العنوان القرآن في مواجهة التحديات العصرية
الكاتب وحيد الدين خان
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أبريل-1983
مشاهدات 67
نشر في العدد 615
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 05-أبريل-1983
نزل
القرآن في القرن السابع الميلادي، وفي ذلك الوقت كان التحدي للقرآن من قبل الشرك،
ولكن القرآن واجه هذا التحدي مواجهة ناجحة إلى أن حدثت تلك الواقعة التي ذكرت على
لسان أحد المستشرقين الأمريكيين عندما قال باللفظ الواحد: Quran
changed the Course of human history «إن القرآن قد غير مجرى التاريخ الإنساني».
أما في الوقت الحاضر فإن التحدي للقرآن من قبل
الاتحاد، ولو أقمنا القرآن في مواجهة هذا التحدي الجديد لكان بالإمكان أن نغير
مجرى التاريخ مرة أخرى، كما حدث في الماضي عندما غير أسلافنا مجرى التاريخ
قبل ألف سنة.
ذات
يوم قابلني شخص حصل على شهادة في العلوم، وكان له إلمام بالدراسات الدينية
والتاريخية أيضًا، ولم يكن يعترف بالدين وبوجود خالق هذا الكون، وأثناء الحوار
سألني بأنه إذا حذف القرآن من التاريخ الإنساني فهل ينقص شيء؟ فقلت له: نعم سينقص
كل شيء إلى ما كان عليه قبل نزول القرآن.
لقد
عمر الإنسان هذه الأرض منذ آلاف السنين غير أن التاريخ المعلوم يشهد أن الإنسان لم
يبلغ مرحلة ما تعبر عن كلمة «العلوم الطبيعية»، إلا بعد نزول القرآن، فما هو
تحليل هذه الظاهرة؟ إن التحليل بسيط جِدًّا، وهو أن الشرك كان غالبًا على الإنسان
في كل زمان قبل ظهور الإسلام، وكان عائقًا كبيرًا يعوق أي استكشاف العالم الطبيعة،
وطبقًا لعقيدة الشرك أصبحت المظاهر الطبيعية آلهة تعبد، وما كان للعلوم الطبيعية
أن تبرز إلى حيز الوجود وتبلغ المستوى الذي بلغته في العصر الحديث إلا باعتبار هذه
المظاهر الطبيعية مواضيع تدرس وتبحث فتسخر لخدمة الإنسان، فالإنسان المشرك يعتبر
القمر معبودًا، فكيف يتجرأ على أن يطأه بقدميه، والإنسان المشرك ينظر إلى السيول،
فإذا هي قوة تليق بالعبادة، فكيف به إذا فكر في توليد الكهرباء منها، وذلك بعد
تسخيرها، فهذا هو القرآن الذي أخضع فكرة الشرك ووضع مكانها فكرة التوحيد، وقد كان
ذلك لأول مرة في التاريخ الذي يعرفه الإنسان، فقد نشر الإسلام فكرة أن الله أحد لا
شريك له، فكل شيء ما عداه مخلوق لا حول له ولا قوة، وبذلك مهد القرآن طريق تقصي الحقائق
وإدراك عالم الطبيعة، وكشف الغطاء عن أسراره، وبالتالي انتصر الإنسان على الطبيعة
متخذًا من ذلك نقطة انطلاق لجميع التطورات والاختراعات، وفي الواقع فإن التخلف
الحضاري والرسوب العلمي كان نتيجة غير مباشرة للشرك؛ وبذلك فقد كان التطور
للمسلمين نتيجة غير مباشرة للتوحيد.
هذا
ومما لا شك فيه أن القرآن لم ينزل ليعرف الإنسان بالعلوم الطبيعية، غير أن الإنسان
لم يكن ليعرف هذه العلوم لو لم ينزل القرآن، وقد اعترف المؤرخ البريطاني
الشهير «أرلوند توينبي» بهذه الحقيقة وسجلها بوضوح في كتابه «دراسات
في التاريخ».
