; حوادث الحدود مع كوسوفا مفتعلة لماذا تداعت الدول الأرثوذكسية لدعم مقدونيا؟! | مجلة المجتمع

العنوان حوادث الحدود مع كوسوفا مفتعلة لماذا تداعت الدول الأرثوذكسية لدعم مقدونيا؟!

الكاتب عبد الباقي خليفة

تاريخ النشر السبت 17-مارس-2001

مشاهدات 53

نشر في العدد 1442

نشر في الصفحة 23

السبت 17-مارس-2001

يبدو البلقان في صورته الحالية، وكأنه مجموعة من البراكين لا يعرف أحد متى تثور، وإلى أي مدى تصل، غير أن المؤكد أن فاتورة ذلك يدفعها المسلمون في المنطقة، فما حدث على الحدود المقدونية مع كوسوفا لم يكن صدفة، وإنما كان ضمن مشروع جديد لإعادة رسم الخرائط في البلقان، يزيد من قناعة المتابعين الميدانيين أن الأهداف القديمة لا تزال تشكل مرجعية للسياسات الإقليمية والدولية في البلقان.

بداية الأزمة: بدأ الجيش المقدوني التحرش بالسكان الألبان، وقام بخطف بعض الفتيات الألبانيات في محاولة لاستفزاز الأهالي، وهو ما حدث بالفعل؛ حيث هاجم مسلحون ألبان الجيش المقدوني على الحدود وقتلوا ثلاثة من أفراده، وبدل البحث في الأسباب التي دفعت الألبان للقيام بتلك العمليات، وتركز الاتهام على إدانة الضحية، وعرف العالم مواقف الحكومة المقدونية وإجراءات التعبئة العامة التي دعت لها ومواقف الدول الأرثوذكسية وغيرها الداعمة لها دون أن يعرف حقيقة الموقف الألباني أو ينقل تصريحًا لأحد القادة الميدانيين في كوسوفا!.

شكوى لمجلس الأمن

وإلى جانب إعلانها التعبئة العامة، تقدمت مقدونيا بشكوى إلى مجلس الأمن في مسرحية مكشوفة للتغطية على جرائمها في حق مواطنيها الألبان الذين ضموا إليها قسرًا في أعقاب حرب البلقان (۱۹۱2/۱۹۱3م) في نوع من الاسترقاق بالجملة استهدف الأرض والشعب والثقافة، وهم يمثلون بين ٤٥ و ٥٠٪ من السكان، وليس كما يدعي الإعلام الأرثوذكسي أنهم ثلث السكان، والحقيقة أن الزائر لسكوبيا عاصمة مقدونيا يلاحظ شقين مختلفين داخل المدينة، شق يعيش في فقر مدقع وضنك العيش، ويبدو ذلك من المساكن القديمة وأحوال الناس والمساجد، وشق آخر يعيش في رفاهية وسعادة وعمارات شاهقة وسيارات فارهة إنهم الصرب، وقد اضطرت هذه القسمة الضيزى عددًا كبيرًا من الألبان للهجرة بأعداد كبيرة إلى كل من البوسنة والهرسك وكرواتيا والجبل الأسود حتى صربيا، وأكثر المجالات التي يعملون فيها هي المطاعم وصناعة الحلويات التي تدر على بعضهم دخلًا لا بأس به، وليست المظالم الاقتصادية وحدها التي يشتكي منها الألبان في مقدونيا بل المظالم السياسية أيضًا، فالألبان غير ممثلين في الحكومة رغم نسبتهم العالية من عدد السكان، كما يشكون من التعصب العقدي للحكومة الأرثوذكسية، فهي لا تسمح بالنشاطات الإسلامية، وتتعقب الزوار من الخارج، وتمنعهم من الدعوة والنشاط، ولذلك كانت مقدونيا مرشحة دائمًا للانفجار بسبب هذا الوضع، وبسبب الاختلال في التوازنات الاقتصادية والسياسية، وقد رشحها المراقبون قبل سنتين تقريبًا لتكون مسرح الصراع «القادم» في البلقان، وما حدث مؤخرًا يعتبر إرهاصات لذلك.

