العنوان الإسراء والمعراج: حقيقته وأثره (الجزء الثاني)
الكاتب محمد سلام مدكور
تاريخ النشر الثلاثاء 18-يوليو-1978
مشاهدات 74
نشر في العدد 404
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 18-يوليو-1978
عرضنا في العدد السابق ما قاله الأستاذ محمد سلام مدكور في محاضرته التي ألقاها في مسرح جمعية الإصلاح الاجتماعي يوم الأربعاء الموافق ٥- ۷- ۷۸م، وكان الجزء الأول الذي عرضناه يتكلم فيه المحاضر عن رحلة الإسراء ورحلة المعراج تاريخيًا، والظروف التي أحاطت بهاتين الرحلتين، وكيف كان طبيعتهما وإليكم اليوم الجزء الثاني من المحاضرة، وفيه يعرض المحاضر مسألة الإسراء والمعراج أكان بالروح أم بالجسد، ويعرض فيه أيضًا المشاهد التي رأها الرسول صلى الله عليه وسلم في رحلته ويتكلم فيه أيضًا عن كيفية فرض الصلاة.
إنه مما ينبغي أن يلاحظ أن الناس اهتموا بحادث الإسراء ووجهوا إلى الرسول الأسئلة حوله لأنه أمر مادي ملموس يستطيعون التعرف على مدى صدقه، فإن عجز عن الإجابة بطلت الدعوى من أساسها، وما دام قد تبين لهم صدقه فيما يعرفونه كان ذلك قرينة على صدقه في كل ما قال.
وقد اختلف المفسرون في كيفية الإسراء والمعراج فهناك من قال: أنهما كانتا بالروح فقط ولم يفارق شخص الرسول- صلى الله عليه وسلم- مضجعه، وأنها كانت رؤية رأى فيها الحقائق ورؤيا الأنبياء حق. وذهب إلى هذه السيدة عائشة ومعاوية، والقائلون بذلك يحتجون بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ (الإسراء: 60)- فسماها القرآن رؤيا ويرد على هذا بأن الله تعالى قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِه﴾ (الإسراء: 1) ولا يقال في النوم أسرى، كما أنه قد يقال لرؤية العين رؤيا، كما أن الأخبار الثابتة فيها دلالة واضحة على أن الإسراء كان بالبدن، وإذا ورد الخبر بشيء هو مجوز في العقل في قدرة الله فلا طريق إلى إنكاره، وبالنسبة لما روته عائشة فإنها كانت صغيرة وقتها لم تشاهد، كما أنها لم تحدث عن النبي، وأما معاوية فكان لم يدخل في الإسلام في ذلك الوقت، ولم يحدث بهذا عن النبي صلى الله عليه وسلم
وقال آخرون إن الإسراء كان بالجسد يقظة إلى المسجد الأقصى أما المعراج فقد كان بالروح فقط.
واحتجوا بقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ (الإسراء: 1) فقد جعل النص المسجد الأقصى غاية الإسراء وقالوا: لو كان الإسراء بجسد. أبعد من ذلك لكان ذكره أبلغ في إعزاز الرسول.
