; اقتصاد (1547) | مجلة المجتمع

العنوان اقتصاد (1547)

الكاتب المحرر الاقتصادي

تاريخ النشر السبت 19-أبريل-2003

مشاهدات 55

نشر في العدد 1547

نشر في الصفحة 46

السبت 19-أبريل-2003

  • الشركات متعـدية الجنسيات الأخطبوط الذي يلتف حول العالم

  • الشركات الكبرى تفوق قوتها الاقتصادية دولًا عظمى وأصبحت فاعلًا كبيرًا في رسم السياسات الاقتصادية العالمية

تحولت الرأسمالية العالمية من رأسمالية قومية إلى رأسمالية ما وراء الحدود القومية، بفضل ظهور «الشركات متعدية الجنسيات» التي تقوم بدور كبير في ظاهرة العولمة، وتشكل أحد الأطراف القليلة التي تمتلك القدرة على صياغة وصنع القرارات ذات التأثير الدولي والتي وصفها تقرير الاستثمار في العالم الصادر عام ١٩٩٢ عن الأمم المتحدة بأنها «المنظم المركزي للأنشطة الاقتصادية في اقتصاد عالمي يتزايد تكاملًا».

اصطلاح الشركات متعدية الجنسيات لا يعني فقط أن المساهمين في ملكية هذه الشركات ذوو جنسيات متعددة، ولكنه يعني بصفة أساسية أن هذه الشركات بالرغم من أن استراتيجيتها وخطط عملها تصمم في مركزها الرئيس الذي يوجد في دولة معينة إلا أن نشاطها لا يقتصر على حدود تلك الدولة، بل يمتد إلى دول أخرى، فهي دولية النشاط إذ إنها تمتد باستثماراتها وتخطط لإنتاجها ومبيعاتها لأكثر من دولة، وتعتمد على سوق متعددة الدول، كما أن قراراتها واختياراتها ذات طابع دولي، وبهذا المفهوم فهي عابرة للقوميات، تتمتع بقدر كبير من حرية تحريك ونقل الموارد، ومنها عناصر الإنتاج «رأس المال والعمل» فضلًا عن المزايا التقنية، وهي مستقلة عن القوميات.

 الأداة الرئيسة لتوسع الشركات متعدية الجنسيات هي تصدير رؤوس الأموال الخاصة في شكل استثمارات مباشرة لها في مختلف أنحاء العالم، بحيث يعتبر تصدير رأس المال من الصفات المميزة التي يتم على أساسها تحول الشركة ذات النشاط المحلي إلى شركة متخطية للحدود القومية.

 

خصائص الشركات متعدية الجنسيات

تتسم هذه الشركات بعدد من الخصائص:

1- ضخامة الحجم الاقتصادي:

إن أهم مقياس متبع لقياس الضخامة هو رقم المبيعات، وقد عمدت مجلة «فورشن» إلى اعتماد ترتيب الشركات حسب حجم إيراداتها، ويعد الاندماج بين الشركات متعدية الجنسيات عنصرًا أساسيًّا من عناصر تدعيم قوة الشركات وضخامة حجمها الاقتصادي، لذا فقد شهدت الشركات متعدية الجنسيات موجة من الاندماجات في الأعوام الأخيرة وصلت بأصول بعض الشركات ومبيعاتها السنوية إلى مستويات تفوق الأصول الاقتصادية لبعض الدول، وتفوق صادرات دول كبيرة.

وعلى سبيل المثال، بلغت القيمة السوقية الأصول مجموعة «ايزوهو» المالية اليابانية نحو ۱۳۳۰ مليار دولار في ديسمبر ۲۰۰۰ كما بلغت القيمة السوقية لأصول أكبر عشرة مصارف في العالم نحو ٨٤٠٣ مليارات دولار أي ما يزيد على الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي، وبلغت القيمة السوقية لأسهم شركة جنرال إلكتريك نحو ٥٠٠ مليار دولار في نوفمبر ۲۰۰۰، وبلغت القيمة السوقية لرأسمال الشركة التي تكونت من اندماج شركة «مانسمان» و«فودافون» نحو ١٧٦ مليار دولار، وبلغت القيمة السوقية لشركة إكسون موبيل بعد اندماجهما لتكوين أكبر شركة نفطية في العالم نحو ٢١٥ مليار دولار عام ۱۹۹۸. 

