; العلمانيون العرب... اعتراف بالخسارة ورفض للهزيمة! | مجلة المجتمع

العنوان العلمانيون العرب... اعتراف بالخسارة ورفض للهزيمة!

الكاتب أشرف سلامة

تاريخ النشر الثلاثاء 13-فبراير-1990

مشاهدات 105

نشر في العدد 954

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 13-فبراير-1990

 

*العلمانيون العرب يراهنون على اختلافات الإسلاميين وتناقضاتهم.

*حققت الحركات الإسلامية مكسبًا كبيرًا بتوسيع فضاءات حريتها والقبول بها كطرف من أطراف الحوار.

في غضون العقد المنصرم شهدت الحركات الإسلامية نموًا كبيرًا على امتداد الساحة العربية، وواكب هذا النمو احتكاك متزايد وصراع مع النخب العلمانية التي كانت تنظر بعين الحذر والخوف إلى من تسميهم "بالأصوليين"، وترفضهم كطرف سياسي أو إيديولوجي مقبول. ولكن هذه النخب العلمانية لجأت في السنوات القليلة الماضية إلى مد بعض الجسور نحو الحركات الإسلامية، وبدء حوارات مع رموزها، فهل يعني ذلك أن الطرح العلماني أخذ في الانحسار؟

 

إقصاء الدين

العلمانية تسمية لها بريق وجاذبية نتيجة كونها والعلم من جذر لغوي واحد، وقد يتبادر إلى الذهن من أول وهلة أنها تقوم على العلم، ولكنها في الحقيقة ليست كذلك باعتبار أنها إيديولوجية تقوم على مفهوم خاص وضيق للعلم، هو المفهوم المادي الغربي. وقد كانت نشأتها في الغرب المسيحي كرد فعل أمام عجز المفاهيم الكنسية عن مواكبة التطورات النهضوية، ومن هنا تحدت العلمانية بعنف الدين، وطالبت بإقصائه كليًّا عن المجتمع. والعلمانية مذهب نظري فضفاض تنضوي تحت لوائه حركات من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال، فالأنظمة الماركسية الشيوعية تعتبر نفسها علمانية، وكذلك الأنظمة الرأسمالية الليبرالية، ولا يجمع بينها سوى نبذ الدين؛ سواء من باب إنكار وجود الله أو من باب جعل الدين أمرًا شخصيًّا بحتًا، والركيزة الأساسية التي تقوم عليها العلمانية تتمثل في مقولة: فصل الدين عن الدولة، والغاية البعيدة من هذا الفصل إقصاء الدين عن كل ميادين الفكر والحياة، وشطبه نهائيًّا من واقع الناس وأفكارهم.

ولكن معظم العلمانيين العرب لم يتجرأوا على الدين الإسلامي - ما كانوا ليستطيعوا ذلك - بل البعض منهم تمسح بالدين من أجل كسب تأييد الجماهير؛ لعلمه أن هذا الدين متجذر في النفوس، وإذا لم يكن هناك بد من إقصاء هذا الدين وعزله؛ فلا بد من توظيفه التوظيف الذي يخدم الغايات العلمانية. وكلنا يعرف كيف تعاملت العلمانية متمثلة؛ سواء في السلطة الحاكمة أو في النخب المثقفة مع التيارات الإسلامية طوال ثلاثة أو أربعة عقود، فلا فائدة في التعريج على هذا التاريخ، ولكن السؤال الذي لا بد من طرحه هو: ماذا حققت العلمانية العربية منذ أن حققت البلاد العربية استقلالها؟

 

الفشل

منذ فجر استقلال الدول العربية أخذ العلمانيون العرب على عاتقهم مسؤولية "إلحاق الأمة بركب الحضارة" ورفعوا شعار سد الفجوة القائمة بين الشعوب العربية المتخلفة والشعوب الغربية الراقية، وقالوا: إنه لا يمكن تحقيق نهضة حقيقية إلا بتحقيق شروطها؛ أي باتخاذ نمط تنموي يرتكز على نفس الأسس والمقومات التي قامت عليها النهضة الغربية، وبعبارة مبسطة لا يعني ذلك سوى اقتفاء النموذج الذي اختارته الدول المتقدمة، ومن هنا بدأ استلهام المقومات الفكرية والثقافية التي أحاطت بنهضة تلك الأمم المتقدمة الشرقية منها والغربية، ومن هذا الباب الواسع ترسخ الفكر العلماني الذي أخذ في الظهور مع بداية الصراع العربي العثماني؛ حيث اعتبر البعض أن الباب العالي سبب رئيسي من أسباب التخلف، وأن بإزالته يزال العائق أمام تقدم الأقطار العربية.

والآن وبعد مرور حوالي أربعة عقود على هذا الطرح العلماني ما هي المعضلة؟ لم يتحرر الإنسان العربي تحريرًا واقعيًّا شاملًا، ولم تتفجر الطاقات لتسهم في ردم الهوة الفاصلة بين دولنا السائرة في طريق النمو والدول المتقدمة، ولم يتحقق نمط العدالة المطلوب، وتوارى حلم الوحدة أكثر فأكثر. لقد أُجهضت كل الآمال التي احتضنتها الجماهير العربية طوال هذه العقود، وباءت أغلب جهود البناء؛ سواء على المستوى القطري أو الجماعي بالفشل، بمعنى أنها لم تحقق إلا قدرًا ضئيلًا مما كان مأمولًا منها، ولا مناص أمام العلمانيين إلا أن يعترفوا بهذه الحقائق، وحتى أولئك الذين لم يتقلدوا مناصب النفوذ ولم يسهموا في تحمل مسؤولية الحكم مباشرة، لا يمكن أن ينكروا أنهم هم الذين صاغوا التبريرات الفكرية للسياسات المتبعة ولسلطة "الدولة الحديثة العلمانية"، وساندوها بأقلامهم وجهودهم، وها نحن اليوم نشهد المأزق الذي تردت فيه تلك الدولة العلمانية الحديثة والمتمثل في الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تعصف بالبلدان العربية في المشرق والمغرب، وإذا كان المحك هو الواقع، فماذا تعني هذه الأزمات إن لم تكن تعني فشل العلمانية. إن النخب العلمانية هي أول من تشعر بالأزمة اليوم، ولذلك نراها وعلى كافة المستويات تقدم التنازلات وتتراجع، وتتسارع عملية التراجع هذه على ضوء الأحداث الهائلة في الكتلة الشرقية، والتي مثلت سقوطًا نهائيًّا لما يمكن أن نسميه "العلمانية المتطرفة"، ومن هنا رأينا في العالم العربي الحركات الإسلامية، وقد بدأت تأخذ مكانها الطبيعي في الساحات السياسية والثقافية، وتبرز كطرف محاور ومجادل معترف به، بعدما كان محكومًا عليه بالإقصاء والعزل، وبعدما كان رموزها يُعاملون بالعنف وبالمحاكم والسجون. إن التمثيل الرسمي للحركات الإسلامية؛ سواء في الانتخابات أو المناقشات البرلمانية أو في الأحزاب المعترف بها يمثل تقدمًا كبيرًا للحركة الإسلامية على حساب التيار العلماني في البلاد العربية، ولكن لا يعني ذلك أن العلمانية في البلاد العربية قد فقدت مبررات وجودها ومراكز نفوذها وقوتها، وأن طرحها لم يعد يلقى آذانًا صاغية، وأن تقهقرها الآني سيؤول بها إلى الاندثار.

 

تكتيك جديد

يعترف بعض العلمانيين العرب أن الكماشة التي حاصرت في السنوات الأخيرة العلمانية في البلاد العربية، تمثلت في انهيار التجارب التنموية، وسقوط الأنظمة الاشتراكية والشيوعية التي كانت نموذجًا يُقتدى به البعض، ولكنهم يردفون أن العلمانية ليست في خطر؛ لأن النموذج الغربي ما زال قائمًا ومزدهرًا، ويقولون: إنه إذا فشلت التجارب العلمانية في البلاد العربية، فلا يعود ذلك إلى فساد العلمانية كمنهج؛ بل إلى انحرافات السلط العلمانية، وتشويهات أصابت العلمانية العرقية، ويفسرون المد الإسلامي الحالي بأنه رد فعل على الخيبات والأزمات الاقتصادية المستفحلة أكثر منه اكتشافًا جديدًا للإسلام وتحمسًا لتطبيق مقولاته.

إن الطرح العلماني رغم ما مُني به العلمانيون في البلاد العربية من نكسات لم يتغير، ولا يزال يقوم على نفس الأسس والركائز ودعامته الرئيسية، الدين لله، والوطن للجميع، والإسلام دين لا دولة، ولكن تعامله مع التيارات الإسلامية هو الذي تغير؛ سواء على مستوى الحكم أو مستوى الثقافة. لقد أعطى للتيارات الإسلامية مساحات أكبر للحوار وللحركة الاجتماعية والسياسية والعمل الحزبي، ويشهد على ذلك تكرر اللقاءات والحوارات بين رموز العلمانية والحركات الإسلامية، نذكر من ذلك على سبيل المثال الندوة التي عُقدت في القاهرة عام 1988 عن التراث وتحديات العصر، والندوة التي عقدها منتدى الفكر العربي في عمان بالأردن عن الصحوة الإسلامية.

ويُنشر أحيانًا هذا الحوار على صفحات الجرائد والمجلات من خلال المقالات والردود عليها، كما يشهد على هذا التحول الإعلان عن ميلاد بعض الأحزاب السياسية الإسلامية، ونشاط العديد من الجمعيات والحركات الإسلامية في فضاءات حرية أكبر. وإذا كان الإسلاميون يرون في ذلك انتصارات لهم، حققوها عبر نضالات وبعد تضحيات، فإن العلمانيين يرون في ذلك تكتيكًا لا يمكن إلا أن يخدم طرحهم؛ حيث يعولون على إقامة الحجة على الإسلاميين بأنهم ليسوا أهل حوار، وأنهم يلجؤون إلى التطرف والعنف والإرهاب إذا فقدوا الحجة، وأن خلافاتهم الداخلية تجعل منهم طرفًا لا مصداقية له. إن العلمانيين يريدون أن يظهروا للرأي العام وللجماهير أن الإسلاميين يرفعون شعارات لا يستطيعون تطبيقها، ودائمًا وأبدًا يجابهون بالسؤال "أين برنامجكم للحكم؟" "وما هو مفهومكم للديمقراطية؟"، ويردد العلمانيون مقولة مخيفة وهي أن الإسلاميين إذا لم ينجحوا في البرهنة على ديمقراطيتهم وعلى تقبلهم للأطراف الأخرى في هذه المساحات المحدودة التي نالوها لحرية حركتهم، فكيف يكون الأمر إذا ما أمسكوا يومًا بالحكم. إن الصراع لم ينته بين العلمانيين العرب والإسلاميين؛ بل يمكن القول إنه مقبل على فترة حاسمة يتصاعد فيها إلى قمته. فالعلمانيون أخذوا يراجعون أنفسهم، ويعدلون سياساتهم، ويجمعون طاقاتهم من أجل الشوط القادم، فقد تنادت بعض الأحزاب اليسارية في إحدى البلدان العربية إلى الانصهار في بوتقة حزب واحد لمواجهة "المد الإسلامي". وفي مصر يعكف أحد أقطاب العلمانية الدكتور فرج فودة على تأسيس حزب علماني يناهض الجماعات الإسلامية، وإذا كانت الحركات والجماعات الإسلامية قد كسبت معركة الدفاع عن النفس، وفرضت وجودها في معظم الدول العربية، فإن عليها الآن مسؤولية أكبر وأعظم وهي أن تكسب رهان الشوط الثاني، شوط الهجوم من أجل أن تنال ما ترى نفسها حقيقة بنيله.

 

الرابط المختصر :