وذهب عامة الفقهاء والعلماء من السلف إلى أن الإسراء والمعراج كانا بالجسد والروح وفي اليقظة، وليس في هذا استحالة على الله تعالى، ولا نعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند الاستحالة. ولو كان ذلك في المنام لقال. أسري بروح عبده، وليس بعبده، إذ العبد روح وجسد، كما أن الله تعالى صدر الكلام بقوله: سبحان ليشعر بأن من فعل هذا يستحق التنزيه والتعظيم لبالغ قدرته. كما أن الإسراء لــم يكن بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يكون موضع تعجب، وحتى يقاس بالمقاييس البشرية وإنما هو بفعل الله الذي لا يعجزه شيء ولا تخضع أفعاله لإدراك العقل أو مقاييس البشر، وفضلًا عن ذلك فقد وردت أحاديث كثيرة من عدة طرق تفيد ذلك ويؤيد بعضها بعضًا على أن موقف قريش وتجبها، وتعجب أم هانئ وخشيتها على الرسول- صلى الله عليه وسلم من أن تسخر به قريش حين قص عليها ما وقع له لا يتفق مع القول بأن ذلك كان مجرد رؤيا، أو أنه كان بالروح في اليقظة، إذ قد يرى الفرد في منامه، أو يتخيل في يقظته أن روحه سبحت ويتخيل أشياء عديدة خارقة وفوق ما يتصوره العقل وإذا ما قصه على الناس لا يأخذهم أي عجب لأنه يحدث لكل منهم مثله، ثم ما معنى قوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾ (النجم: 17) والبصر لا يزيغ ويطغى إلا في الجسم وإذا كان من المسلم أن الصلاة فرضت في هذه الرحلة، فكيف يستسيغ العقل أنها كانت نتيجة رؤيا أو خيال ولم لم يوح إليه بها كسائر التكاليف والعبادات وهل يتصور أن يكون به تشريع الصلاة التي هي عماد الدين وأساس العبادة والتي عنى القرآن بها عناية لم نتبينها في تكليف آخر وبينتها السنة أكمل بيان، ويتكرر فعلها خمس مرات في اليوم والليلة ويجتمع لها الناس ويصطفون في صفوف منتظمة تحت قيادة واحد منهم هل يتصور أن يكون طريق التكليف بها مجرد رؤية أو خيال؟
وإذا كان هذا من الأمور السماعية التي لا مجال للعقل في الحكم عليها نتيجة الإيمان الكامل بالله والتصديق برسالة محمد صلوات الله وسلامه عليه، والمعجزات والخوارق كثيرة متباينة، وكلها فوق إدراك العقل وتصوره، ولا تخضع للنواميس الطبيعية، وقد حدثنا عنها القرآن كما حدثتنا الكتب السماوية السابقة عن بعضها، فلم يريد بعض الناس إخضاع هذه المعجزة لحكم العقل.
وهل كانت عصا موسى التي شق بها البحر، والتي انقلبت ثعبانًا يجري أمام السحرة كما يقول الله سبحانه: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَٰا مُوسَى قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَىٰ فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ﴾(طه: 17-20) وقوله جل شأنه: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ (الشعراء: 63) هل كان ذلك حلمًا وخيالًا، وهل هذا يدركه العقل؟ وهل حاول أحد من المؤمنين أن يخضع خلق آدم وحواء إلى إدراك العقل ولنظام التطور..
ألم يكن من قدرة الله سبحانه أن خلق آدم من طين كما قال تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ﴾ (ص: 71)، وهل خلق الأم الأولى للبشر من أحد أضلاع آدم دون أن تمر بمراحل التطور كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ، واحِدَةٍ، وخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ (النساء: 1).. وكما دلت عليه السنة ألم يكن ذلك عجيبًا ومخالفًا لناموس التطور.
وهل تسخير الريح لسليمان يستخدمها في غدوه كما ورد في قوله تعالى ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ۖ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ۖ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ (سبأ: 12) مما يخضع لإدراك العقل؟
وهل قصة بلقيس وقد طلب نبي الله سليمان عرشها فنقل إليه من اليمن إلى الشام قبل أن يرتد إليه طرفه كما يحدثنا القرآن على لسان سليمان قال ﴿ قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ ﴾ (النمل: 38-39) هل هذه مما تخضع لمنطق العقل؟
وهل إلقاء إبراهيم في النار التي كانت بردًا وسلامًا عليه مما يصوره الله سبحانه في قصة تحطيم إبراهيم للتماثيل التي كان يعبدها قومه فغضبوا منه. قال تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ (الأنبياء: 68- 69) هل هذا مما يخضع لمنطق العقل ويتفق مع السنة الكونية؟ وهل جمعه الطير وذبحها وتقطيعها وتفريقها على رؤوس الجبال ثم دعوتها واستجابتها له بإذن الله فيما يحكيه لنا القرآن ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ (البقرة: 260) فهل هذا مما يخضع لمنطق العقل، ويتفق مع طبيعة الأشياء؟
وهل خلق عيسى بن مريم من غير أب ومن غير خضوع لسنن الكون وأطواره كما يصوره قول الله سبحانه ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ۖ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا ۚ﴾ (مريم: 16: 21) وسواء أكان حمله ووضعه في ساعة واحدة كما يقول بعض المفسرين أو في مدة الحمل الطبيعي أو دونه بقليل فهو في مجموعه شيء لا يخضع لنظام الأجنة ولا للسنن الكونية. كما أن تكلمه وهو في المهد صبيًا عندما سألها قومها وهي تحمله رضيعًا فأشارت إليه فقالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيًا قال ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ (مريم: 30-31).. وهل قصة المائدة التي نزلت على عيسى بناء على طلب الحواريين وهي التي يشير إليها قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ ۖ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ قَالُوا نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (المائدة: 112-113)
﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ ۖ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ﴾ (المائدة: 114-115) فهل هذا مما يخضع لمنطق العقل؟
إلى غير ذلك من المعجزات الكثيرة التي حدثنا عنها القرآن.
