; الدور الخفي للبنك الدولي | مجلة المجتمع

العنوان الدور الخفي للبنك الدولي

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 19-يناير-1982

مشاهدات 70

نشر في العدد 557

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 19-يناير-1982

إن سياسة البنك العالمي تلتقي بالنهاية مع الخطوط العريضة للاستراتيجية الاقتصادية الأمريكية ومصالحها.

الدور المعلن للبنك الدولي و فرعه اتحاد التنمية الأولى لمؤسسة تابعة لهيئة الأمم المتحدة هو الإسهام في تنمية الاقتصاد العالمي، و ذلك بتقديم العون لاقتصاديات دول العالم الثالث، و تكاد ينحصر نشاط اتحاد التنمية الدولي في بلدان ما يسمى بالجنوب أي الدول الفقيرة في نصف الكرة الجنوبي.

و  الذي يتابع التقارير السنوية للبنك الدولي و يلاحظ حجم القروض التي بلغت عام ۱۹۸۱ حوالي 13.1 بليون دولار للبلدان النامية، يخرج بانطباع جيد مَفاده أن البنك الدولي يقوم بدور عظيم في خدمة اقتصاديات هذه الدول. و هذا الانطباع لا شك صحيح لكن المراقبين المطلعين و المدققين في نشاط البنك وعملياته يدركون أن له دورًا خفيًا غير معلن يتلخص في إلحاق اقتصاديات الدول النامية و تنميطها بما يحقق هيمنة الاقتصاد الرأسمالي الغربي.

أداة أمريكية

فما هو هذا الدور ومن الذي يتولى تنفيذه؟

في مؤتمره الصحفي على إثر استقالته يوم 30\6\1981 اعترف رئيس البنك الدولي السابق روبرت مكنمارا «أن سياسة البنك العالمي تلتقي بالنهاية والخطوط العريضة للاستراتيجية الاقتصادية الأميركية والمصالح الرئيسية للولايات المتحدة في العالم» ويأتي هذا التأكيد بعد خدمة اثني عشر عامًا في رئاسة البنك!

و حفاظا على هذا الخط فقد تم اختيار «إيه دبليو كلوزن» خلفًا له الذي كان رئيسًا لبنك أف أميركا أكبر بنك أمريكي، و يقضي العرف بأن يكون رئيس البنك دائمًا أميركيًا و هذا بالإضافة إلى أن الولايات المتحدة تملك أكثر من ٢٠٪ من القوة التصويتية في البنك، فإنها تملك من القوة والنفوذ ما يمكنها من تسيير دفة البنك بما يخدم المصالح الاستراتيجية الأميركية على النحو الذي اعترف بها مكنمارا.

والمعروف تاريخيًا أن الولايات المتحدة بحكم نفوذها هذا في البنك الدولي كانت تستخدمه أداة للضغط على الأنظمة السياسية في دول العالم الثالث أو لدعمها إذا كانت موالية للسياسة الأميركية. هذه الحقيقة تتأكد من مطالعة سريعة في التقرير السنوي للبنك لعام 1981.

فعلى صعيد الدول المستفيدة كانت المكسيك التي تتجلى فيها المصالح الاقتصادية الأميركية أكثر المقترضين لعام ۱۹۸۱ إذ حصلت على سبعة قروض قيمتها 1.1 بليون دولار...

و إذا كانت البرازيل تُعتبر منطقة استراتيجية للاقتصاد الأمريكي فإن تركيا تُعتبر نقطة استراتيجية سياسيًا وعسكريًا. وقد كانت هذه القروض بمثابة إعانة لنظام العسكر الذي استلم زمام الأمور في نهاية عام 1980.

أما اتحاد التنمية الدولي التابع للبنك فقد كانت أكثر الدول اقتراضًا من مخصصاته هي الهند 1.3 بليون دولار، بنغلاديش ٣٣٤ مليون دولار، باکستان ۲۰۲ مليون دولار، مصر ۱۹۸ مليون دولار و بالرغم من الأهمية الاستراتيجية للمصالح الأميركية في هذه الدول إلا أنه يلاحظ أن الدول الإسلامية أقل هذه الدول حصولًا على قروض البنك الدولي!

وهي ملاحظة أساسية في جانب المساعدات العسكرية.

فلماذا التفرقة بين بلدان إسلامية وغيرها مع تعاون الجميع مع الاستراتيجية الأميركية؟ إننا نطرح هذا التساؤل عله يجد آذانا صاغية لدى معظم المسؤولين في البلدان الإسلامية وخاصةً تلك التي تغدق الأموال الطائلة على البنك الدولي. فيما المسلمون في كل مكان يستنجدون ولا يجدون إلا اليد الأميركية أو اليهودية الخبيثة؟!

على أن التقرير سجل انخفاضًا في قيمة القروض السهلة المقدمة للبلدان الفقيرة.

كما سجل زيادة في قيمة القروض المُقدمة للقطاع الخاص لتصل إلى ٨١١ مليون دولار!

كما سجل التقرير أن الإقراض الزراعي شَكَّل 21 % من مُجمل قروض البنك!

تلاها في الأهمية مشاريع الطاقة و الصناعة الاستراتيجية أي المواد الأولية.

أي أن النتائج التي توصل إليها التقرير تتفق تمامًا مع السياسة الأميركية ومنها ما أعلنت عنه إدارة ريغان و دعته إليه في المحافل المالية الدولية كمؤتمر كانكون، و باريس للدول الأقل نموًا وهي تقليص المساعدات إلى الدول الفقيرة.