وكما هو واضح، فإن تلك الشركات الكبرى تفوق في قوتها الاقتصادية دولًا كبيرة أو عددًا من الدول المتوسطة أو عشرات من الدول الصغيرة، وهي أصبحت فاعلًا رئيسًا في العلاقات الاقتصادية الدولية من خلال صياغتها للسياسات التي توجه بها أسواق عدد كبير من السلع والخدمات، ومن خلال قوتها المالية الجبارة، وما تضخه من استثمارات في مختلف بلدان العالم ومن خلال تشغيلها لملايين العاملين في عدد كبير من البلدان ومن خلال سيطرتها على الجانب الاعظم من عمليات تطوير التكنولوجيا في العالم.

 ٢- تنوع الأنشطة:

فهي لا تقتصر على إنتاج سلعة واحدة رئيسة مع بعض المنتجات الثانوية، ولا تلجأ إلى أشكال التكامل الأفقي أو الرأسي، بل تتعدد منتجاتها، وفي الوقت نفسه تستخدم في منتجاتها، مكونات من إنتاج شركات أخرى، ولذلك فهي أقرب إلى الشركة القابضة ولكنها تتميز عنها باهتمامها بأعمال البحث والتطوير وقضايا التمويل والتسويق.

 وقد وصل التنوع إلى درجة أن الشركة الدولية للتلغراف والتليفون تمتلك شبكة فنادق شيراتون المنتشرة في مدن العالم، وشركة ليون لمياه الشرب تمتلك عددًا من الصحف.

والدافع الحقيقي وراء هذا التنوع هو الرغبة في تدني احتمالات الخسارة.

 ويلاحظ أن الشركات متعدية الجنسية فككت الإنتاج الصناعي وفرضت التخصص في إنتاج مكونات السلع وإنشاء وحدات تجميع، وتنتج تلك المكونات إما شركات تابعة للشركة متعدية الجنسية أو شركات أصغر تتعاقد معها من الباطن ومن أمثلة انتشار التخصص في إنتاج المكونات حالة الطائرة «كونكورد» التي دخلت فيها مكونات من إنتاج ثلاثين ألف مصنع موزعة في أقطار متعددة.

3- الانتشار الجغرافي:

فهذه الشركات ليس لها وطن تدين له بالولاء. ووطنها الفعلي حيث تتحقق الأرباح.

4- تركز النشاط الاستثماري في الدول المتقدمة:

تستأثر دول غرب أوروبا وأمريكا الشمالية بالإضافة- إلى اليابان- بالنصيب الأكبر من النشاط الاستثماري للشركات متعدية الجنسيات ويلاحظ توطن أكثر من ثلثي استثمارات هذه الشـركـات فـيـهـا، في حين لم يزد تصيب الدول النامية من التوزيع العالمي للاستثمارات الأجنبية المباشرة على الربع.

5- الاعتماد على المدخرات العالمية:

تحصل هذه الشركات على احتياجاتها من التمويل من أسواق المال العالمية. ومن القواعد الأساسية في هذه الشركات إلزام كل شركة تابعة بأن توفر محليًّا أقصى ما يمكن من التمويل اللازم لها.

٦- تعبئة الكفاءات:

لا تتقيد الشركة متعدية الجنسية بتفضيل مواطني دولة معينة عند اختيار العاملين فيها حتى في أعلى المستويات التنفيذية، حيث إن كفاءة الإدارة رهن بكفاءة العاملين.

 ۷- المزايا الاحتكارية:

تتمتع الشركات متعدية الجنسية بعدد من المزايا الاحتكارية تتيح لمشروعاتها الاستثمارية تفوقًا نسبيًّا، وتمكنها من زيادة قدرتها التنافسية وارتفاع معدلات نموها وتحسين كفاتها الإنتاجية والتسويقية وبالتالي تحقيق أرباح كبيرة، حتى بالنسبة للشركات المتوسطة والصغيرة، فإنها تتمتع أيضًا بخصائص احتكارية خاصة، حيث تصادف درجة كبيرة من الازدهار نتيجة لسيطرتها على بعض فروع النشاط الاقتصادي. ولا نتجه صفة الاحتكار إلى مفهوم الملكية أو السيطرة الكاملة على هذا القطاع أو ذاك، وإنما المقصود هو امتلاك أحد المكونات الاقتصادية سواء رؤوس أموال أو مهارات إدارية أو تسويقية أو تكنولوجيا متقدمة بدرجة تجعلها قادرة على فرض أسعار احتكارية والسيطرة والمشاركة في جزء كبير من النشاط الاقتصادي بدرجة تجعل من الصعب على شركات أخرى كثيرة الدخول إلى السوق.

