; من سير الصالحين والمصلحين.. الناصر صلاح الدين.. سلطان المجاهدين | مجلة المجتمع

العنوان من سير الصالحين والمصلحين.. الناصر صلاح الدين.. سلطان المجاهدين

الكاتب عبداللطيف الصباغ

تاريخ النشر السبت 09-يوليو-2005

مشاهدات 77

نشر في العدد 1659

نشر في الصفحة 40

السبت 09-يوليو-2005

 

الرابع من يوليو الجاري مرت الذكرى (818) على موقعة حطين المظفرة «4/ 6/ 1187م- 24 ربيع الآخر 854ه».

 

 

مر العالم الإسلامي في القرن السادس الهجري «الثاني عشر الميلادي» بواحد من أخطر منعطفاته، حيث تداعَى الصليبيون على الأمة، فاستولوا على معظم سواحل الشام وكونوا ممالك حصينة، ودخلوا بيت المقدس، فعاثوا فيه فسادًا، ومكثوا فيه تسعين عامًا- بينما كان العالم الإسلامي يغط في سبات عميق، فالخلافة العباسية كانت في مرحلة الشيخوخة، والدولة الفاطمية تتخطفها صراعات السُّلطة بين الوزراء، والشام مفككة بين دويلات حبيسة متصارعة يستعين بعضها على بعض بالصليبيين- وفي غياب الفكر الجهادي الإسلامي نَعِم الصليبيون بحياةٍ رغدةٍ في بلاد الشام المغتصَبة يتمتعون بثرواتها، وظنُّوا أن لن يخرجوا منها أبدًا.

الولاء والانتماء: في مثل هذه الظروف وُلد صلاح الدين «يوسف بن أيوب» في مدينة تكريت «العراق» من أصل كرديّ، لكنَّه نشأ مع أبيه في أحضان آل زنكي، أصحاب إعلاء مصطلح الجهاد في بلاد الشام، وإكسابه طابعًا عَمليًا في مواجهة الأطماع الصليبية التي توالتْ على تلك الديار قبل قرنٍ من الزمان، شبّ صلاح الدين على مسرح الحروب الصليبية بين أناس لا حديث لهم إلّا عن الجهاد والتضحية بالنفس والنفيس دفاعًا عن الدين والوطن ورفع راية الإسلام، ولا شكّ أن هذه التنشئة أثمرتْ بطلًا قلَّما يجود الزمان بمثله، لكننا ترى بعض حَمَلة لواء القومية في تاريخنا المعاصر يحمل على صلاح الدين أنّه لم يقدم لبني جنسه شيئًا، والحقيقة أن فكرة القومية وليدة القرنين التاسع عشر والعشرين، سخّرها الغرب للنَيْل من الفكرة الإسلامية، أما صلاح الدين فلم يتعصب لعنصر أو جنس، تحدّث العربية لغة القرآن، وتقدمت دائرة الإسلام عنده عما سواها، فسما بها وسمتْ به إلى مصافّ الخلفاء الراشدين.

تحديد الهدف:

 انتقل صلاح الدين إلى مصر الفاطمية مع عمه شيركوه، بناء على طلب نور الدين محمود، لإنهاء الخلاف القائم بين شاور وضرغام حول منصب الوزارة، والحيلولة دون وقوع مصر في يد الصليبيين، تولى شيركوه الوزارة لكنه سرعان ما انتقل إلى رحمة الله، فخلفه ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي في عام ٥٦٤هـ ١١٦٨م، وظنّ الخليفة الفاطمي العاضد أنّ صلاح الدين قليل، الخبرة صغير السن (٣٢ سنةسيصبح أداةً طيِّعة في يده، لكن صلاح الدين أيقن أنّ مواجهة الصليبيين تبدأ من مصر -العمق الاستراتيجي لبلاد الشام- فقرر أن يبدأ العمل في تؤدة وروية.

حجر الناصر على العاضد فمنعه من التّصرف، وأحكم قبضته على القوات العسكرية، لم تكن مهمة صلاح الدين في استخلاص مصر من الفاطميين بالمهمة الهينة، فحاول رجال القصر الاستعانة بالصليبيين للتخلص منه، لكنه كشف المؤامرة، وتخلص من زعيمها، «مؤتمن الخلافة» وجنوده البالغين خمسين ألفًا، وبعد اشتباكات عنيفة في القاهرة آل مصيرهم إلى القتل والتشريد، ثم شرع صلاح الدين في تحويل مصر إلى المذهب السُّني، ليوجد العالم الإسلامي مذهبيًا مرة أخرى، وما أن استقر الأمر في مصر حتى أرسل الناصر إلى الشام يستدعي أهله وعشيرته.