البنك يتدخل في الشئون السياسية

وكنتيجة للنفوذ الأمريكي على البنك فقد عمد البنك إلى التدخل في الشؤون السياسية للدول المُقترضة و ذلك من خلال عملية الإقراض التي أسماها «قرض التكيف التركيبي» و الذي يهدف إلى تصحيح أو تحسين مصادر التمويل لاقتصاد دولة نامية من خلال محاولة خفض الواردات و تحسين فرص التصدير.

و قد وضح مثل هذا الأثر في جامايكا عام ۱۹۸۰ حيث كانت الشروط التي فرضها الصندوق الدولي على اقتصاد البلاد المحلي أحد النقاط الأساسية التي اعتمدت عليها المُعارضة في الحملة الانتخابية.  و في تركيا كما أشرنا قبل قليل أسهمت الشروط التي فرضها البنك الدولي لإحداث أزمة سياسية تنتهي بتدخل الجيش و تسلمهم السلطة. و في أميركا اللاتينية كانت شروط الإقراض سببًا في كثير من الاضطرابات الشعبية...

و يدعم الأنظمة الديكتاتورية وبعد تسلم العسكر السلطة في تركيا ساهم البنك الدولي في دعم حكمهم؛ فقدم لتركيا ما يزيد على ٦٠٠ مليون دولار وفي بوليفيا يجد النظام هناك كل دعم من البنك، كما كشف مؤخرًا أن ساحل العاج كان آخر حلقة في سلسلة المتعاملين مع الأسلحة السرية للبنك.

و لعل أوضح الأمثلة على دعم البنك للأنظمة الديكتاتورية الصليبية هو دعم نظام ماركوس في الفلبين.

فقد ذكرت مجلة كاونتر سباي الأمريكية أن كتابًا سينشر حديثًا بعنوان «هزيمة التطور- البنك الدولي في الفلبين» يتهم البنك الدولي بالتورط في مساندة الحكومة الفلبينية في برنامجها ضد الثوار المسلمين في المناطق الجنوبية والفقيرة، ويضيف الكتاب أن مشروع « مندورو » الذي يتضمن تقديم ٦٠٠ ألف دولار كمساعدات زراعية كان يستهدف استعطاف قبائل البانامين ومنعهم من الالتحاق بالثورة، وفي جزيرة سامار تبنى البنك الدولي مشروعًا لتقديم مساعدات زراعية منذ عام ١٩٧٤ وهو نفس العام الذي بدأت فيه الثورة هناك، ونقلت الحكومة 9 آلاف جندي بحيث أصبحت المزارع مناطق رماية حرة وهي منطقة لم يظهر لعملية التنمية فيها أي تنمية حتى الآن.

و لذا ذهب الكتاب إلى أن «النظام الفلبيني يستعمل بناء مواني كبيرة لسفن الحربية ومهابط طائرات سلاح الجو و طرق رئيسية لتحرك القوات العسكرية، و البنك الدولي يدعم هذه المشاريع بالرغم من أن سامار هي أفقر الجزر الفلبينية»!

الاقتصاد التابع:

ولم تقتصر محاولات البنك الدولي في تنميط الاقتصاد النامي بحيث يخدم الاقتصاد الرأسمالي فحسب، بل أخذ يحاول أن يقتحم أسوار الصين الشعبية عن طريق تقديم قرض قدره ٩ بلايين دولار لتطوير الحرف الصينية بحيث تؤدي إلى «زيادة صادرات الصين إلى أسواق التصدير الرأسمالية» كما ذكرت ذلك وثيقة سرية وضعها البنك الدولي على إثر عودة بعثة منه زارت الصين في النصف الثاني من عام ١٩٨٠ م.

والفرق في ذلك هو خضوع الحرف الصينية للمواصفات الرأسمالية و بالتالي وضعها في مأزق عدم القدرة على تغطية الاحتياجات الداخلية من جهة و إلى زيادة المنافسة التجارية بين دول العالم الثالث للأسواق الرأسمالية التي بدأت تنكمش نتيجة التضخم والأنظمة الرقابية.

 وقد أطلقت مجلة كاونتر سباي على توصية البنك الدولي توصية انتحارية للاقتصاد الصيني...

مال المسلمين يدعم البنك!

وهكذا فإن البنك الدولي يكون قد تحول من مؤسسة اقتصادية هدفها الخير و المساعدة من خلال تنفيذ مشاريع تنموية حقيقية إلى هيئة مُتسلطة بأيدٍ أمريكية تملي على الدول الفقيرة سياسات اقتصادية أقل ما يقال فيها إنها ليست في صالحها، و إذا كان هذا هو دور البنك الدولي و إن كان غير مُعلن فكيف كان موقف دول الفوائض النفطية منه؟

لقد حاولت بعض الدول العربية إيصال منظمة التحرير الفلسطينية إلى صفة المراقب في اجتماعات البنك و لكنها فشلت في ذلك مرتين. ولكن هل منعها ذلك من تقديم العون للبنك؟

بكل أسف تشير المعلومات إلى أن دول النفط العربية كانت من أكثر الدول إقراضًا للبنك كما ذكرت ذلك مصادر صحفية عربية و أجنبية، بل صرح بذلك رئيس البنك في أعقاب جولة له في دول الخليج في نوفمبر الماضي.

فإلى متى ستظل أموال المسلمين أداة لخدمة غيرهم و أداة للعدوان على إخوانهم؟

و إلى الله المُشتكى.

الرابط المختصر :