العنوان السودان مؤتمر الحوار الوطني... خطوات من أجل السلام
الكاتب عبيد الأمين
تاريخ النشر الثلاثاء 07-نوفمبر-1989
مشاهدات 60
نشر في العدد 940
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 07-نوفمبر-1989
نجاح معركة
السلام يتطلب تعبئة الجبهة الداخلية وتحقيق تفوق عسكري مع توافر إدارة سياسية
مقتدرة.
وسط احتفالات
شعبية وحاشدة انتظمت البلاد كلها، تسلم الفريق عمر حسن البشير قائد ثورة الإنقاذ
الوطني في السودان توصيات وقرارات مؤتمر الحوار الوطني حول قضايا السلام في جنوب
السودان.
وكان المؤتمر قد
بدأ أعماله في التاسع من شهر سبتمبر الماضي واستمر من خلال جهود مكثفة حتى 20
أكتوبر. وقد وجه الفريق عمر قائد الثورة كلمة إضافية بمناسبة انتهاء مداولات
المؤتمر والتي تزامنت مع احتفالات البلاد بالذكرى الخامسة والعشرين لثورة 21
أكتوبر الشعبية، مما أضفى الفأل وحسن الطالع على توصيات المؤتمر بتحقيق أفضل
النتائج... ويُعتبر مؤتمر الحوار الوطني بادرة إيجابية وجادة من ثورة الإنقاذ
الوطني، حيث تواصلت مجهودات الأعضاء الـ 105 المشاركين في أعماله من خلال اللجان
الفرعية والمناقشات العلمية والتي واصلت الليل والنهار دونما تواني أو تواكل وفي
نكران ذات ومصداقية مشرقة. وقد توافر للمؤتمر عضوية تُعد الأفضل في إمكانية بحث
سبل السلام في الجنوب من حيث الدراية العلمية والعمل في الجنوب والوعي السياسي
والأكاديمي والاهتمام، كما ضم المؤتمر 29 عضوًا من أبناء جنوب السودان يشكلون
القيادات المختلفة للتجمعات والتشكيلات الوطنية في الجنوب... مما ساعد في توجيه
أنظار المؤتمرين إلى المشكلات الأساسية بصورة دقيقة تحمل المعايشة والإدراك... ما
ترتب عليه إقرار التوصيات في واقعية وتبصر فريد.
ومنذ البداية
توصلت لجنة تسيير أعمال المؤتمر إلى توزيع المهام وتحديد مشروع السلام في أبعاده
المختلفة سعيًا لتجميع شتات وإفرازات مشكلة الجنوب، فأنشأت لجان عمل فرعية متخصصة
لتقدم دراسات وأوراق في الموضوعات الآتية:
1- لجنة الإعلام.
2- لجنة الأسباب الجذرية والخلفية التاريخية
للنزاع في جنوب السودان.
3- لجنة بحث آثار الحرب الدائرة في البلاد.
4- لجنة بحث المعالجات السابقة.
5- لجنة بحث الخيارات والحلول.
6- لجنة التوثيق والمعلومات.
وقد عرضت تلك اللجان أوراقها ودراساتها على
المؤتمر وتمت مناقشتها في جو اتسم بالديمقراطية والتداول الحر.
