; القصة القرآنية طبيعتها وصفاتها.. قصة موسى | مجلة المجتمع

العنوان القصة القرآنية طبيعتها وصفاتها.. قصة موسى

الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر السبت 19-يناير-2008

مشاهدات 55

نشر في العدد 1785

نشر في الصفحة 45

السبت 19-يناير-2008

قصة موسى مع وفرعون تعالج قضية الطغيان والتمييز المرفوض من البشر في كل زمان ومكان.. ثم تختتم كالعادة بالعظة والعبرة

وهي قصة وردت في سور عديدة، كما سبقت الإشارة، ولكنها تبدأ من سورة القصص، حيث مولده ونشأته، وتربيته في قصر فرعون، ثم تلقيه الرسالة واصطدامه بمن رباه وكفله وهو «فرعون» من أجل الدعوة إلى الله وتوحيده .

الأخيرة

ويلاحظ أن القصة تبدأ بالحديث عن موسى وفرعون معًا: ﴿نَتلُواْ عَلَيكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرعَونَ بِٱلحَقِّ لِقَومٖ يُؤمِنُونَ إِنَّ فِرعَونَ عَلَا فِي ٱلأَرضِ وَجَعَلَ أَهلَهَا شِيَعا يَستَضعِفُ طَآئِفَة مِّنهُم يُذَبِّحُ أَبنَآءَهُم وَيَستَحيِۦ نِسَآءَهُم إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلمُفسِدِينَ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱستُضعِفُواْ فِي ٱلأَرضِ وَنَجعَلَهُم أَئِمَّة وَنَجعَلَهُمُ ٱلوَٰرِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُم فِي ٱلأَرضِ وَنُرِيَ فِرعَونَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنهُم مَّا كَانُواْ يَحذَرُونَ﴾(القصص:3ـــــــــــــ6).

وكأن القصة ليست قصة موسى بقدر ما هي قصة فرعون ذلك الطاغية الذي علا في الأرض، أي طفى وتجبر، ثم كانت جريمته الأشد تفريق الناس شيعًا وطوائف، منهم المميزون وهم الموالون له، والمستضعفون وهم من ليسوا مقربين منه، أو معارضون له سواء كانوا من بني إسرائيل أو غيرهم. 

إذا القصة في سورة القصص تنحو منحى معينًا، يعالج قضية الطغيان والتمييز، أو التفرقة العنصرية، كما نقول بلغة زماننا، وما الحديث عن موسى ونشأته وحياته، إلا حديث عن فرعون وأعماله المرفوضة في كل زمان ومكان. 

وبالمناسبة، فنحن لا نجد ذكرًا محددًا للزمان أو المكان هنا - أي في هذه القصة -ولكننا نفهم من السياق، أن المكان هو أرض مصر، أو قصر الفرعون الذي يحكم مصر.

وما حول هذا القصر الذي يمتد إلى البحر وإلى النهر «اليم». أما الزمان فهو يفهم أيضًا من خلال زمن موسى، أو زمن الفرعون الذي كان يكفل موسى وهو طفل وصبي. 

بيد أن شخصية موسى بعد بداية القصة التي تشير إلى فرعون وطغيانه تعيش معنا في الآيات الكريمة منذ مولده ﴿وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَرۡضِعِيهِۖ فَإِذَا خِفۡتِ عَلَيۡهِ فَأَلۡقِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحزَنِى إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلمُرسَلِينَ﴾(القصص: 7).

وكما نرى فهناك تعقيد للأحداث الخاصة بموسى منذ مولده، أشارت إليه الآية الكريمة من قبل في وصف فرعون: ﴿وَجَعَلَ أَهلَهَا شِيَعا يَستَضعِفُ طَآئِفَةٗ مِّنهُم يُذَبِّحُ أَبنَآءَهُم وَيَستَحيِۦ نِسَآءَهُم﴾(القصص: 4) وموسى مع أهله، كان من المستضعفين المطلوبين للذبح من قبل فرعون الذي ﴿إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلمُفسِدِينَ﴾, وهنا يتنزل الوحي على قلب الأم التي تشعر بالهلع ليطمئنها، ويلقي في روعها بالاطمئنان، مع أن الأم - أي أم - لا تستطيع أن تصبر على فراق رضيعها، ولو كانت من الحيوان أو الطير.. ويأمرها الوحي أن تلقيه في اليم، أي ماء النهر، إذا شعرت بالخطر.. والوحي هنا ليس وحي الرسالات السماوية، ولكنه الإلهام الذي يهدي إلى فعل لاصواب، ثم تكون المفارقة أن يلتقطه آل فرعون ﴿لِيَكُونَ لَهُم عَدُوا وَحَزَنًاۗ﴾(القصص: ۸) بعد تربيته وتنشئته، حيث قالت امرأة فرعون بعد أن أحست بضعفه وامتلأت عاطفة نحوه ﴿لَا تَقتلُوهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَو نَتَّخِذَهُۥ وَلَدا﴾ (القصص: 9) (۲).

وتتوالى المشاهد القصصية في السورة لتكشف لنا نمو شخصية موسى في قصر فرعون، وبرعاية امرأته في الإرضاع والنشأة، والحكمة والعلم، وصدامه العنيف بسبب الرجلين اللذين يقتتلان فتظهر شخصيته المندفعة لقتل أحدهما. وهو ليس من شيعته ويستغفر ربه ويتوب، ثم يتكرر الصدام العنيف في مشهد مماثل، ولكنه يتراجع هذه المرة، ويأتي رجل من أقصى المدينة ليبلغه بالمؤامرة ضده لقتله، فيخرج من المدينة خائفًا يترقب، ويصل إلى ماء مدين وتكون قصته مع ابنتي شعيب حيث يسقي لهما، في مروءة تدل على شخصيته الخيرة ويتزوج واحدة منهما، نظير عمله عند أبيهما سنوات ثمانيًا أو عشرًا، وبعدها يأتيه الوحي عند الطور حيث يناديه الوحي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة وتحدث معجزة العصا، ومعجزة اليد التي تخرج بيضاء من جيبه، ويأتيه الأمر بالذهاب إلى فرعون وملائه مدعومًا بهاتين المعجزتين.

وهنا يظهر جانب آخر من موسى وهو جانب الخوف الخوف من الانتقام منه بسبب في المصريين، وهو شاب، والعي لأنه لا يستطيع الإفصاح والبيان أمام الفرعون، ويطلب أن يكون أخوه هارون معه. 

ومع فرعون وقومه، يقابل موسى وهارون بالصد والرفض: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِ‍َٔايَٰتِنَا بَيِّنَٰتٖ قَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّا سِحر مُّفترى وَمَا سَمِعنَا بِهَٰذَا فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ , وَقَالَ مُوسَىٰ رَبِّيٓ أَعلَمُ بِمَن جَآءَ بِٱلهُدَىٰ مِن عِندِهِۦ وَمَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّار إِنَّهُۥ لَا يُفلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾(القصص:37-36).

وهنا تظهر ملامح شخصية فرعون المستكبرة المتغطرسة المستعبدة لشعبه وأعوانه لا يقلون عنه سوءًا وغباء، وتكون العاقبة ﴿فَأَخَذنَٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذنَٰهُم فِي ٱليَم فَٱنظُرۡ كَيفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ , وَجَعَلنَٰهُم أَئِمَّة يَدعُونَ إِلَى ٱلنَّار وَيَومَ ٱلقِيَٰمَةِ لَا يُنصَرُونَ , وَأَتبَعنَٰهُم فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنيَا لَعنَة وَيَومَ ٱلقِيَٰمَةِ هُم مِّنَ ٱلمَقبُوحِينَ﴾(القصص: 40ــــــــ42).

بيد أن المواضع الأخرى من قصة موسى عليه السلام . تأخذ تفصيلًا أكثر في سور أخرى، فقصته مع سحرة فرعون مثلًا، تمتد على مساحة آيات عديدة في سورة طه، حتى تراهم في النهاية يؤمنون برب هارون وموسى ولا يخشون تهديد فرعون لهم بتقطيع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وتصليبهم في جذوع النخل ﴿قَالُواْ لَن نُّؤثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلبَيِّنَٰتِ وَٱلَّذِي فَطَرَنَا فَٱقضِ مَآ أَنتَ قَاض إِنَّمَا تَقضِي هَٰذِهِ ٱلحَيَوٰةَ ٱلدُّنيَآ , إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغفِرَ لَنَا خَطَٰيَٰنَا وَمَآ أَكرَهتَنَا عَلَيهِ مِنَ ٱلسِّحر وَٱللَّهُ خَير وَأَبقَىٰٓ , إِنَّهُۥ مَن يَأتِ رَبَّهُۥ مُجرِما فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحيَىٰ﴾(طه: 72-74).