خشِيَ الصليبيون من وحدة مصر والشام، فأرسل عموري ملك بيت المقدس بالاتفاق مع الإمبراطور البيزنطي حملة بريّة للاستيلاء على مصر، تبدأ بثغر دمياط يدعمها أسطول بحري بيزنطي من مائتي قطعة بحرية، استبسل المصريون بقيادة صلاح الدين في الدفاع عن المدينة، وساهمتْ حملات نور الدين محمود على أملاك الصليبيين ببلاد الشام في تخفيف الحصار والتعجيل بفشله، بعد أن طال الحصار، ودبَّ الخلاف بين البيزنطيين وصليبي بلاد الشام فتراجعا، كما تمكن صلاح الدين من التصدي لأنصار المذهب الفاطمي الذين جمعوا جموعهم من اليمن والنوبة وهاجموه من الجنوب.

توحيد الجبهة الإسلامية:

 كانتْ أولى خطوات صلاح الدين لتوحيد الجبهة الإسلاميةأن استظل براية الخلافة العباسية- فأقام الدعوة على منابر مساجد القاهرة للخليفة العباسي المُستضيء بأمر الله، في أول جمعة من محرم ٥٦٧هـ ١١٧١م، وبذلك أنهى رسميًا الوجود الفاطمي، وبعد أيّام قلائل توفي العاضد آخر خلفاء الدولة الفاطمية دون أن يعلم بنبأ انتهاء دولته، وحملتْ رسل صلاح الدين النبأ إلى بغداد فأقِيمتْ الأفراح ابتهاجًا

كاد الاتصال المباشر بين صلاح الدين والدولة العباسية أن يوقع العداوة والبغضاء بين الناصر صلاح الدين وسيده نور الدين محمود لكن الناصر استطاع بحنكة أن يرأب الصَّدع، فأرسل إلى نور الدين بهدية ووافاه بتقرير عما ورثه من ملك الفاطميين وقصورهم والأوضاع الأمنية في مصر، وترك الرّسالة والهدية يحملان معنى الوُّد والتبعية، دون أن يصرح بالأخيرة، فتقبلها نور الدين بقَبول حسن، واعتبرها دليلًا على ولاء الناصر له.

وما لبث نور الدين محمود أن توفي تاركًا ابنه الصالح إسماعيل صغيرًا على العرش، فدبّ الخلاف بين قادته طمعًا في الملك، الأمر الذي فتح الطريق أمام صلاح الدين ليوحد الجبهة الإسلامية في مصر والشام دون وجل، راسل الناصر الخليفة العباسي في رغبته توحيد الشق الغربي من العالم الإسلامي ضد الصليبيين، فوصله خطاب الخليفة مقرًا بولايته على مصر الشام عام ٥٧٠هـ- شرع الناصر في تنفيذ خطّته فضم مدن الشام وعلى رأسها دمشق وحمص وحماة دون استشارة أهلها، وسالم صلاح الدين من بادئه، وتخلّص ممن وقف في طريقه، وتقرب من الأهالي برفع الضرائب والمكوس المستحدثة، وعندما حاول ضم حلب أسرع ريموند الثالث صاحب طرابلس للقيام بدور الحامي للصالح إسماعيل، لقطع الطريق على صلاح الدين والحيلولة دون قيام وحدة إسلامية في الشرق الأدنى، الأمر الذي استثار صلاح الدين فدخل حلب عنوة، لكنّه عاد وصالح أهلها كما صالح عز الدين مسعود صاحب الموصل، حَقنًا لدماء المسلمين والتفويت الفرصة على تحالف آل زنكي مع الصليبيين

الإعداد لمواجهة الصليبيين

 ترك صلاح الدين جيشًا قويًا ببلاد الشّام تحت إمرة أخيه، فیما عاد هو إلى القاهرة، فمكث بها ستّ سنوات لتحصينها، فبنى قلعته الشهيرة التي ظلّتْ مقرًا لحكم مصر حتى الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وأقام سورًا عظيمًا حول لقاهرة بطول ١٥كم وعرض ثلاثة أمتار، تتخلله أبراج للمراقبة والدفاع، وحصن المدن الساحلية شد أي غارات محتملة.