الفاتورة:
كشفت اللجان
التخصصية لمؤتمر الحوار الوطني كثيرًا من الحقائق المتعلقة بمشكلة جنوب السودان
والتي ظلت في أكثرها غائبة عن مراكز إصدار القرار، كما أوضحت أعمال المؤتمر
التكييف الموضوعي لمشكلة الجنوب وجذور انطلاقاتها والخلفيات التي غذت تلك
المنطلقات حتى دفعت بها إلى الأحضان الأجنبية وأضحت نهبًا للتدويل والأقلمة وأعجزت
بذلك حكومات السودان المختلفة من إمكانية التحكم في أدوائها... فمشكلة الجنوب هي
قضية التخلف المتعمد الذي خلقه المستعمر من خلال اعتماد سياسة "المناطق
المغلقة"، وهي قضية الانفصال المتعمد أيضًا في إمعان القطيعة الثقافية
والاجتماعية واللغوية والدينية بين شمال البلاد وجنوبها كما بين المؤتمر أن مشكلة
الجنوب ليست قضية الأقليات الخارجة على القانون والمتترسة بالدول المجاورة ومنها
حركة التمرد الحالية التي يقودها الخارجي جون قرنق. وفي المجالات المختلفة خلفت
مشكلة الجنوب آثارًا موجعة وهائلة، فالحروب المتمردة والمدمرة التي صاحبت المشكلة
في أحيان كثيرة أدت إلى هدر الإمكانات في مجال الإنسان والتعليم والإدارة والأمن
والإنتاج الاقتصادي، وزادت من التعقيد بين علاقات السودان مع الدول المجاورة،
وأضعفت الاقتصاد الوطني وكثيرًا ما فتحت النوافذ لسفارات الدول الكبرى
والإمبريالية بالتدخل في شؤون البيت السوداني... وكانت الخسائر كبيرة عظيمة... فقد
أدت الحرب الدائرة الآن في جنوب البلاد إلى موت أكثر من 259 ألف مواطن أكثرهم من
الأطفال الجنوبيين، كما أن إجمالي الخسائر في القوات المسلحة 4593 شهيدًا، كما
قُتل من الخوارج "قرنق" 27732 قتيلًا.. وكانت الآثار الاقتصادية قد لحقت
بالقطاعين الزراعي والاستخراجي الصناعي... وتعطل العمل في مشروع قنال جونقلي
ومشروعات الري الأخرى كما توقف التعدين والتنقيب عن البترول. وفي المجال الزراعي
تعطل مشروع إنتاج الأرز في أويل بتكلفة 40 مليون جنيه ومشروع إنتاج البن 12 ألف
فدان الذي تعطل عام 1983 بعد إنتاجه 2100 طن، وتعطلت 5 مشاريع زراعية أخرى متخصصة
في إنتاج الألبان في بحر الغزال والشاي في الاستوائية بتمويل 47 مليون دولار،
وتعطلت 6 مشاريع زراعية في مجال الحبوب بالإضافة إلى تعطل مشاريع إنتاج الأسماك
ومناشير الأخشاب.
أما في المجال
الصناعي فقد توقف العمل في مجمع أنزارا الصناعي والمشتمل على إنتاج النسيج
والصابون والزيوت والسكر، كما توقفت مصانع تعليب الفاكهة في واو ومصنع سكر ملوط،
ومصنع كناف التونج، ومصنع نسيج منقلا، ولنا أن نتصور كم يمكن أن يكون هامش
الانهيار هائلًا في مجال البناءات الأخرى وأولها فقدان العمل لجيش واسع من
المواطنين بالإضافة لخسارة تنمية وتطوير أساليب الإنتاج.
وفي مجال
الخدمات التعليمية والصحية والمواصلات فقد أدت الحرب إلى إغلاق أغلب المؤسسات
التعليمية، كما أدت إلى انخفاض أداء تلك التي ظلت مشرعة الأبواب كما هو الحال في
جامعة جوبا، أما معاهد يامبيو الزراعي ومعهد أمادي لتنمية المجتمع ومعهد مريدي
التعليمي والمركز الإقليمي لتدريب المحاسبين بجلوبا ومركز تدريب جوبا ومدرسة الطب
المساعد في واو فقد تعرضت لإيقاف نشاطها من جراء الأمن المفقود. ونزوح مائة ألف
طالب وأُغلقت 312 مدرسة من مدارس أعالي النيل البالغ تعدادها 325 مدرسة.
وفي المجال
الصحي أُغلقت 14 مستشفى في الاستوائية وبقي فقط مستشفى الصباح بجلوبا ومستشفى
جوبا. وهكذا كان حجم الدمار هائلًا... وتزايدت معدلات التكلفة اليومية للحرب لتبلغ
مليون ونصف المليون دولار يوميًا... والخاسر الوحيد هو السودان بجنوبه وشماله وإن
كانت خسارة الجنوب أكثر فداحة.
الحل:
لقد استبانت
الرؤية عبر الدراسات المتأنية لنوعية الخصم، وعلى ذلك طَرق المؤتمر التصورات
الموضوعية لنوعية الخيارات المتوفرة، واتضح تمامًا بأن التمرد لا يريد ما يُخط من
شروط مسبقة بدليل أن تلك الشروط لم تعرف الثبات يومًا، ففي عهد نميري كانت دعوة
لإسقاط مشروع تقسيم الجنوب، وتطورت في مرحلة سوار الذهب الفترة الانتقالية إلى
إعادة الديمقراطية وتسليم الحكم لمنتخبي الشعب، وعندما جاء المنتخبون تعالت صيحات
المتمردين بإلغاء "قوانين سبتمبر" وإلغاء الاتفاقيات مع الدول العربية،
وأحيانًا كان الشطح يصل إلى إبعاد الطائفية عن الحكم، وعندما جاءت ثورة الإنقاذ
الوطني كانت الشروط الجديدة المُنقحة عام 1989 هي إطلاق سراح السياسيين وتشكيل
حكومة منتخبة... وكأنما السودان لم يعش ثلاث سنوات طوال في ظل حكومة منتخبة... أو
كأنما الحكومة المنتخبة كانت على توافق مع "مزاجية" قرنق المتمرد. سبحان
الله.
