; هل يعود المسلمون إلى القرآن؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل يعود المسلمون إلى القرآن؟

الكاتب الدكتور أحمد عبد الرحيم السايح

تاريخ النشر الثلاثاء 09-نوفمبر-1976

مشاهدات 82

نشر في العدد 324

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 09-نوفمبر-1976

الأمة الإسلامية.. تحتاج إلى منهاج تترسم خطاه، ودستور يبين الطريق الذي يسير عليه الأفراد والجماعات.. والمنهاج لا يصح أن يكون من وضع الناس، لأن وضع البشر، مدعاة للخلاف والاضطراب.. وما ترتضيه جماعة من الجماعات لا يتفق مع آخرين، وما يصلح في هذا الجزء، لا يصلح في جزء آخر.

لهذا جاء دستور أمة الإسلام، يستمد مبادئه من القرآن الكريم، والسنة النبوية، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (النساء:59). فما من قضية كانت ما كانت، إلا وحكمها في كتاب الله عز وجل، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، نصا ظاهرا أو استنباطا.. وذلك أن الله سبحانه وتعالى الذي خلق البشر، وخلق الزمان والمكان.. راعى في التشريع الأصول المرعية، والمصالح البشرية.. ولهذا عقب الله سبحانه. بأن هذه الأحكام كلها خير محض، لا شر فيه أبدا، خير وأحسن تأويلا.

ويقول الإمام ابن كثير في تفسيره، عقب قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (النساء:65)..٢

يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم، في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنا وظاهرا 3..

قال الجصاص: في هذه الآية دلالة على من رد شيئا من أوامر الله تعالى أو أوامر رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو خارج من الإسلام سواء رده من جهة الشك فيه، أو من جهة ترك القبول والامتناع من التسليم.. وذلك يوجب صحة ما ذهب إليه الصحابة، في حكمهم بارتداد من امتنع عن أداء الزكاة وقتلهم، وسبي ذراريهم، لأن الله حكم بأن من لم يسلم للنبي صلى الله عليه وسلم، قضاءه وحكمه فليس من أهل الإيمان ٤.. 

وعن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» وهذا الحديث قال عنه النووي: حديث صحيح، رويناه في كتاب الحجة، بإسناد صحيح. وقال الحافظ الإمام ابن رجب رحمه الله في شرح الحديث: أما معنى الحديث فهو أن الإنسان لا يكون مؤمنا كل الإيمان الواجب، حتى تكون محبته، تابعة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، من الأوامر والنواهي وغيرها، فيحب ما أمر به، ويكره ما نهى عنه..

ولقد حرم الإسلام، الخروج على الشريعة الإسلامية، واعتبر العامل بغيرها كافرا، وظالما، وفاسقا.. والكفر والفسوق والظلم، خروج عما شرع الله، وارتماء في جحيم الحيوانية المتوحشة، والبهيمية السائمة.

وقال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ. (المائدة:44) 5.

وقال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ٦.. (المائدة:45)

وقال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.7 (المائدة:47) 

ومما لا يسوغ إنكاره.. أن تحكيم الشريعة الإسلامية، ينتج عنه، ثبات الأحكام واستمرارها، ولو تغير الحكام.. والكتاب والسنة، هما المنهج الذي ارتضاه الله، لسعادة الإنسانية، والقرآن الكريم هو دستور الخالق لإصلاح الخلق، ولن يصلح حال الناس، ولن تستقر إلا في الأوضاع، ويستتب الأمن إلا في ظلال أحكام القرآن...

قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (البقرة:3-4-5) ٨

فالله سبحانه وتعالى.. لم يزك هؤلاء المذكورين، بأنهم على هدى من ربهم، ولم يكتب لهم الفوز والفلاح، إلا بسبب ما اتصفوا به، من إيمان بالقرآن الكريم، وبكل ما جاء به من قوانين في الحكم والسياسة، والتعليم، والعلاقات والتربية. وغيرها مما يتصل بالحياة قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ.. (المائدة:15-16) ٩

وقال تعالى: ﴿وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.. (المائدة:155) ١٠

وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ.. (الجمعة:2) ١١ 

والعرب كانوا قديما متمسكين بدين إبراهيم الخليل عليه السلام، فبدلوه وغيروه وقلبوه، واستبدلوا بالتوحيد شركا، وباليقين شكا، وابتدعوا أشياء لم يأذن بها الله، وكذلك أهل الكتاب، قد بدلوا كتبهم وحرفوها، وغيروها، وأولوها... فبعث الله محمدا صلوات الله وسلامه عليه، بشرع عظيم كامل شامل، لجميع الخلق، فيه هدايتهم، والبيان لجميع ما يحتاجون إليه من أمر معاشهم ومعادهم، والدعوة لهم إلى ما يقربهم إلى الجنة، ورضا الله عنهم، والنهي عما يقربهم إلى النار، وسخط الله تعالی. ۱۲

والقرآن الكريم، قد بين كل ما يهم الإنسانية.. ومن ثم كان الخروج عما جاء به القرآن الكريم. انحرافا خطيرا، يعرض المجتمع لهزات فكرية واجتماعية، واقتصادية، تصل به إلى الفوضى والاضطراب والقلق... قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۚ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۖ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ..  (الجاثية:17-18) ١٣

وتتضافر آيات القرآن الكريم في بيان الحق، والطريق المستقيم.. حتى لا ينخدع الناس بمذاهب سماسرة الإلحاد والمتفلسفين.. 

والقرآن هو القرآن، لا يؤخذ بعضه، ويترك بعضه، كما لا يقبل الخلط مع غيره من القوانين التي يبتدعها الناس.. وليفكر العاقل في أمر الدولة الإسلامية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي عهود الخلفاء الراشدين، وفي الدولة الأموية والعباسية، وغيرها من عهود ازدهار الحضارة الإسلامية ولسوف يجد المفكر والباحث والعاقل.. أن أمر الأمة الإسلامية كان: العزة، والقوة، والانتصار، والعلم، والحضارة.. وذلك بسبب تحكيم شريعة الله، التي ارتضاها لعباده..

وكان المأمول في البلاد الإسلامية التي تحررت من الاستعمار.. أن تستقل حقيقة وتعود إلى القرآن الكريم.. لا لتقرأه على الموتى، وفي المناسبات.. وإنما لتطبق أحكامه كلها، وتعمل به، وبسياسته... ولكن ما كادت دول عربية وإسلامية تتحرر من الاستعمار العسكري.. حتى ارتمت في أحضان الاستعمار الفكري والمذهبي.. وكلنا يعرف أن بعض البلاد تحكمها أحزاب أنشأها النصارى وأصبحت هذه الأحزاب تتسلط، وتقود وتسيطر على أبناء المسلمين..

وكلنا يعرف أن بلادا إسلامية تسير في ركاب العلمانية، التي تبعد الدين عن الحياة.. وهذه الأخرى معرضة للغزو الماركسي اللعين.. والحق الذي لا نكران فيه.. أنه لا منقذ من المذاهب الهدامة.. إلا القرآن الكريم.. 

فهل يفكر المسلمون في تحكيم القرآن الكريم.. بدلا من الانزلاق في تجارب الأمم، وأي الأمم؟ أمم الإلحاد والاشتراكية.. 

والرجعة إلى القرآن الكريم.. ليست قصورا في التفكير، أو انسلاخا عن الحياة، أو هروبا من الدنيا.. كما يزعم دعاة الماركسية والعلمانية، وغيرها من المتفلسفين.. بل الرجعة إلى القرآن هي عين التقدم، وأساس الحياة، وليس هذا دعوة ينقصها البرهان، أو يعوزها الدليل.. وإنما هذا واقع حي ملموس عاشه المجتمع الإسلامي، وسجل التاريخ والتجربة أنه أثبت نظام سعدت به الإنسانية.. فهل يعود المسلمون إلى القرآن الكريم؟

الرابط المختصر :