وما دام العقل يتقبل الخوارق والمعجزات نتيجة الإيمان والتصديق فإنه يقر بوجودها وإمكانها لأنها من فعل الله سبحانه وأفعال الله لا تقاس بمقاييس البشر.. ولا تخضع لتصور العقل وإدراكه.
فلتكن معجزة الإسراء والمعراج أحد هذه المعجزات العديدة التي تدل على قدرة الله وعظمته، أو ليس الله بقادر على أن يحيي الموتى، وقادر على أن يبعث من في القبور وأنه على كل شيء قدير، وقدرته فوق الشك.
وإذا كان بعض الفلاسفة ينكرون المعراج، ويقولون إن الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحد الذي يجعله يصل من مكة إلى بيت المقدس ومنه إلى السماوات العلى في جزء من الليل أمر غير معقول بل محال، فإننا نستطيع أن نرد عليهم بأن قدرة العلم الحديث مكنت الإنسان من اختراق الفضاء والصعود إلى القمر، وها هم العلماء يستعدون للصعود إلى غيره من الكواكب مخترقين الفضاء، أفتعجز قدرة الله مالك الملك الذي علم الإنسان ما لم يعلم أن ينسب إليه فعل ذلك؟
حضرات السادة: إذا استبعد العقل ومنعت العادة أن يقطع الإنسان مثل هذه المسافة في هذه الفترة وأن يخترق هذه الحجب وذلك الفضاء فإننا ننبه أن ذلك يقال لو كان من فعل البشر. لكن الإسراء والمعراج لم يكن بفعل الرسول محمد صلوات الله عليه ولا بإرادته وإنما كما يفيد النص القرآني كان بمقدرة الله وفعله هو سبحانه.
وإذا كان العلم مكن الإنسان من اختراق الفضاء بواسطة الآلة التي صنعها فإن محمدًا صلوات الله وسلامه عليه طوى الأرض واخترق الفضاء بواسطة ما أعده الله له وهو دون شك فوق ما أعده البشر هذا والأصح عن الرسول صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ما من نبي من الأنبياء إلا أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحى الله لي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة، وما من شك في أن معجزة الإسلام الكبرى هي القرآن نور الله في أفق الدنيا حتى تزول، ومعنى الخلود في دولة الأرض إلى أن تزول والله قادر على أن يخلق لمن يشاء من عباده علمًا ضروريًا بكلامه من غير توسط حرف وصوت ودلالة، ولا يمثلن إخضاع شيء مما يتصل بالله جل جلاله لسلطان العقل ومعجزة القرآن أبلغ المعجزات وأضخمها فهو معجزة في ألفاظه وأسلوبه وفي بيانه ونظمه مع أنه لم يخرج عن سنن كلام العرب ألفاظًاً وحروفًا وتركيبًا وأسلوبًا، لكنه في اتساق حروفه وطلات عبارته وحلاوة أسلوبه وجرس آياته فسيح وحده وقد تحدى به الرسول فصحاء العرب وطال زمن التحدي، فعجزوا عن أن يأتوا بسورة من مثله مع وجود المقتضى لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سفه أحلامهم وأبطل معتقداتهم والقرآن نزل بلغتهم وهذه المعجزة الكبرى بحق لأنها معجزة حية ملموسة ففيه نبأ كل شيء، ونظام حاكم لكل عصر به نحيا وعليه نموت، فليس شيء من المعجزات على الله بعزيز.