وتكمن أهم المزايا الاحتكارية في التمويل، والإدارة والتقنية والتسويق:

التمويل: تتوافر للشركة موارد مالية كبيرة تمكنها من توفير احتياجات المشروع، كما يمكنها الاقتراض بأفضل الشروط من الأسواق المالية الدولية لتوافر عنصر الثقة في سلامة وقوة مركزها المالي.

المزايا الإدارية: وتتمثل في وجود الهيكل التنظيمي الذي يسمح يتدفق المعلومات وسرعة الاتصالات، مما يساعد على اتخاذ القرار السليم في الوقت المناسب، فضلًا عن المناخ التنظيمي الملائم لانطلاق الابتكار والإبداع، ولهذا أثره الكبير في كفاءة العمل. والواقع أن توافر الكفاءات الإدارية عالية المستوى في هذه الشركات هو أهم العناصر لتحقيق التميز والتفوق، لذلك تحرص الشركات على وجود وحدات متخصصة وقادرة في مجالات التدريب والاستشارات والبحوث الإدارية.

المزايا التقنية: وتتمثل في التطوير التقني المستمر الذي تحرص عليه هذه الشركات للاستجابة لمتطلبات الأسواق، وللحد من دخول منافسين جدد، وتعزيز وضعها الاحتكاري.

التسويق: ويعتبر انتشار شبكات توزيعية للشركات متعدية الجنسيات أهم المزايا التسويقية التي تتميز بها، فبفضل الانتشار الجغرافي لوحداتها تتمكن من توفير منتجاتها بحالة جيدة في الوقت المناسب، وبهذا تستفيد من إمكانات سوق كبيرة وما تتيحه من وفورات كما تهتم بأبحاث السوق للتعرف على اتجاهات الطلب والتركيز على أساليب الترويج والدعاية والإعلان لمنتجاتها لضمان طلب متزايد ومستمر عليها. 

هذه المزايا الاحتكارية يمكن أن تفسر إلى حد بعيد انتشار نشاطها الاستثماري على المستوى الدولي وتحقيقها أرباح هائلة، فضلًا عن قدرتها على التكيف السريع مع المتغيرات الدولية.

الشركات متعدية الجنسيات واقتصاد العالم

 بقراءة البيانات الواردة في تقرير مجلة فورشن في يوليو ۱۹۹۸ عن أكبر خمسمائة شركة في العالم يتضح أن إجمالي إيرادات تلك الشركات الخمسمائة يبلغ ١١ تريليون و ٤٥٤ مليار دولار أمريكي، بينما نجد أن مجموع الناتج المحلي الإجمالي لدول العالم في السنة السابقة (۱۹۹۷) كان أكثر قليلًا من ۲۷ تريليون دولار، وكان الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة سبعة تريليونات و٧٤٥ مليار دولار أما بالنسبة لبلدان العالم الثالث فبلغ ٥٩٠٠ مليار دولار، وهكذا تمثل إيرادات الشركات الخمسمائة المذكورة- وليس كل الشركات المتعدية الجنسية – 149% من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة و 45% من الناتج المحلي الإجمالي للعام و 194% من مجموع الناتج المحلي الإجمالي لدول العالم الثالث.

أما قيمة أصول هذه الشركات فكانت ٤٣,٢ تريليون دولار وعدد العاملين ٣٦,٨ مليون عامل وصافي الأرباح ٤٥٢,١ مليار دولار وهو ما يوضح مكانتها في الاقتصاد العالمي سواء من حيث الناتج المحلي أو حجم الإيرادات أو المساهمة في توظيف العمالة.

وتبين بيانات فورشن التوزيع الجغرافي للخمسمائة شركة بين الأقطار التي بها مقار الإدارة العليا، حيث يوضح هذا التوزيع علاقات القوى في اقتصاد العالم:

الاتحاد الأوروبي: ١٥٠ شركة.