وفي السورة نفسها، نرى تفصيلًا أوسع القصة السامري، مع هارون وقوم موسى حين ذهب موسى إلى ربه ليناجيه فأخرج لهم السامري عجلًا جسدًا له خوار، وعدوه إلها مع أنه لا يملك لهم ضرًا ولا نفعًا، مما أغضب موسى حين رجع إلى قومه، فأحرق العجل، وقال للسامري: اذهب ولا تجعل أحدًا يقربك ولا ﴿لَا مِسَاس﴾(طه: ۹۷) فعاش وحيدًا طريدًا، حتى يأتي أجله ويحاسب على فعلته التي ناقضت الإيمان والتوحيد.

وفي سورة الشعراء، نتعرف خروج موسى وقومه من مصر، ومعجزة شق البحر بعصاه ونجاته مع أنصاره، وغرق فرعون ومن معه ليكون ذلك آية للناس أجمعين، وهو التعقيب الذي يختتم به القصص القرآني عادة، حيث يقدم للناس العظة والعبرة والنتيجة والمراد من القصة

واحه الشعر

شعر د. عبد الرحمن العشماوي

افتح نوافذها

افتح نوافذها فالأرض تحترق

قصيدة من قيود الوهم تنعتق

افتح نوافذها إن الدخان علا

في الأفق، والهمة القعساء تختنق

افتح نوافذها عصماء مفعمة

بغيرة الحر، يسري لحنها العبق

في عصرك انكشفت للناس أقنعة

فأفزعتهم وجوه القوم والحدق

أخا القوافي التي فاضت بحرقتها

دعها بإحساسك الفياض تصطفق

خذها إلى مصدر النور الذي غفلت

عنه القلوب، ولم تستوحه الفرق

أما ترى أمة الإسلام، أوقفها

مبهورة في دروب العصر مفترق

سارت يمينا بلا وعي وسار بها

نحو اليسار ضياع العقل والنزق

خمسون عامًا، تبدت كل خافية

وما يزال عليها الوهم ينطبق

محجة النور فيها وهي تائهة

إلى بوارق أهل الوهم تستبق

عجبت منها، حسام المجد في يدها

ولم تزل لحسام الذل تمتشق

كأنها أوكلت بالذل تحفظه

عليه أجفانها تغفو وتنغلق

للحرب في أرضها نار مؤججة

تشوي الوجوه بها، والأمن يحترق

نوح الثكالى وشكوى كل أرملة

تئن والصخرة الصماء تنفلق

وأمتي «كالدبا» أسرابه كثرت

ولا يبالي متى يفنى وينسحق

أخا القوافي، أدر للشعر دائرة

أخرى، فقد يرعوي بالشعر من فسقوا

وقد ينبه بيت بعض من رحلوا

خلف الخضوع وفي ميدانه انطلقوا

الأمر أوضح من شمس النهار ضحى

لكن قومك في أوهامهم غرقوا

فضاؤهم بغبار الفن مزدحم

فن تعوذ منه الدين والخلق

أما فضاءات أعداء الهدى فلها

أقمارها نشرت للسمع تسترق

فاستنفر الأمة الغراء، إن لها

دربًا فسيحًا به تستأنس الطرق

نعم تعبت تناديها وتوقظها

وسمعها من ضجيج العصر منغلق

زدها - بربك - صوتًا صادقًا فلكم

تهز من غفلوا أصوات من صدقوا

ما زال في عقلها من نور حكمته

ما لن يضيق به في وجهها الأفق

يا أمتي، راحة الدنيا بأكملها

في راحتيك، فماذا الهم والقلق؟!

الأرض عطشى إلى ما تؤمنين به

منذ استبد بها الإعياء والأرق

هيا ارفعي رأسك المحبوب واثقة

فعندك المشرق الوضاء والألق

بريق عصرك أضواء مضللة

لو أطفئت لَبَدَا مِنْ خَلْفَها النَّفَقُ

لن تكسبي ود أعداء الهدى أبدًا

فودهم ما له أصل ولا نسق

يا أمتي أنت في عصر السباق فلا

يكن مقامك في أعقاب من أبقوا

من لم يصوب إلى الآفاق ناظره

فلن يلوح له نور ولا فلق.

المراجع:

  1. راجع القصة في سورة «طه» الآيات: 83-98

  2. انظر القصة في سورة «الشعراء» الآيات: 52-68

 

الرابط المختصر :