وإن كان من كيفية الإسراء والمعراج فقد رجع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكة مشمولًا بالعناية متشحًا بالكمال، وازداد حماسه لدعوته وفؤاده من أجلها، لما رأى ولما سمع من آيات ربه الكبرى. وقد حوت هذه المرحلة على بعض الجوانب العملية الهامة، فقد حوت غير فريضة الصلاة على كثير من العظات العملية فقد رأى أقوامًا يزرعون في يوم ويحصدون في يوم، وكلما حصدوا رجع الزرع كما كان، فقال لجبريل من هؤلاء؟ فقال: هم المجاهدون في سبيل الله تضاعف لهم الحسنات بسبعمائة ضعف، وفي هذا من الحث على الجهاد ما فيه وإبراز محاسنه ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (البقرة:251)
كما رأى الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة ترضخ رؤوسهم بالأحجار- أي تكسر وتهشم، كلما رضخت عادت كما كانت، فعلم عاقبة التثاقل عنها، وعلم أمته أنها أول أركان الإسلام، وأمرهم بالحفاظ عليها.
كما رأى قومًا على أقبالهم رقاع وعلى أدبارهم رقاع يسرحون كما تسرح الإبل والغنم فسأل جبريل عنهم.
فقال: هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم، فعلم أهمية صدقة المال.
ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم ينضج في قدرهم ولحم آخر خبيث نيء فجعلوا يأكلون من النيء الخبيث، ويدعون النضيج الطيب، فسأل جبريل عنهم فقال: هذا الرجل من أمتك تكون عنده المرأة الحلال الطيبة فيأتي امرأة خبيثة فيبيت عندها حتى يصبح، والمرأة تقوم من عند زوجها حلالًا طيبًا فتأتي رجلًا خبيثًا فتبيت معه حتى تصبح. فعلم الرسول صلى الله عليه وسلم بشاعة الزنا وسوء عاقبته ثم أتى على خشبة على الطريق لا يمر بها ثوب إلا مزقته ولا شيء إلا خرقته، فقال: ما هذا يا جبريل؟
فقال: مثل أقوام من أمتك يتعدون على الطريق فيقطعونه. فعلم أن للطريق حرمة، وأن له آدابًا يجب أن تراعى حتى لا يتأذى الناس مــن اختراقه والسير فيه.
ثم مر على قوم لهم بطون ضخمة يلقمون الحجارة، كلما نهض أحدهم من مكانه خر، فسأل جبريل عنهم، فقال: هم آكلو الربا الذين يأكلون أموال الناس بالباطل ويستغلون نكبات الناس وحاجاتهم، فعلم أن له مغبة وأثرًا سيئًا في المجتمـع ومناقضته لخلق التعاون وحسن التعامل.
ثم مر بقوم شفاههم كشفافية الدبل يلتقمون بين أفواههم الحجارة فتخرج من أدبارهم فسأل عنهم، فقال له جبريل: هؤلاء أكلة أموال اليتامى ظلمًا والذين يغتالون حق الضعيف، فعلم سوء هذا الفعل وسوء نتائجه ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد، كما قرضت عادت كما كانت عنهم فقال جبريل: هم الخطباء الذين يقولون ما لا يفعلون، أي يعظون الناس وهم أحق بأن يوعظوا وهكذا فقد رأى صلوات الله وسلامه عليه صورًا كثيرة، منها تبين نواحي الخير وما يترتب عليه من جزاء ونعيم، ومنها تبين نواحي الشر، وما يترتب عليه من عقاب وسوء مصير، فكانت بمثابة دروس عملية يأخذ منها الرسول صلى الله عليه وسلم الإرشادات والنذر، فيبشر بها الصالحين أعمالًا وينذر بها العصاة الكابرين.