وقد
قال توينبي: «كانت الطبيعة موضوعًا للعبادة» Object
of worship في
زمن الشرك، فكيف يمكن أن تكون موضعًا للبحث والتسخير أو Object of investigation» والآن للنظر..
كيف
كان الشرك عائقًا في سبيل البحث العلمي؟ ولنضرب مثلًا هنا للتوضيح: قدمت نظريتان
في اليونان القديم عن دوران الأرض والشمس؛ إحداهما كانت
نظرية «أرستاركس»، والتي تفترض دوران الأرض حول الشمس، والأخرى كانت
نظرية «تالمي» والتي تقول: إن الشمس تدور حول الأرض، وكانت الأرض طبقًا
للنظرية الأولى دائرة وطبقًا للنظرية الثانية بيضاوية. وبعد أن تغلبت
المسيحية في أوروبا إثر اعتناق قسطنطين للمسيحية تبنى نظرية «تالمي»، وأشرف
عليها في حين أنه رفض نظرية «أرستاركس»، وإن كانت صحيحة وتسبب ذلك أن في
معتقد المسيحيين أن المسيح هو ابن الله، وأنه قد نشأ في هذه الأرض، وكانت مسقط
رأسه، وبالتالي فقد أصبحت مقدسة، واستحال أن تكون تابعة لأي كوكب آخر. إن
ثورة التوحيد التي كان أساسها القرآن كان مركزها الأول هو المدينة، ثم انتقلت إلى
دمشق وبغدا،د وبعد ذلك انتقلت إلى أوروبا عن طريق صقلية وقرطبة، وبعد وصول الإسلام
إلى أوروبا عمدت إلى فصل ثورة التوحيد عن آثارها الدنيوية، وبدأت في تطوير الآثار
الدنيوية “Secular results” منفصلة عن الدين، حتى أظهرت للعالم على أنها
علوم حديثة وتكنولوجيا جديدة. أما الحقيقة فتتمثل في أن الثورة الصناعية هي
نتيجة دنيوية لثورة التوحيد مع اعتبارها فائدة ضمنية “By
products”.
لقد
انفجرت ثورة التوحيد على أساس من القرآن، وكان ذلك نتيجة لتخطيط إلهي
طويل. وأذكركم بدعاء سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام: اللهم ابعث في بني
إسماعيل رسولًا وأنزل عليه كتابا (القرآن)، ثم كانت الاستجابة لهذا الدعاء من
الله ببعثة النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، ولكن بعد فترة زمنية تبلغ أكثر
من ألفي سنة. ويجدر القول إن هذه الفترة الطويلة بين الدعاء والاستجابة، ما
كانت إلا لإعداد الظروف التي تضمن نجاح هذه الرسالة الخاتمة. فمثلًا من أمثلة
التخطيط الإلهي أن دعوة إبراهيم صلى الله عليه وسلم قدر لها كما هو
معلوم أن تكون في أرض جرداء ليس بها زرع أو ماء، وذلك لأن الله أراد أن يخرج
من هذه الأرض القوم الذين تتوافر فيهم كل صفات المروءة، حتى يكونوا خير نموذج لحمل
هذه الدعوة والصبر عليها. ومثال آخر يتجلى فيه التخطيط الإلهي أن دولتي الفرس
والروم كانتا في أوج قوتهما قبل ظهور الدعوة، ولكن الله قدر لهما أن يدخلا في
معارك طاحنة أدت إلى إضعاف كلا الفريقين بشكل يسمح للنبي وأصحابه أن يبلغوا دعوتهم
دون وجود قوة تهددهم.
إن
هذا التخطيط الإلهي يظهر بوضوح في الوقت الحاضر مرة أخرى وبعد ألف سنة من ثورة
القرآن الأولى، فقد أعد الله لنا إمكانيات لثورة إسلامية جديدة.
