; الملتقى التربوي | مجلة المجتمع

العنوان الملتقى التربوي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أغسطس-1981

مشاهدات 61

نشر في العدد 540

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 25-أغسطس-1981

في واحة الروح أثمان المحبة

إن أول نقدة من أثمان المحبة: بذل الروح، فما للمفلس الجبان البخيل وسَومها؟

تلك ما هزلت فيستامها المفلسون! ولا كسدت فيبيعها بالنسيئة المعسرون. لقد أقيمت للعرض في سوق مَن يزيد. فلم يرض لها بثمن دون بذل النفوس.

فتأخر البطالون، وقام المحبون ينظرون: أيهم يصلح أن يكون ثمنًا؟ فدارت السلعة بينهم. ووقعت في يد ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (المائدة: 54).

لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى، فلو يعطي الناس بدعواهم لادعى الخلي حرقة الشجي! فتنوع المدعون في الشهود، فقيل: لا تقبل هذه الدعوى إلا ببينة ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (آل عمران: 31) فتأخر الخلق كلهم. وثبت أتباع الحبيب في أفعاله وأقواله وأخلاقه. فطولبوا بعدالة البينة بتزكية ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ (المائدة: 54).

فتأخر أكثر المحبين وجاء المجاهدون، فقيل لهم: إن نفوس المحبين وأموالهم ليست لهم فهلموا إلى بيعة ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (التوبة: 111) فلما عرفوا عظمة المشترى، وفضل الثمن، وجلالة من جرى على يديه عقد التبايع: عرفوا قدر السلعة، وأن لها شأنًا. فرأوا من أعظم الغبن أن يبيعوها لغيره بثمن بخس فعقدوا معه بيعة الرضوان بالتراخيص من غير ثبوت خيار

والله لا نقيل ولا تستقيل.. فلما تم العقد وسلموا المبيع، قيل لهم: فلما صارت نفوسكم وأموالكم لنا رددناها عليكم أوفر ما كانت، وأضعافها معًا ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ (آل عمران: 169-170).

إذا غرست شجرة المحبة في القلب، وسقيت بماء الإخلاص ومتابعة الحبيب أثمرت أنواع الثمار وآتت أكلها في كل حين بإذن ربها، أصلها ثابت في قرار القلب. وفرعها متصل بسدرة المنتهى

لا يزال سعي المحب صاعدًا إلى حبيبه لا يحجبه دونه شيء.

﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (سورة فاطر: 10).

والحمد لله رب العالمين.

بالحكمة والموعظة الحسنة

اشتهر الإمام أبوحنيفة- رحمه الله- تعالى بالفطنة والذكاء وسرعة الخاطر والحلم والأناة والعفو عن ظالمه حتى يعود من أصحابه، ولقد ذكر الرواة أنه كان بالكوفة رجل يقول: «إن عثمان بن عفان كان يهوديًا، ولم يستطع من حضر من العلماء إقناعه للجاجته، أن يقول غير مقالته، فأتاه أبوحنيفة، وقال: «أتيتك خاطبًا» فقال الرجل: لمن؟ فقال: «لابنتك، رجل شريف، غني بالمال، حافظ للكتاب: سخي يقوم بالليل في ركوع كثير البكاء من خوف الله تعالى، فقال الرجل: «في دون هذا مقنع يا أبا حنيفة!» فقال أبوحنيفة: «إلا أن فيه خصلة» فقال الرجل: «وما هي»؟ فقال أبوحنيفة: يهودي!!

قال الرجل: سبحان الله! أتأمرني أن أزوج ابنتي من يهودي؟ قال أبوحنيفة «ألا تفعل؟!

قال الرجل: لا. فقال أبوحنيفة: فالنبي- صلى الله عليه وسلم- قد زوج ابنته من يهودي! (يعني عثمان) فقال الرجل: أستغفر الله إني تائب إلى الله عز وجل.

فعن طريق الحكمة، والذكاء والفطنة، والموعظة الحسنة، كسب جميع الناس، وجعلهم من أفضل مريديه ومحبيه، من أجل هذا فلا عجب أن ترى إمامًا يشتمه في المساء، وعند الصباح يستغفر الله مما جنى، وقال: إنه عالم، وإن السفهاء هم الذين زينوا لي هذا.

رحم الله مربي ذلك الزمان، فقد كانوا بأسلوبهم الكريم وطريقتهم المثلى مربي كل زمان.. 

الفتنة الكبرى؟

للمرتقى- الفتنة الكبرى

قال تعالى﴿وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا، وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 73-74).

أخي المربي في هاتين الآيتين عدة حقائق هامة يجب على الداعية اليوم أن ينتبه إليها:

١- إن في كلمة «كادوا» وهي من أفعال المقاربة دلالة واضحة على الجهد الكبير الذي يبذله معسكر الطاغوت لفتنة الداعية حتى كاد أو قارب أن يفتنه، إنه يستخدم ضده جميع الأساليب فمرة يغريه بالمال ومرة بالمنصب والجاه ومرة بالمراء والجدال ومرة بالتهم والإشاعات ومرة بالتهديد والوعيد فإذا لم يفلح في ذلك كله سلط عليه شياطين الإنس بالأذى المعنوي والمادي ليفرض عليه المعركة فرضًا لا خيار له فيها وساعتها يشن عليه حرب إبادة يفتح على أثرها السجون ويعلق المشانق ويعذب الأبرياء ويهتك الأعراض، وهذا حال الداعية مع نظام الطاغوت منذ ثلاثين سنة مضت، ولا تزال الصورة تتكرر مع كل جيل ليذهب ضحيتها طلائع الدعاة إلى الله.. إذن لابد من مرحلة جديدة ولابد من علاج جذري لهذا الأسلوب الظالم لابد أن يكون للداعية مخلب قوي يخدش به وجه الطاغوت كلما حاول أن يرفع رأسه.