خلف أرثوذكسي

وليس خافيًّا أن الدول الأرثوذكسية في المنطقة ومعها روسيا تفكر منذ سقوط حلف وارسو في إقامة حلف أرثوذكسي مقابل حلف الناتو الكاثوليكي البروتستانتي «الذي يشكو -بدوره حاليًّا- حالة انقسام باطني بمحاولة الكاثوليك تكوين حلف أوروبي خاص» بهم بعد أن عايشوا السيطرة المطلقة للأمريكيين والبريطانيين على الحلف وهم بروتستانت، ورغم أن البعد المذهبي غير معلن إلا أنه راسخ في اللاشعور وتشم تأثيراته من التصريحات) ويضم الحلف الأرثوذكسي كلًا من صربيا التي دعت للوحدة مع روسيا إبان حكم ميلوسوفيتش، وروسيا قائدة الحلف، وبلغاريا واليونان هما من أكثر الدول تعصبًا وتنكيلًا بالمسلمين، وتعد هذه الدول النواة لإقامة حلف أرثوذكسي دولي، ولهذا المشروع علاقة وثيقة بما حصل مؤخرًا على حدود مقدونيا وكوسوفا؛ حيث تعد مقدونيا الجسر الترابي الذي يربط أجزاء الحلف مع بعضها البعض، وفي حالة سقوطه تعزل صربيا عبر اليابسة عن دول الحلف، ويصبح غير ذي جدوى أو تقل أهميته الإستراتيجية، ولذلك تعبر تلك الدول عن تعاطفها مع مقدونيا وتقف معها لا بالخطب والمقالات والاجتماعات، وإنما بالسلاح والضغط الدولي الذي دفع مجلس الأمن لإدانة الألبان الذين يدافعون عن أعراضهم وحقوقهم التاريخية والدستورية، فقد سارعت بلغاريا بتقديم الدعم العسكري للحكومة المقدونية، وكذلك فعلت اليونان التي تناست خلافاتها مع مقدونيا عندما تعلق الأمر بمواجهة مع المسلمين، كما أدانت روسيا عمليات الدفاع عن النفس، وعجلت في انعقاد مجلس الأمن الذي أدان بدوره تجرأ الألبان على الدفاع عن أنفسهم، وكانت صربيا من أكثر الدول التي تحركت على الصعيد الأوروبي، وطالب رئيس وزرائها بعزل الألبان الذين وصفهم أنهم سيتسببون في انفجار المنطقة مجددًا.

أهداف خفية: سرعة الاستجابة الدولية لمطالب مقدونيا، أحدثت واقعًا جديدًا في المنطقة يتمثل في: 

1- إفراغ منطقة الحدود من سكانها الألبان لمنع أي تماس أو اتصال لهم مع أشقائهم في مقدونيا.

2- إرضاء بلجراد بالسماح لقواتها أن تعسكر على طول الحدود بين مقدونيا وكوسوفا، وهذا يعطي إشارة خاطئة لبلجراد بالأمل في العودة لكوسوفا، وتمهيدًا لما سيحدث في الجبل الأسود بعد الانتخابات الشهر القادم التي سيعقبها استفتاء على الاستقلال، وهذه الخطوة الخطيرة تحتاج فيها حكومة بلجراد لبعض التنازلات في كوسوفا والبوسنة؛ حيث يدفع المسلمون دائمًا ثمن السياسات الدولية المجحفة بحقهم، ولذلك افتعلت القضية مع مقدونيا، وسمح لبلجراد بعقد اتفاق ثنائي مع صرب البوسنة، وجرى الاحتفال على أرض البوسنة، ولم يرفع فيه سوى العلم اليوغسلافي، وغاب علم البوسنة عن الاحتفال، ولم يقم مجلس الأمن بإدانة ذلك وكأن الأمر متفق عليه.

3- عزل ألبان كوسوفا عن ألبان مقدونيا بالتهجير والسماح للقوات الصربية أن تعسكر على طول الحدود، وهو ما سيزيد من حدة التدهور «وقد جرح عدة جنود صرب عقب وصولهم للمنطقة» ونشر القوات الدولية في المنطقة، وجاء ترحيب المنسق الأوروبي للشؤون السياسية خافيير سولانا بذلك في إطار التحضيرات السياسية والأمنية لاحتواء التحركات الشعبية الألبانية المتوقعة عقب الانتخابات في الجبل الأسود التي ستفضي إلى استفتاء شعبي حول الاستقلال، وميلاد دولة الجبل الأسود في منتصف هذا العام، لذلك أغلقت مقدونيا حدودها مع كوسوفا، وطالبت بمنطقة حدودية منزوعة السلاح، ورغم رفض الحلف الطلب المقدوني المتعلق بغلق الحدود لأسباب تتعلق بمصالحه، حيث تأتي تموينات قواته البرية عبر مقدونيا، إلا أنه تفهم مطالب الحكومة المقدونية التي تخشى من اندلاع الأوضاع من الداخل، وهو ما سيحصل بإذن الله، الأمر الذي لا يخفى على أحد، فالدعم العسكري للحكومة المقدونية من روسيا وبلغاريا واليونان وصربيا هو في الأساس لقمع الألبان في الداخل، وليس لمواجهة ألبان كوسوفا.. 

الرابط المختصر :