واليوم وبعد ألف سنة أمامنا إمكانيات لو نحن
استفدنا منها لنجحنا في ثورة إسلامية ضد الإلحاد كما نجح أسلافنا في ثورة إسلامية
ضد الشرك، والإمكانيات الجديدة للثورة الإسلامية تتلخص فيما يلي:
1-كان الملوك في قديم الزمان يتحكمون في الناس
بحجة أنهم من سلالة إله القمر وإله الشمس؛ ولذلك ظلت دعوة التوحيد في قديم الزمان
معارضة للحكم السياسي، فكانت تتعرض للهجوم والمحاربة لأن الملوك والأسياد كانوا
يعتبرون معارضة الشرك معارضة غير مباشرة لاستمرار حكمهم، وظهرت بعد ذلك الثورات
التي تسعى إلى تحقيق الديمقراطية واجتاحت أوروبا وأمريكا، وكانت نتيجة للثورة
الفكرية الإسلامية. ونتيجة هذه الثورات هي القضاء على عقيدة الملوك الخربة
إلى أبد الآبدين، وبالتالي فقد سنحت فرصة جديدة لنشر التوحيد والدعوة إليه
دون خشية.
٢- كان
الناس يعبدون مظاهر الطبيعة ويقدسونها في قديم الزمان، وها هو ذا الإسلام يحدث
انقلابًا فكريًا عظيمًا، الناس يأخذون هذه المصادر القرآنية مأخذًا
علميًا، فأصبحت موضوعًا للبحث والتنقيب والتحليل، لا موضوعًا للعبادة
والتقديس، إن هذه الثورة الفكرية كانت فاتحة عهد للعلم والتكنولوجيا،
وبالتالي تمكن الإنسان من اختراع لوسائل المواصلات الحديثة، وصناعة المطابع
والراديو والتليفزيون حتى وجدت لأول مرة في التاريخ هذه الإمكانيات الهائلة لنشر
الدين على صعيد دولي.
٣- ونتيجة
لهذا الانقلاب الجديد، أصبحت حقائق الكون مكشوفة واضحة وذات دلالات علمية تثبت صحة
مبدأ التوحيد والمعتقدات المتعلقة به، فأول مرة أصبح من الممكن إثبات الحقائق
الدينية بدلائل مشاهدة في عالم الطبيعة.
٤- أن
هذا الانقلاب العلمي الحديث والذي أثبتنا أنه انعكاس العقيدة التوحيد قد أحدث
أسلوبًا جديدًا في البحث والتنقيب والاستدلال، حيث لا يدع مجالًا لأن تشوبه
شائبة من الأوهام والخرافات التي كانت قبل إنشاء هذا الأسلوب. ونتيجة لهذا
الأسلوب الفكري فقد تم الاستدلال تاريخيًا على صحة جميع المعتقدات والحقائق
الإسلامية من كل الجوانب، وفي نفس الوقت أبطل جميع الدعاوى والأباطيل الأخرى
التي لا توافق في كثير أو قليل هذا الأسلوب العلمي، وبعد تطبيق هذا الأسلوب على
الكتب السماوية تبين بالدليل القاطع أنه لا كتاب سماوي غير القرآن يوافق هذا
الأسلوب في الاستدلال التاريخي، وفي الوقت نفسه فقد ثبت فشل جميع الكتب الأخرى في
موافقتها لهذه الدرجة من الوثوق التاريخي، ففي زمن الرسول صلى
الله عليه وسلم وأصحابه واجه القرآن العدو القوى، ولكن كان
بداخل هذا العدو القوي تكمن شخصية المؤمن القوي.
والآن
ونحن نواجه الصعوبات والمشكلات، لو أننا أقمنا القرآن فسوف يثبت التاريخ وكأنما
سيف التتر قد ظهر مرة أخرى كي يتحول إلى خادم وحامٍ لدين الله كما حدث في
القرن السابع الهجريّ.