ولهذا فإن
التعامل مع المتمردين يحتاج إلى تركيز دقيق ويجب أن يُدار في إطاري العمل السياسي
والعسكري، وهي تهدف في نهاية الختام إلى سد الطريق على أساليب الالتفاف والمناورات
السياسية من خلال الاستثمار المعقول والتطوير المنهجي في تلك الإطارات. ففي النطاق
السياسي لا بد من توحيد الجبهة الداخلية وتعبئتها عن طريق الوعي الكامل بالمشكلة
وحجم الأضرار والاستعداد لعدم تقبل الإحباط الموجه وتثبيط الهمم بالإضافة إلى
استثمار التناقضات السياسية داخل الحركة ومع الأطراف المتعاملة معها حتى تُفقد
سلاح الوحدة الداخلية والاتساق الخارجي، ويبقى اللجوء إلى استخدام القوة العسكرية
أمرًا مشروعًا إذا احتل المتمرد أرضًا سيادية للدولة حتى لا تبقى وضعية للمتمرد
يستخدمها في التفاوض مع الدولة... ولهذا كانت الاستعدادات العسكرية وإمداد القوات
المسلحة بالأسلحة والعتاد الحربي.
والحوار الوطني
في المؤتمر أعاد تقويم المبادرات السياسية المختلفة التي طُرحت من قبل الحكومة
السودانية على مدى 36 سنة الماضية، وبصفة عامة فإن ما اتسمت به تلك الحلول
والأطروحات بالانفعال الوقتي والتعاطي الجزئي مع القضية، كما أن المبادرات التي
طُرحت في عهد الأحزاب الطائفية الأخير - والتي تجاوزت 12 مبادرة - فقد اتسمت
بالآتي:
1- عدم وجود
استراتيجية توضح حدود المناورة والحركة بما يحقق الأهداف القومية حيث كان الكل
يعمل على طريقته "الانفراد الحزبي".
2- عدم تجانس الاستراتيجية العسكرية مع
الاستراتيجية السياسية إذ لم تستمر كثير من النجاحات العسكرية بينما تمت محاولة
لعقد اتفاقية في ظروف عسكرية غير مواتية.
3- تقديم تنازلات بدون مقابل كما تم في اتفاقية
"الميرغني- قرنق" في 16 نوفمبر من العام الماضي.
4- الانغماس في المسائل الإجرائية من قبل القوى
السياسية والسقوط في أفخاخ الحركة المتمردة "الخوارج" وتبديد الوقت في
النقاش غير الموضوعي "المؤتمر الدستوري".
5- إصابة الإرادة السياسية بالشلل نتيجة لعدم
قدرتها على تجاوز الإشكال السياسي المتصل بلعبة القيادة والتفتت الداخلي حزبيًا
وقوميًا - حيث تعاني الأحزاب من التصدع والانشقاق كما أن الجبهة الداخلية مستغرقة
في الإشكالات المعيشية، ولهذا كانت أوضاع الحكومات الحزبية لا ترقى لطرح مبادرة
لحل المشكلة لا سيما وإن تصورها للمشكلة كان منصبًا على الجانب المتمرد من المشكلة
ولا ينظر للفرقاء الآخرين الذين لهم تصورات إذا ما حُلت المشكلة مع قرنق بدونهم
ربما يتدفقون إلى حمل السلاح وبذلك يكون حل المشكلة بإحداث مشكلة أخرى.
وقد جاءت مقررات
المؤتمر لتؤكد على ضرورة ضمان النجاح في إدارة الصراع على الآتي:
1- توحيد الجبهة الداخلية حول الحل للمشاكل مما
يجعل إطالة أمد الصراع سلاحًا يرتد إلى صدر المتمردين.
2- تقوية القدرات العسكرية حتى يكون تحقيق
التفوق العسكري عنصرًا ضاغطًا لفرض الإرادة السياسية.
3- توفر إرادة سياسية قوية ومتماسكة لإدارة
الصراع واتخاذ استراتيجية تفاوضية مرنة ومدركة تتناسب مع كل المراحل حتى يتحقق
السلام.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل