم، بل إننا نجد في وقائع التاريخ وأحداث الماضي ما يعمر قلوبنا بالثقة والأمل في مستقبله، برغم ما يقف في سبيله اليوم من عقبات، وما يعوق صحوته من عوائق هائلة، بعضها من صنع أعدائه في الخارج وأخرى من صنع خصومة في الداخل، وأعجب شيء أن يكون هؤلاء الخصوم أو أكثر ممن يحملون اسم الإسلام، ولكنهم-في الحقيقة- قد انضموا إلى صفوف محاربيه، فلا يريدون للشريعة أن تحكم، ولا لقيمه أن تسود ولا لكلمته أن تكون هي العليا. إن التاريخ يحدثنا أن في الإسلام «قوة ذاتية» مخبوءة، ولا تبرز إلا عند حلول الشدائد بساحته، وإحاطة المحن بأمته، فهناك نراه أصلب ما يكون عودًا، وأعظم ما يكون صمودًا، وأشد ما يكون قوة، وأقدر ما يكون على تفجير الطاقات المكنونة لأمته، وإبراز ما خبئ من قوته وقدرته، فإذا هو يقاوم فيصمد، بل يغالب فيغلب، وإذا الضعف الظاهر الذي أطمع الناس قد استحال إلى قوة، بل إلى قوة قاهرة منتصرة رأينا ذلك في فجر تاريخ الإسلام في يوم بدر حيث انتصرت القلة على الكثرة والضعف المادي على القوة، وامتن الله على المؤمنين بقوله: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾(آل عمران: ۱۲۳) ﴿ وَاذْكُرُوا إذ إنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (الأنفال: ٢٦).
في حروب الردة:
ورأينا ذلك بعد وفاة رسول الله ﷺ، وقد ارتدت قبائل العرب - فيما عدا المدينة ومكة والطائف-وظهر أدعياء النبوة الكذبة من كهنة العرب وتبعهم قبائلهم عصبية لهم، على حد قولهم «كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر»، فكان مسيلمة وسجاح والأسود العنسي وطليحة الأسدي. وغيرهم. وانضم إليهم مانعو الزكاة الذين أقروا بالصلاة ولم يقروا بالزكاة، وكانت فتنة عارمة، ومحنة قاسية، جعلت بعض الصحابة يقول لأبي بكر يا خليفة رسول الله لا طاقة لك بحرب العرب جميعًا، الزم بيتك، وأغلق بابك، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين!!. ولكن أبا بكر الرجل الرقيق البكاء أبي أن يستسلم، وثبت كالطود، وزأر كالليث، وجهز أحد عشر جيشًا لحرب المرتدين ومانعي الزكاة، ولما ناقشه عمر في مقاتلة مانعي الزكاة، وقد قال النبي ﷺ: « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله، وهنا قال له أبو بكر: في يقين: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا «عنزة صغيرة» - وفي رواية عقالًا - كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه. وقامت معارك بين الصحابة - على قلتهم - وبين المرتدين ومانعي الزكاة- على كثرتهم- انتهت بانتصار المؤمنين على المارقين الذين رجعوا إلى حظيرة الإسلام تائبين مستغفرين مكفرين عن ردتهم بالانضمام إلى صفوف المجاهدين في قتال فارس والروم، وكانوا من أعظم الناس بلاء فيه، يعوضون عما بدر منهم في حق الإسلام. وعادت جزيرة العرب حصنًا للإسلام، على امتداد القرون. الحروب الصليبية وظهرت القوة الكامنة في الإسلام مرة أخرى حين زحف عليه الغرب المسيحي بقضه وقضيضه، وثالوثه وصليبه، في تسع حملات شهيرة عرفت باسم «الحملات الصليبية». جاء الغرب الصليبي الزاحف يحمل في صدره حقدًا أسود على الإسلام وأهله، وطمعًا في خيرات بلاده، وأملًا في تحطيم قوته وميراث ملكه، ساعده على ذلك غفلة المسلمين، وغرق حكامهم في الشهوات وتفرقهم من أجل الدنيا، وحرصهم على الإمارة، واستعداد هؤلاء