توجّه صلاح الدين إلى بلاد الشام في محاولة لجس النبض مع الصليبيين، لكنّه لقي هزيمة عند مدينة الرملة نجا منها بأعجوبة عبر عنها بقوله: «وما أنجانا الله إلا لأمر يريده سبحانه»، عاد صلاح الدين إلى مصر متيقنًا أن الأمر ليس بالهين، لكن الهزيمة لم تفتْ في عضَدِه، إنما كانت حافزًا للنصر، وفي عام 9٥٧هـ- توفي الصالح إسماعيل فجأة، فأعدّ صلاح الدين العُدّة لتوسيع رقعة دولته شمالًا، وضمَّ حلب والموصل بعد جهد جهيد، وفي أثناء حصار الموصل عرض عليه ريموند الثالث صاحب أنطاكية الصلح، فعَقَد معه صُلحًا لمدّة ثلاث سنوات لتأمين هذه الجبهة، ثم قَبِل هدنة أخرى مع بِلدوين ملك بيت المقدس عام ٥٧٩هـ/ 1187م.

موقعة حطّين

أشعل ريجنالد «أرناط» صاحب حصن الكرك فتيل الحرب عندما اعتدى على قافلة تجارية للمسلمين فنهبها، وقتل العديد من أفرادها وأَسَر الباقي، ورفض الانصياع لنداءات جي دي لوزينيان ملك بيت المقدس، وصلاح الدين بإطلاق سراح الأسرى، وهذى بكلمات تسيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وتوعد بالمسير إلى مكة- فأمر الناصر فنادى منادي الجهاد في كل الأقطار التابعة له.

وعندما اكتملت قوات صلاح الدين قصد الكرك والشوبك فخربهما، ثم دارت المعركة الأولى بين المسلمين والصليبيين، قرب صفورية، مايو ۱۱۸۷م حيث مني الصليبيون بهزيمة نكراء، فعقد الصليبيون مجلس حرب واستقرّ رأيهم على الانتقام من صلاح الدين، فتجمعتْ قواتهم عند صفورية، تقدم صلاح الدين نحو طبرية، وأراد أن يستفزهم فاقتحم طبرية وأضرم النار فيها، ليجبرهم على ترك موقعهم واللحاق به، فينهكهم الحر والعطش، فتم له ما أراد، وصلت القوات الصليبية إلى حطين في حالة من الإنهاك والتعب، في وقت استراح فيه المسلمون وجلسوا ينتظرون في ظل مديد وماء كثير.

استقرت القوات الصليبية على هضبة تشرف على حطين جنوبي جيش المسلمين، مساء ٢٥ ربيع آخر ٥٨٣هـ ٤ يوليو ١١٨٧م، أي في ليلةٍ غير مقمرة، مارس الناصر حربًا نفسية ضد أعدائه فأضرم النار في الأحراش الواقعة شمالي معسكر الأعداء، فحملتْ الريح دخانًا كثيفًا إليهم طوال الليل، وعلتْ أصوات التكبير والصلوات في معسكر المسلمين، وتحت جنح الظلام تحركتْ جيوش المسلمين، استيقظ الصليبيون مع ضوء الفجر فوجدوا المسلمين قد أحاطوا بهم من كل جانب، بدأتْ المعركة وفشل الصليبيون في فكِّ الحصار، وسرعان ما خارت قواهم، فملأتْ جثثهم أرض المعركة، وأسر عدد كبير في مقدمتهم ملك بيت المقدس وأخوه وأرناط، حتى قال ابن الأثير: «من رأى الأسرى لا يظن أن هناك قتلى، ومن رأى القتلى يحسب أنه لم يكن هناك أسري».

 

فروسية وأخلاق

 سبق كبار القوم إلى خيمة صلاح الدين، حيث أكرم السلطان وقادتهم، ولما أحس من ملك بيت المقدس العطش قدّم له ماء مثلجًا، فشرِب وأعطى أرناط، فغضِبَ الناصر وقال للمترجم: «قل له أنت الذي أعطيته الماء، فلا أمان له عندي» حيث تقتضي أخلاق المسلم أن تقديم الماء أو الطعام للأسير يعني الأمان له، ثم التفت إلى أرناط وذكّره بما ارتكب من جرائم في حق المسلمين، ثم قال له: «هأنذا أنتصر لمحمد صلى الله عليه وسلم» ثم عرض عليه الإسلام فأبي فأطاح برأسه، ثم طَمْأن ملك بيت المقدس الذي ارتعدت فرائصه، وأمر بنقل الأسرى مكرمين إلى دمشق.