٢- ويعبر الله بكلمة «الفتنة» أمام التخلي عن المنهج، ويعبر بكلمة «الاستفزاز» أمام النفي والإخراج من الأوطان، فهو سبحانه لا يعتبر النفي فتنة وإنما هو مجرد استفزاز وإخراج ﴿وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ (الإسراء: 76).

وهذه حقيقة عظيمة ذلك أن الداعية بثباته على منهجه لم يضره النفي والإبعاد فأرض الله واسعة ودعوة الله للعالمين والداعية مصدر نور ورحمة في أي مكان كان ولكن الفتنة الكبرى التي تأكل الأخضر واليابس أن يتخلى عن منهجه وقرآنه وللتخلي عن المنهج صور كثيرة منها الواضح المكشوف ومنها الخفي المستور وهي أشدها خطرًا

فإنها تجعل الداعية يسوغ جميع أخطائه بأنها عين الصواب والعجيب أن الله لم يحدد نسبة هذا التخلي وهذه الفتنة ففي هذه السورة قال﴿قَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 74) ولكن ما نسبة هذا القليل؟ لا ندري.

فقد يكون التخلي عن حرف واحد وقد يكون أكثر أو أقل وفي سورة أخرى يحذره قائلًا: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (المائدة: 49) وحتى هنا لم يحدد نسبة هذا البعض لأن العبرة بمبدأ التنازل المعسكر الطاغوت فيوم أن يتنازل الداعية عن مبدأه وإن قل وصغر فهي الفتنة التي تضيع الدنيا والآخرة.

٣إن معسكر الكفر لا يثق بالداعية الذي يظهر تعاطفه معه حتى يمارس معه السلوك العملي وتعبير القرآن بكلمة «الافتراء» في قوله تعالى﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ (الإسراء: 73) لها مدلول مخيف إذ يتحول ذلك الداعية الصادق الأمين إلى مفتر كذاب والافتراء هو  أخس أنواع الكتب فتراه يزين للطاغوت عمله ويسمي الكذب ديبلوماسية، والذلة مجاملة، فتراه يخطط مع الطاغوت ويدور معه حيثما دار إنه الافتراء الخاسر ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَىٰ﴾ (طه: 61) إذن ليس هناك إلا منهجان لا ثالث لهما منهج الحق والصدق أو منهج الكذب والافتراء مهما اختلفت الأسماء، فالشيوعية افتراء والرأسمالية افتراء والعلمانية افتراء والبعثية افتراء واتباع الهوى افتراء وعبادة الدنيا افتراء، إن هذا الدين ليس فيه أنصاف حلول ولا يلتقي مع معسكر الكفر على منتصف الطريق لا يداهن ولا يماري إما الحق وإما الافتراء.

٤﴿وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا  (الإسراء: 73) وواقعنا اليوم هو خير شاهد على ذلك إن الذين تخلوا عن منهج الحق فتحت لهم الخزائن وقدمت لهم المناصب وأعطيت لهم التسهيلات وفتحت لهم الأرصدة وتراهم يتقلبون في الترف وملاذ الدنيا وفي تعبير «لاتخذوك» إيقاع عجيب يجعلك تعيش في ذلك الجو النفسي الذي يحياه ذلك الصنف من الناس، وترى في جانب هذا البهرج البراق الداعية وهو يترنح ذات اليمين وذات الشمال والأيدي الآثمة تمتد إليه من كل جانب لتلوثه بظلمها وإذا بيد العناية الإلهية تمتد إليه في هذا الجو الصاخب لتثبته على جسر الدعوة لينطلق إلى النور من جديد﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ﴾ (الإسراء: 74).

مقتطفات من كتاب تلبيس إبليس

ينبغي أن تعلم أن إبليس الذي شغله التلبيس أول ما التبس عليه الأمر فأعرض عن النص الصريح على السجود فأخذ يفاضل بين الأصول فقال ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ (ص: 76) ثم أردف ذلك بالاعتراض على الملك الحكيم فقال ﴿أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ (سورة الإسراء: 62) والمعنى أخبرني لم كرمته علي؟ غرر ذلك الاعتراض أن الذي فعلتم ليس بحكمة ثم اتبع ذلك بالكبر فقال ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ (ص: 76) ثم امتنع عن السجود فأهان نفسه التي أراد تعظيمها باللعنة والعقاب.

فمتى سوّل للإنسان أمرًا فينبغي أن يحذر منه أشد الحذر وليقل له حين يأمره إياه بالسوء إنما تريد بما تأمر به نصحي ببلوغي شهوتي.

الرابط المختصر :