الأمراء التافهين أن يبيع أحدهم أخاه ويشتري الدخيل الغريب، وأن يبيع أمته ويشتري إمارته. فلا غرو أن ينتصر الصليبيون في أول الأمر، وأن يقيموا لهم ممالك وإمارات في ديار الإسلام بالتعاون مع الخونة من الأمراء، وأن يدخلوا بيت المقدس بعد مذبحة قتل فيها عشرات الألوف، وجرت الدماء للركب. وبقي الصليبيون في الشام نحو مئتي عام، وبقي بيت المقدس في أيديهم تسعين سنة كاملة. ثم هيأ الله للإسلام رجالًا صمموا على أن يقاوموا العدوان، وأن يستردوا الأرض المغتصبة، ويستعيدوا الحق السليب، فكان عماد الدين زنكي، وابنه البطل نور الدين محمود الشهيد الذي كان يشبه بالخلفاء الراشدين في سيرته وشجاعته والتزامه وعدله، وتلميذه القائد المظفر صلاح الدين الأيوبي، الذي كتب الله له النصر على الصليبيين في معركة «حطين» الشهيرة، وفي معركة فتح بيت المقدس، وإعادته إلى أمة الإسلام، وكانت بعد ذلك معارك في
في حروب التتار:
وكما تعرض الإسلام للغزو من الغرب على أيدي الصليبيين الأوروبيين النصاري، تعرض للغزو من الشرق على أيدي التتار الوثنيين. الذين هجموا على بلاد الإسلام ک ﴿ الرِّيحَ الْعَقِيمَ مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾) الذاريات:٤١، ٤٢) وقد ظهروا والمسلمون ضعفاء متفرقون ليس لهم قيادة قوية تجمع صفوفهم ولا نهضة إيمانية توقظ شعوبهم، والتتار كانوا في ذلك الزمن قوة عسكرية عاتية لها قيادة مهيبة مطاعة، لا يقف في وجوههم أولئك الملوك الممزقون، والأمراء المفرقون والولاة المترفون، فسقطت البلاد في أيديهم بلدا بلدًا، وفر الأمراء من أمامهم- أو خضعوا لهم - أميرًا أميرًا والنصر يغري بالنصر والظفر يدفع إلى الظفر، حتى كان المثل السائر في ذلك الزمان: إذا قيل لك أن التتار قد انهزموا فلا تصدق إنها أسطورة «القوة التي لا تقهر» تتكرر ما بين عصر وآخر. وأخيرًا زحفوا على عاصمة الخلافة العباسية بغداد دار السلام وأرقى بلاد الإسلام، فسقطت تحت ضرباتهم وبمعونة من خان ممن ينتسبون إلى الإسلام، وسالت الدماء أنهارًا، واسود نهر دجلة من كثرة ما ألقى فيه من كتب الحضارة التي سال مدادها، حتى أحالت ماء النهر أسود حالكًا. ولم تكد تمضي سنوات حتى تحققت معجزة الإسلام مرتين انتصر الإسلام على التتار عسكريًا، في معركة من معارك التاريخ الحاسمة وهي معركة «عين جالوت» بقيادة القائد المملوكي الصالح سيف الدين قطر، الذي حقق الله على يده النصر، ومعه جنود مصر، في يوم من أيام الله في الخامس والعشرين من رمضان سنة ٦٥٨هـ، أي بعد سقوط بغداد بسنتين فقط وانتصر الإسلام مرة أخرى معنويًا، فإذا هؤلاء الجبابرة الذين غزوا الإسلام يغزوهم الإسلام، وإذا سيف الغازي المصلت يسقط أمام تأثير العقيدة الإسلامية العزلاء، وإذا الغالبون يدخلون أخيرًا في دين المغلوبين على خلاف ما هو معروف ومألوف، وهو ما قرره ابن خلدون أن المغلوب هو المولع دائمًا بتقليد الغالب المنصور. وفي العصر الحديث، رأينا الجهاد البطولي ضد الغزاة المستعمرين في سائر ديار الإسلام، جهاد الأمير عبد القادر الجزائري ضد الفرنسيين، والأمير عبد الكريم الخطابي ضد الإسبان، والبطل عمر المختار ضد الطليان، والشيخ عز الدين القسام ضد الإنجليز واليهود مرورًا بثورة الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي، ومعارك فلسطين ضد الصهاينة، والقناة ضد الإنجليز.