الولايات المتحدة: ١٧٥ شركة.

 اليابان: ۱۱۲ شركة.

وهناك أعداد أقل بكثير في كل من سويسرا وكندا وكوريا الجنوبية والصين والبرازيل والمكسيك وتايوان والهند.

وظاهر على نحو قاطع أن الإدارات العليا للشركات متعدية الجنسية موزعة بشيء من التقريب بين ثلاثة أقطاب متكافئة وهي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان، أما الشركات التابعة- وتعد بالآلاف- فهي منتشرة في كل بقاع الأرض.

وتنعكس القدرات الإنتاجية والتسويقية لهذه الشركات على مكانتها في التجارة الدولية، حيث إن من له هذه القدرات الهائلة لابد أن يسيطر على جزء أساس من التجارة الدولية، ولكن الأمر يذهب إلى أبعد من هذا، فكل شركة تشكل شبكة تجارة دولية بين الشركات التابعة لها أو المرتبطة بها تمارس الاستيراد أو التصدير بين بعضها البعض، وأكثر ما تكون التجارة داخل شبكات الشركات التابعة لشركة واحدة، ثم بين مجمل الشركات التابعة لكل الشركات الأم، وإذا جمعنا النوعين معًا فلن يكون بعيدًا عن الصواب القول إن معظم التجارة الدولية حاليًّا يتشكل منها، ومن وقت لآخر تظهر بيانات ذات دلالة فروع وتوابع الشركات متعدية الجنسية الأمريكية الأم تسيطر على 40% من صادرات المكسيك إلى الولايات

المتحدة.

ويدعم من حقيقة قولنا بسيطرة الشركات متعدية الجنسية على المعاملات الاقتصادية الدولية، مقارنة إجمالي إيرادات الشركات الخمسمائة الأكبر التي بلغت ١١,٤ تریلیون دولار في عام ۱۹۹۷ بإجمالي الصادرات العالمية التي بلغت نحو 6.6 تريليون دولار في نفس السنة. 

 

أثر نشاط الشركات على الدول المتقدمة والنامية

1- الأثر على الدول المتقدمة:

حيث تتركز مقار الشركات الأم في الدول المتقدمة، كما أن أغلب فروع ونشاط هذه الشركات يتجه نحو البلاد المتقدمة، فإن هذا يؤثر إيجابيًّا على الأوضاع الاقتصادية في هذه البلاد من خلال التأثير الإيجابي على الموارد المالية وموازين المدفوعات الخاصة بها.

هذا فضلًا عن الاتجاه نحو تدعيم احتكارية الاقتصاد المتقدم من خلال الأساليب الرائجة في التركيز والتمركز لرؤوس الأموال والاستفادة من وقوع أغلب استثمارات هذه الشركات في الصناعات رفيعة المستوى التكنولوجي والمهاري الصناعات القيادية التي يتميز بها الاقتصاد المتقدم.

ومن الواضح أنه ينبغي تمييز الشركات الأمريكية متعدية الجنسيات عن غيرها من حيث مركزها الاقتصادي العملاق في الاقتصادات المتقدمة، فمن خلال ما يمكن أن تبعثه من تأثيرات في بلادها المضيفة وخاصة كندا واستراليا وأوروبا الغربية يمكن القول إن هذه الاقتصادات قد أصبحت تابعة بدرجة كبيرة للاقتصاد الأمريكي بواسطة شركات متعددة الجنسية كأحد الأحزمة التي توثق التبعية للولايات المتحدة.

 ۲- الأثر على الدول النامية:

إذا كان للشركات متعدية الجنسيات آثار إيجابية على الاقتصادات المتقدمة، فلها مخاطرها وآثارها السلبية على اقتصادات دول العالم الثالث، حيث إن أهداف واستراتيجيات الشركة الأم والفروع والوحدات المتفرعة التابعة، لا يمكن أن تتطابق مع استراتيجية التنمية في أي دولة من دول العالم الثالث ويرتبط بذلك طبيعة المشروعات التي تقيمها هذه الشركات في الدول النامية، فبعض هذه المشروعات لا يمثل أولوية عالية في عملية التنمية الاقتصادية، ومنها على سبيل المثال قطاع التجارة والبنوك والسياحة، أما في مجال الصناعة التحويلية فهي عادة تقيم المشروعات التصديرية التي لا تهتم أصلًا بالسوق المحلية، وبالتالي تمثل جيوبًا منعزلة داخل الاقتصاد القومي، أو أنها في بعض الحالات الأخرى تدخل الصناعات التي تنتج سلعًا لا تستجيب لاحتياجات الجماهير ولا تكون في متناول دخولها، وإنما تستهلكها الأقلية الغنية.