الفتح القدسي.. دروس وعبر

 كان هدف صلاح الدّين وهدف المسلمين تحرير أولى القبلتين وثالث الحرمين، لكنه لم يتجه مباشرة إليه، وإنما اتجه إلى الثغور الساحلية، ليقطع الاتصال بين مملكة بيت المقدس والعالم الخارجي، آتت حطين ثمارها، فقبل أن تصل جيوش المسلمين إلى عكا عرض حاكمها جوسلين تسليمها مقابل تأمين الصليبيين بها على أرواحهم وأموالهم فقبل صلاح الدين، ثم أرسل ألوية من جيشه إلى الخليل ونابلس والناصرة وقيسارية وحيفا فاستسلمت جميعها، فيما توجه الناصر بنفسه إلى بيروت فحاصرها ثمانية أيام حتى طلب أهلها الأمان فأجابهم، واستسلمت جُبَيل مقابل إطلاق سراح حاكمها، بينما استسلمت عسقلان مقابل إطلاق سراح جي دي لوزينيان ملك بيت المقدس

اتجه صلاح الدين إلى بيت المقدس وحاصرها، قلما أحسّ الصليبيون أنه لا طائل من المقاومة سلّم قائدهم المدينة بشروط صلاح الدين، ومنها أن يفتدي الصليبيون أنفسهم من الأَسْر بعشرة دنانير للرجل وخمسة للمرأة ودينارين للصبي، وأمهلهم في الفدية أربعين يومًا- ودخل الناصر بيت المقدس في ٢٧ رجب ٥٨٢هـ ٢ أكتوبر ۱۱۸۷م دون أن يُراقَ دم صليبي واحد- رحل الصليبيون الغربيون وبقي مسيحيو الشرق ينعمون بالإقامة في بيت المقدس، كما عاد اليهود إليها بعد أن كانتْ محرَّمة عليهم في ظل الاحتلال الصليبي، فأين ذلك من سبعين ألف مسلم قُتلوا يوم أن دخل الصليبيون المدينة ذاتها! وهل يذكر اليهود للمسلمين الآن هذا الجميل؟!! هنا يكمن الفارق بين الإسلام وغيره

وقود الجهاد

 توجه الناصر نحو الساحل يكمل ضم ما بقي في أيدي الصليبيين من قلاع وثغور فقال لابن شداد: «إنه متى يسر الله تعالى فتح بقية الساحل قسمتُ البلاد، وأوصيتُ وودعتُ، وركبت ُالبحر إلى جزائره فلا أبقي على وجه الأرض من يكفر بالله أو أموت»، وكان صلاح الدين خاشع القلب غزير الدمع سماعًا للقرآن لا يصلي إلاّ في جماعة، كان حريصًا على قيام الليل متهجدًا متبتلًا داعيًا ربه، يحث جنوده على قيام الليل، كان إذا مرّ على مدينة محتلة اهتمّ واغتمّ، فلا يأكل في يومه قط، فأين نحن منه الآن؟!!

صلاح الدين والملوك الثلاثة: خرج الصليبيون من بيت المقدس والمدن والقلاع التي فتحها المسلمون وتحصّنوا بثلاثة ثغور بقيَتْ في أيديهم وهي صور وطرابلس وأنطاكية، أمهلهم صلاح الدين فلم ينقضّ عليهم، ولم يشرد بهم من خلفهم، فكان بتصرفه هذا محلّ لوم الكثيرين من المؤرخين المحدثين، أراد صلاح الدين أن يريهم معنى التسامح والحضارة ويحقن الدماء، لكنّهم لم يستوعبوا الدرس، فكونوا نواة استصرخت الأوربيين لشنّ حملات صليبية جديدة بدأتْ بالحملة الثالثة.

آثار سقوط بيت المقدس حماس الأوربيين، لاسِيما بعد أن طاف بطريرك بيت المقدسالذي أطلق سراحه صلاح الدينبلدان أوروبا يروي قصصًا من نسج خياله عن وحشية المسلمين مع الصليبيين، ودعا البابا جريجوري الثامن إلى إرسال حملة صليبية جديدة، استغرق الإعداد لها أكثر من عامين، وقادها ثلاثة ملوك، هم فردريك بربروسا ملك ألمانيا وريتشارد الملقب «قلب الأسد» ملك بريطانيا وفيليب أوجستْ ملك فرنسا، لكن الأول مات غرقًا قبل أن يصل.

فرض الجيش الفرنسي حصارًا بريًا وبحريًا على عكا، فيما تمكن الجيش الإنجليزي من الاستيلاء على الساحل بين صور وحيفا، تمهيدًا لاحتلال بيت المقدس مرة أخرى، واضطرت عكا للاستسلام، وطلب الصليبيون فدية كبرى لغداء الأسرى، خشي صلاح الدين أن يدفعها فيتقوى بها الصليبيون على حرب المسلمين، فتجاسر ريتشارد على قتل ثلاثة آلاف أسير مسلم، وليسجل التاريخ مقارنة أخرى بين هذا التصرف الوحشي في مقابل تسامح صلاح الدين مع أسرى بيت المقدس

دبّ الخلاف بين ريتشارد وفيليب فعاد الأخير إلى بلاده، فيما حاول الثاني الوصول إلى بيت المقدس، لكن صلاح الدين فرض رقابة صارمة على طول الساحل، فغرب القلاع وأحكم القبضة على مداخل الطرق إلى القدس ودمشق، وأحكم تحصين القدس، وحفر حولها خندقًا، حاول ريتشارد أن يسلك الطريق الساحلي جنوبًا حتى وصل إلى غزّة، لكنه وجد الطريق موصَدًا فعاد يجر أذيال الخيبة، لذا عرض الصلح على صلاح الدين فقبل بشرط ألّا يبقى في يد الصليبيين سوى الساحل من يافا إلى عكا، وعقد على ذلك صلح الرملة ٢٢ شعبان ٥٨٨هـ- ٢ سبتمبر ١١٩٢م.

 

تركة الناصر صلاح الدين

 مرض صلاح الدين في أعقاب صلح الرّملة، ولما اشتدّ به المرض استدعى الشيخ أبا جعفر، ليقرأ عنده القرآن ويلقّنه الشهادة إذا جدّ به الأمر، وفي صباح ٢٧ صفر ٥٨٩هـ ٤ مارس ۱۱۹۳م أسلم روحه إلى بارئها، ورحل رداء الإسلام وحصنه الحصين، فكانتْ فاجعة كبرى على المسلمين، ودفن في داره بدمشق.

يردِّد بعض المغرضين أن صلاح الدين كان طالب سلطة وورث أولاده حكم البلدان الإسلامية في شكل إقطاعيات، وهذا مخالف للحقيقة، فلو كان طالب سلطة لأخلد إلى السكينة يتمتع بما يرنو إليه، وما دار بين الشام ومصر كالأم الثكلى يعد العدة لمحاربة العدو وتطهير بيت المقدس من رجس الصليبيين. ومن الثابت في المصادر التاريخية أن الناصر مات ولم يترك في خزانته سوى دينار واحد من ذهب وستة وثلاثين درهمًا، ولم يخلف عقارًا ولا حديقة، أما أولاده وإخوته فكانوا في حياته مجرد حُكّام إداريين تابعين لإدارة مركزية في يده، يمتثلون لإرادته، فلم يجد حوله من يثق بهم ويأمن جانبهم إلا أقاربه، وهكذا سيظل الناصر صلاح الدين رمزًا للجهاد ومثلًا يُحتذى ونبراسًا للمسلمين في كفاحهم من أجل تأكيد عروبة فلسطين ضد الصليبيين الجدد.

المصادر

ابن كثير، البداية والنهاية، تحقيق أحمد فتيح المكتبة التجارية مكة المكرمة، (۱۹۹۲مجلدانو7.

سعيد عبد الفتاح عاشور، مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك «دار النهضة العربية بيروت دت».

إبراهيم علي الدين، تاريخ الأيوبيين والمماليك «دار النشر الدولي الرياض ۲۰۰۳». 

سيد حسين العفاني، رهبان الليل «مكتبة معاذ ابن جبل، ۲۰۰۲» ط ۱۱، ج ۱

جيمس رستون، مقاتلون في سبيل الله «صلاح الدين الأيوبي وريتشارد قلب الأسد والحملة الصليبية الثالثة» ترضوان السيد «مكتبة العبيكان، الرياض، 2002».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2057

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 17

100

الثلاثاء 07-يوليو-1970

حدث هذا الأسبوع - العدد 17