وكما اعترف المؤرخون الغربيون أنفسهم. أمثال برنارد لويس في كتابه «الغرب والشرق الأوسط» - أن الحركات الدينية كانت هي قائدة معارك التحرير في سائر البلاد الإسلامية ضد الاستعمار، حتى حركة كمال أتاتورك نفسها، ولكن المؤسف أن الإسلاميين يزرعون والعلمانيين هم الذين يحصدون إنهم لصوص مدربون على سرقة ثمار الجهاد وثورات المجاهدين.
الهوامش
۱ - هرقل هو الإمبراطور الذي حكم دولة الروم البيزنطية في عهد البعثة المحمدية، وهو الذي أرسل إليه النبي ﷺ كتابه الشهير يدعوه فيه وشعبه إلى الإسلام، وهو الذي أحضروا إلى مجلسه أبا سفيان قبل إسلامه، وسأله عن النبي ﷺ ودعوته أسئلة دقيقة تدل على ذكائه وعقله، وتبين له منها صدق النبي، ولكنه حين اختبر من حوله فوجد منهم صدودًا ونفرة عن الإسلام غلب حب ملكه على اتباع الحق، وباع الدين بالدنيا، وقد بقي إلى أن فتحت سورية في عهد عمر t فغادرها وهو يقول: سلام عليك يا سورية سلام لا لقاء بعده!.
٢-رواه الإمام أحمد في مسنده، حديث (٦٦٤٥) وقال الشيخ شاكر: إسناده صحيح، وأورده الهيثمي في المجمع (219/6)، وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير أبي قبيل، وهو ثقة، وذكره الألباني في سلسلته الصحيحة برقم (٤).
٣-رواه أحمد في مسنده (103/4 وأورده الهيثمي في المجمع وقال: رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح (14/6) وفيه أغلاط مطبعية.
٤- رواه أحمد (٦/٤) والطبراني (601/20) وابن حبان (٦٧٠١.٦٦٩٩) والحاكم (430/4) وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وأورده الهيثمي (14/6) ويبدو أن في الكلام سقطًا، فقد قال ورجال الطبراني رجال الصحيح، مما يدل أنه قال: رواه أحمد والطبراني.
٥-الحديث رواه مسلم في الفتن وأشراط الساعة برقم (۲۸۸۹) وأبو داود (٤٣٥٣)، والترمذي (۲۲۰۳) وابن ماجه (٣٩٥٢).
٦-رواه مسلم في كتاب الزكاة برقم (٦٠.١٠١٢) وأحمد (٢/٣٧٠-٣٧١).
٧- متفق عليه اللؤلؤ والمرجان (٥٩٤).
٨-متفق عليه اللؤلؤ والمرجان (٥٩٣).
٩- متفق عليه اللؤلؤ والمرجان (٥٩٢).
۱۰ - رواه أحمد (273/4) وقال الهيثمي في المجمع (189/5) رواه أحمد، والبراز أتم منه، والطبراني ببعضه في الأوسط، ورجاله ثقات.
۱۱ - متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان (١٨٤٩).
۱۲- رواه مسلم في صحيح الجامع الصغير (٧٤٣٧).
۱۳- رواه أحمد والشيخان - صحيح الجامع الصغير (۷۲۹۰).
١٤- انظر أحاديثهم في صحيح الجامع الصغير من (۷۲۸۷) إلى (۷۲۹٦).
١٥- صحيح الجامع الصغير (٧٧.٤).
١٦- المسند (296/5) وفيه قال عبد الله: وجدت بخط أبي الحديث، وأورده الهيثمي وعزاه إلى المسند والطبراني قال: ورجاله ثقات(288/7).
۱۷- رواه أبو داود في الفتن (٤٢٥٣).
١٨- رواه أبو داود في كتاب الملاحم (٤٢٩١) والحاكم وصححه.
۱۹ - انظر: حديثنا عن «تجديد الدين في ضوء السنة» في كتابنا من أجل صحوة راشدة طبع المكتب الإسلامي ببيروت، ودار البشير بطنطا بمصر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل