; الحج عظات وعبر!! | مجلة المجتمع

العنوان الحج عظات وعبر!!

الكاتب أ. د. زيد بن محمد الرماني

تاريخ النشر السبت 06-نوفمبر-2010

مشاهدات 66

نشر في العدد 1926

نشر في الصفحة 37

السبت 06-نوفمبر-2010

المجتمع التربوي

الحج عِظات وعِبر!!

د. زيد بن محمد الرماني (*)

(*) جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

قال الله تعالى: ﴿وَأَذَن فِي النَّاسِ بِالْحَجَ يَأْتُوكَ رِجَالاً وعَلَى كُلِّ ضامر يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجَ عَمِيقٍ (17) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهُ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِير (الحج: 18).

وقال رسول الله في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» (رواه البخاري ومسلم).

لقد اشتملت فريضة الحج على حكم جليلة كثيرة، ودروس وعظات وعبر وفيرة ففي الحج إظهار للتذلل لله عز وجل، وذلك لأن الحاج يترك أسباب الترف والتزين ويلبس الإحرام، مُظهرًا فقره لربه، ويتجرد في هذا السفر عن الدنيا وشواغلها التي تصرفه عن الله سبحانه فيتعرض بذلك لمغفرة الله تعالى ورحمته.

ثم يقف الحاج في عرفات ضارعاً لربه، حامداً شاكرًا نعمه مستغفرًا لذنوبه وعثراته.

إن أداء فريضة الحج يؤدي شكر نعمة المال وسلامة البدن، وهما أعظم ما يتمتع به الإنسان من نِعم الدنيا.

وفي الحج شكر لهاتين النعمتين العظيمتين، حيث يجهد الإنسان نفسه، وينفق ماله في طاعة ربه والتقرب إليه.

إن الحج يربي النفس على روح الجندية، بكل ما تحتاج إليه من صبر جميل وتحمل الأذى ونظام عسكري منظم يتعاون به المرء مع الناس، ألا ترى الحاج يتكبد مشقات الأسفار!! حتى يتجمع الحجاج كلهم في «مكة» حرم الله، ثم ينطلقون جميعا وهم في ذلك من ذي الحجة لأداء المناسك، ويقيمون ويتحركون جميعا مسرورين، إنها تنقلات كشافة روحانية.

وهناك تزول الفوارق بين الناس فوارق الغنى والفقر، فوارق الجنس واللون، فوارق اللسان واللغة، تتحد كلمة الإنسان في أعظم مؤتمر بشري، مؤتمر كله خير وبركة وتشاور وتناصح وتعاون على البِر وتآزر، مؤتمر عظيم.

مؤتمر الحج تجتمع فيه الكلمة على البر والتقوى وعلى التواصي بالحق والتواصي بالصبر والسهر على مصلحة الأمة، هدف هذا المجتمع والتجمع العظيم ربط أسباب الحياة بأسباب السماء.

ففي الحج ذكريات غالية، تغرس في النفس روح العبودية الكاملة، والخضوع الذي لا يتناهى لأوامر الله وشريعته.

هناك، في البقاع المقدسة والأماكن الشريفة العبرة تنبثق فعند البيت العتيق حط أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام رحله بزوجته هاجر وولده إسماعيل.

كما أخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما في حديث طويل قال فيه: جاء بها «هاجر» إبراهيم عليه السلام وابنها «إسماعيل» وهي ترضعه حتى وضعها عند البيت، عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء فوضع الأم وابنها الصغير، هناك بوادٍ غير ذي زرع، ووضع عندها جرابًا فيه تمر، وسقاءً فيه ماء ثم قفى إبراهيم عليه السلام منطلقًا، فتبعته أم إسماعيل قائلة: أين تذهب؟ وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه حيوان ولا إنسان..

 

فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها فقالت له: الله الذي أمرك بهذا؟ قال الخليل إبراهيم: نعم. قالت: إذن لا يُضعينا. ثم رجعت حيث طفلها الصغير، وانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند ثنية الوداع، حيث لا تراه زوجه أستقبل البيت بوجهه ثم دعا بهؤلاء الكلمات: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (إبراهيم: 37).

هناك في ذاك القفر الأجرد نبعت زمزم بين يدي إسماعيل، وكانت هذه الماء له ولأمه آية يعتبر بها الناس.

فقد أصبحت تلك الأسرة الصغيرة نواة الحياة وبذرة العمران في ذلك المكان، وجاء الصحراء جزيرة العرب بشرف النبوة والرسالة وحق لمن خضع لأمر الله ذلك الخضوع أن يكون أهلًا لذلك التكريم، وأن يقيموا بناء البيت الذي تهوي إليه أفئدة أهل الإيمان.

فسيروا معشر من آمن بالله على طريقهم وأحفظوا أمر الله، ودينه فيكم، يحفظكم ربكم وينصركم.

عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله تعالى فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه يباهي بهم الملائكة» (رواه مسلم).

سئل رسول الله ﷺ: أي العمل أفضل؟ قال: «إيمان بالله ورسوله، ثم الجهاد في سبيل الله، ثم حج مبرور» (رواه البخاري ومسلم).

ختامًا، أنقل هذه المفارقة على لسان الأستاذ محمد النجار، حيث يقول في كتابه الرائع «صوت المنبر»: من الأمر العجيب أننا نرى كثيراً من الناس المسلمين ممن أغدقت الدنيا عليهم، ممن لا علم لهم بأحكام الحج ومناسكه، نرى الواحد منهم ينفق الأموال الباهظة والدراهم الكثيرة في سفر الحج من غير حاجة ماسة إلى هذا مع السرف المذموم والتبذير الممقوت، ولا يسهل عليهم إنفاق اليسير في سفر من يصحبهم ويعلمهم ما يحتاجون في سفرهم لحجهم، ليحصل لهم ثواب التعلم والأجر، ويعودون بحج صحيح مبرور.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2111

110

الجمعة 01-سبتمبر-2017

فريضة الحج.. مقاصد وغايات

نشر في العدد 2111

134

الجمعة 01-سبتمبر-2017

الحج.. وحدة الهدف والغاية

نشر في العدد 43

112

الثلاثاء 12-يناير-1971

هذا الأسبوع (43)