حضرات السادة:
بعد أن تبينا أن معجزة الإسراء لا- تبعد عن غيرها من الخوارق- والمعجزات من ناحية تصور العقل، وبينا الجوانب العملية في هذه الرحلة، وعلى رأسها الصلوات المكتوبة، ينبغي أن نشير إلى أن مدينة القدس ارتبط بها المسلمون، فقد كانت قبلتهم في البداية، وتطلع أمير المؤمنين عمر إليها ففتحها المسلمون في عهده- بقيادة عمرو بن العاص وكانت تحت سلطان الروم، ثم دخلها عمر بنفسه وعاهد أهلها ووعدهم- استجابة لرغبتهم- ألا يسكنها أحد معهم من اليهود وأمر ببناء مسجد فوق الصخرة بجوار كنيسة القيامة وبقيت القدس بآثارها المقدسة في أيدى المسلمين حتى كانت فجيعة المسلمين بنكبة العدو "الإسرائيلي" على مدينة القدس وما فيها من مقدسات، والمسجد الأقصى أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، وصدق الله العظيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11)- فلو كانت أعمالنا مظهر صدق لأقوالنا لما وصل بنا الحال إلى ما نحن عليه من تفكك وبعد عن الجادة والطريق السوي.
وأود أن تستيقظ ضمائرنا.
ونستمسك بديننا وننتصر له أولًا في أنفسنا وفي معاملاتنا وفي قوانينا.
وأن نفهم روح الإسلام وأنه دين ودولة وأنه بين الدين والدولة في الإسلام تلازم. وأن الدين لم يكن عبادة بعيدة عن الحياة، وإنما العبادة فيه تصقل الفرد والمجتمع لتكوين دولة مثالية.
يكون فيها المؤمن لأخيه المؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وأن تعني الجماعة فيه والأفراد بالمخبر قبل المظهر فالعمل عبادة والإخلاص في العمل عبادة فليست الروحانية- التي دعا إليها الإسلام هي التجرد عن طلب الدنيا، وإنما هي الانطلاق من أسر الشهوات، بدليل دعوة الشارع للعمل على الرضا بما قسم الله، وكل عامل محاسب على عمله، أتقنه أم أهمله؟ أحسن فيه أم ضيعه؟
فليقدر كل عامل أيًا كان شأنه، وأيًا كان مجال عملـه مسئوليته أمام الله، ويجب أن يعمل عملًا نافعًا لمجتمعه، يرفع من شأنه بين المجتمعات الأخرى، فقد كان المجتمع الإسلامي قديمًا يعني بعمله في الدنيا كل العناية، ويعمل كل فرد فيه في مجال اختصاصه بكل قوة وإخلاص، وبذلك كان أفضل مجتمع وأرقاه، وكانت له الصدارة.
شيء واحد أيها السادة هو الذي يحقق لنا هذه الغاية أن نفهم ديننا حق الفهم وأن تطبق أحكامه في كل أمر.
وأن يكون أسلوبنا في الهداية والإرشاد لينا سمحًا حتى لا ينفر منه أحد أو تأخذه العزة بالإثم، فإذا فهم المسلمون حقيقة أحكام الدين، وقام العلماء والحكام بواجبهم في البيان والتطبيق. واجتمعت كلمة المسلمين ولا شك أنها ستجتمع ما دامت القلوب عامرة بالإيمان. فإننا بعون الله لمنتصرون. وإني أذكر أني اطلعت على كلمة مترجمة عن أحد زعماء اليهود يقول فيها: إننا آمنون على المدى القريب من أن ينتصر العرب علينا، ولكن الذي نخشاه هو المدى البعيد وذلك أننا استطعنا بالفكرة الدينية أن نحتفظ بشخصيتنا وأن ننجح في تكوين دولتنا، وللعرب دين كديننا يدعو إلى الوحدة وإلى القوة، والذي نخشاه أن تقوم دعوة إسلامية يجتمعون حولها، وهذا هو الخطر الأكبر علينا ولذلك فواجب كل يهودي في العالم أن يرصد كل حركة إسلامية، وعلينا معشر اليهود أن نجهض كل حركة قبل أن تولد.
أسأل الله أن يكون لهذا الكلام وأمثاله مما يقال في هذه المناسبات الدينية أثر في نفوسنا. وأن يعمل كل فرد منا على تقويم نفسه أولًا عقائديًا وسلوكيًا وأن يحاول بالحسنى توجيه الغير، والله الموفق والهادي إلى سبيل الرشاد، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وأشكركم على حسن الاستماع، وأشكر لإدارة الجمعية أن هيأت لي هذا اللقاء والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كلمة.
الأعمال العظيمة توقظ في الشعوب الإرادة وتشجعها على مواجهة الحياة في رجولة وجلد وصبر.