هذا فضلًا عن المساومة غير المتكافئة بين شركة عملاقة ودولة نامية فحجم المبيعات السنوية لشركة جنرال موتورز الأمريكية يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية النفطية في شمال إفريقيا مجتمعة، ويشمل المركز التفاوضي غير المتكافئ مجال المعرفة التكنولوجية والموارد المالية والقرارات الإدارية والتسويقية، مما يجعل الاحتمال الأرجح أن تغين الدول النامية في كل عقد تبرمه مع تلك الشركات ويفاقم من هذه الظاهرة تسابق العديد من دول العالم الثالث على التعامل مع الشركات متعدية الجنسيات، مما يسمح لهذه الأخيرة بضرب الدول النامية بعضها ببعض.

ولكون الشركات متعدية الجنسيات تقوم بتحويل عوائد الاستثمار من أرباح وأقساط وفوائد بالإضافة إلى رسوم استيراد التكنولوجيا وعوائد الإدارة والمهارات الغنية إلى خارج البلد المضيف، فإن ذلك يؤثر سلبًا على ميزان المدفوعات، حيث يؤدي إلى عجز صافي في ميزان المدفوعات الرأسمالية. كما تؤثر هذه الشركات على الموارد المالية للبلاد المتخلفة من خلال استراتيجية التمويل الذاتي من الموارد والأسواق المالية هذه الدول، ويمثل هذا التمويل استنزافًا في للموارد الوطنية المتاحة.

وبالإضافة لما سبق هناك ملاحظات على عملية نقل التكنولوجيا إلى الدول النامية، حيث نجد أن التكنولوجيا المستخدمة بواسطة هذه الشركات هي وليدة الظروف الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع الذي أفرزها ولذلك فإن تصديرها إلى دول العالم الثالث يقلل من كفاءه استخدامها أو الاستفادة منها بشكل فعال، وهناك حقيقة مهمة لا يجب إغفالها وهي أن التكنولوجيا التي تصدرها هذه الشركات تصمم أساسًا بهدف زيادة الأرباح الإجمالية للمجموعة متعددة الجنسية، وليس لخدمة احتياجات التنمية الاقتصادية في العالم الثالث.

ونظرًا لضعف المركز التفاوضي للدول النامية بالإضافة إلى ما تتميز به سوق التكنولوجيا من درجة عالية من التركيز والاحتكار، فإن التكنولوجيا المقدمة من قبل الشركات غالبًا ما تكون متقادمة، وفي حالات كثيرة تحصل الدول النامية على الأجزاء والعمليات التكنولوجية التي تكون قد تركت في الدول الأخرى أو التي تكون على وشك التوقف عن استخدامها، كما يتم الحصول على التكنولوجيا بتكاليف مرتفعة تفوق قدرات الدول النامية.

ويترتب على استمرار الاعتماد على التكنولوجيا المستوردة إعاقة وتقليص المجهودات المحلية للبحث العلمي والتطوير التكنولوجي، هذا بالإضافة إلى ما يطلق عليه «النقل المعاكس للتكنولوجيا» أو هجرة العقول، حيث تستقطب الدول الرأسمالية الكوادر العلمية والفنية من دول العالم الثالث للعمل بها في أغلب الأحوال لدى الشركات متعدية الجنسيات، حيث تقوم باستخدامها في إنتاج التكنولوجيا التي يتم تصديرها أو نقلها بعد ذلك إلى الدول النامية. 

ولكن أخطر ما في هذه الظاهرة هو تزايد التبعية الاقتصادية التي تنطوي بالضرورة على استمرار التبعية التكنولوجية في شكل الاستيرادات المتزايدة والمستمرة سواء عن الأجزاء أو المكونات اللازمة لعمليات الصيانة، أو الخامات والسلع الوسيطة اللازمة لعملية الإنتاج، أو في شكل مدفوعات مستمرة لفترة غير قصيرة.

 

باحث صيني: الاقتصاد الأمريكي لن يشهد انتعاشًا بعد الحرب 

الحرب ستقوض العولمة.. وأهم أضرارها زيادة تكاليف الإنتاج 

يرى الباحث بمركز الدراسات الدولية التابع لجامعة «تشينغ هوا» الصينية هوو رو شينغ أن الحرب على العراق من شأنها أن تدمر حلقات العولمة الاقتصادية في العالم، كما أنها تضر بالاقتصاد العالمي.

ويضيف: «كان الناس يتوقعون أن السياسة الصحيحة ستحفز النمو الاقتصادي، وأن الاقتصاد سيشهد انتعاشًا بأسرع وقت ممكن، ويعود إلى معدل النمو العادي في نهاية هذا العام أو أوائل السنة القادمة، لكن من المؤسف أن الولايات المتحدة وبريطانيا شنتا هذه الحرب على العراق، ومع أن هذه الحرب ستحفز الطلب، لكنها غير مفيدة للنمو الاقتصادي بل ستضر بالثروة المادية».

ويرى الباحث الصيني أن: «نمو الاقتصاد العالمي يحتاج إلى بيئة دولية آمنة ومستقرة، ولكن الحرب ستدمر حلقات العولمة الاقتصادية، وحتى في حال انتهاء الحرب سيظل الناس متشككين في حقيقة استقرار الوضع مما يؤدي إلى تأثير سلبي على انسیاب حركة النقل وتخزين البضائع، ويؤثر تأثيرًا سلبيًّا أيضًا على نظام الإنتاج، لأن هذا النظام يتطلب تخفيض التكاليف، ولكن عوامل عدم الاستقرار الناتجة عن الحرب ستزيد حتمًا هذه التكاليف».

 ويشير الباحث الصيني إلى أن الحرب ليست في صالح العولمة الاقتصادية والتجارة الحرة فـ «العولمة الاقتصادية تحتاج إلى ضمان نظام التجارة الحرة ويتقيد هذا النظام بمبادئ التجارة المتعددة الأطراف التي حددتها منظمة التجارة العالمية، ولكن الولايات المتحدة اتخذت قبيل اندلاع الحرب بعض الوسائل الاقتصادية لتقريب بعض الدول إليها، ومن بين هذه الوسائل الموافقة على حصول تلك الدول التي تدعمها على أفضلية تجارية، أي منفعة متبادلة مما دمر مبادئ التجارة المتعددة الأطراف» وعلاوة على ذلك فاقمت الخلافات بينها وبين فرنسا وألمانيا حول قضية العراق حدة التناقضات الاقتصادية بينها وبين الاتحاد الأوروبي، مما يعرقل الجولة الجديدة من المفاوضات المتعددة الأطراف التي تنظمها منظمة التجارة العالمية. 

وقبل الحرب، برز تناقض خطير بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة خلال مفاوضات المنظمة، مما أدى إلى عدم توصلهما إلى اتفاق حول مسألة تجارة المنتجات الزراعية، وكان من المقرر أن يتوصل اجتماع المنظمة على مستوى الوزراء الذي سيعقد في أكتوبر القادم إلى نتائج بشأن هذه المفاوضات، ولكن ذلك قد أصبح من غير المؤكد نتيجة الحرب».

أما فيما يتعلق بالاقتصاد الأمريكي فقال شينغ: «إن النفقات الأمريكية الضخمة في الحرب ومكافحة الإرهاب وإعادة البناء بعد الحرب ستحمل ميزانيتها أعباء كبيرة ورد على ذلك أن الاقتصاد الأمريكي العام لا يدعو للتفاؤل في الوقت الراهن، حيث يتفاقم حجم العجز المالي يومًا بعد يوم، وقد يزداد حجم العجز المالي بسبب تطبيق حكومة بوش سياسة تخفيض الضرائب وكل هذه العوامل المهمة ستؤثر على الانتعاش الاقتصادي الأمريكي بعد الحرب، لذلك يعتقد أن الحرب لن تأتي بفوائد للاقتصاد الأمريكي خلال فترة وجيزة».

الرابط المختصر :