العنوان محنة الطفولة في مصر
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر الثلاثاء 09-مارس-1993
مشاهدات 83
نشر في العدد 1041
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 09-مارس-1993
في مصر يوجد ما يقرب من عشرين مليون طفل من بين (58) مليون نسمة هم عدد السكان في مصر. ومن الطبيعي أن تلقي الضائقة الاقتصادية التي تعيشها البلاد بظلالها على هؤلاء الأطفال بما جعلها تساهم في صنع العديد من المحن التي يعانون منها.
فقد
ألقت هذه الأزمة بعدة ملايين من هؤلاء الأطفال إلى سوق العمالة وحرمتهم من التعليم
وكذلك من التنعم بطفولتهم البريئة، وبالطبع فإن ذلك يحدث بتشجيع من الوالدين أو
بالضغط من قبلهم. وتلك صارت ظاهرة حتى إن أعداد المشتغلين من هؤلاء الأطفال الأقل
من 12 سنة حسب آخر التقديرات حوالي مليون ونصف المليون طفل. هكذا يؤكد
الدكتور علاء مصطفى أنور الأستاذ بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية
ويشير إلى أن معظم الأطفال يعملون في القطاع غير الرسمي وهو ذلك القطاع الذي يشمل
مجموعة الأنشطة التي لا يتم تسجيلها بصورة محددة. وتندرج الورش الصناعية الصغيرة
في هذا القطاع حيث يعمل الأطفال في ظروف صعبة مفتقدين الرعاية والرقابة الكافية
والتفتيش الدقيق سواء على المستوى الصحي أو على مستوى الأمن الصناعي، علاوة على أن
الأطفال يزاولون أعمالًا يحظر القانون عملهم فيها سواء لصغر سنهم أو لخطورة هذه
الأعمال عليهم.
قانون العمل
يحظر
قانون العمل رقم 137 لسنة 1981 حظرًا باتًا تشغيل أو تدريب الصبية
قبل بلوغهم اثنتي عشرة سنة كاملة (المادة 144)، كما صدر القرار الوزاري رقم
12 لسنة 1983 بتحديد بعض الأعمال التي لا يجوز تشغيل الأحداث فيها
نهائيًا والتي قد تؤثر على صحة الحدث أو أخلاقه إذا قلت سنه عن 15 سنة مثل:
العمل أمام الأفران بالمخابز أو معامل تكرير البترول وفي معامل الأسمنت ومحلات
التبريد. كما صدر القرار الوزاري رقم 13 لسنة 1983 في شأن تحديد
الأعمال والصناعات التي لا يجوز تشغيل الأحداث فيها إذا قلت أعمارهم عن 17
سنة مثل: العمل تحت سطح الأرض من المناجم والمحاجر أو الأفران المعدة لصهر المواد
المعدنية، والدهان بمادة الدوكو أو إدارة ومراقبة الماكينات، وتصليح أو تنظيف
الماكينات المحركة أثناء إدارتها، والعمل في المدابغ.
ومع
وجود هذه القوانين الجيدة إلا أن تطبيقها يكاد يكون منعدمًا، بل إن الكثيرين لا
يعرفون عنها شيئًا وإذا عرفوا فلا يهتمون، فعجلة البحث عن لقمة العيش الطاحنة تدفع
هؤلاء الأطفال دفعًا للعمل في أي مكان. فلا تكاد ورشة للدوكو أو فرن للخبز أو ورشة
سمكرة أو حتى مقلب زبالة يخلو من طفل أو أكثر يعملون، هذا على الرغم من تطور خطط
الإنتاج في مصر نتيجة للتطور التكنولوجي.
بيئة العمل
ويسلط
الدكتور علاء الضوء على بيئة العمل نفسها موضحًا أن المأساة ليست في تشغيل هؤلاء
الأطفال قبل السن القانوني فقط، ولكنها تتعدى إلى محيط العمل نفسه وبيئته وما
يلاقيه الأطفال فيها من أخطار تزيد من محنتهم. فالإضاءة في هذه الأماكن صناعية
بالفلورسنت واللمبات مما يؤثر بالضرر على عيون الأطفال خاصة أن معظمهم يعمل إحدى
عشرة ساعة في اليوم من الثامنة صباحًا حتى السابعة مساءً. والنظافة داخل الورش
مفتقدة حيث قد تتناثر على أرضية الورش مخلفات كالزجاج والحديد الخردة التي قد تدمي
أقدام الأطفال، ويفتقد 38% من الأطفال العاملين وجود مياه في الورش التي
يعملون بها، كما يفتقد 50% منهم دورات المياه، خاصة أن 52.5% من
الأطفال يعملون داخل الورش و47.5% يعملون أحيانًا داخلها وأحيانًا خارجها.
هذا إضافة إلى ما يعانيه هؤلاء الأطفال في هذه الورش من الروائح الكريهة والنفاذة
والضوضاء نتيجة صخب الآلات مما قد يؤثر على حاسة السمع عندهم.
كما
أن 91.3% من الأطفال لا يستخدمون أي ملابس خاصة أو أدوات واقية، وتفتقد بعض
أجهزة الأمان مثل طفايات الحريق بالنسبة لـ 40% منهم، وتفتقد أدوات الإسعاف
بالنسبة لـ 50% من الأطفال. يؤكد د. علاء أن هذه النسب والإحصائيات هي نتاج
أبحاث ميدانية علمية قام وغيره من الزملاء بإجرائها وقدمت في مؤتمرات علمية. ويقول
إن احتمال تعرض الأطفال العاملين للأمراض والإصابة بسبب العمل وارد، وأكثرهم إصابة
هم العاملون في المخابز (100%) ثم العاملون في ورش الزجاج (حوالي 69%).
وإذا أصيب الطفل أثناء العمل فقد يسعفه صاحب العمل بالمستشفى أو داخل الورشة (43%
من الحالات)، ولكن بعض أصحاب العمل لا يقومون بذلك بالنسبة لـ (21% من
الحالات). فمن يحاسبه؟ بل ربما يكون الذي يحدث له الإصابة هو صاحب العمل نفسه،
فهناك يتعرض بعض الأطفال للقسوة من ضرب وغيره مما يدفعهم إلى ترك العمل، وهذا واضح
في 25% من الأطفال الذين تركوا العمل.
محنة التفكك الأسري
أما
الأستاذ الدكتور يسري عبدالمحسن أستاذ الطب النفسي فيؤكد أن استعمال الطفل
واستغلاله من الظواهر التي تدل على المستوى المتدني لأي مجتمع من الناحية النفسية
والاجتماعية، وهناك علامات كثيرة لإساءة معاملة الطفل بالضرب أو تشغيله وتسخيره في
أعمال لا تليق به ولا تتناسب مع عمره أو قدراته الفعلية أو البدنية فيشعر معها
بالظلم والغبن وتسبب حقده على المجتمع وتولد بداخله روح الشر والانتقام من
الآخرين.
ومما
يزيد من محنة الطفل تفكك الأسرة وغياب الترابط بين النسيج الاجتماعي الذي يعيش
بداخله وإحساس الطفل بأنه في حالة من الضياع والتوهان وسط عواصف من الرضى والكثير
من المتناقضات التي يحتار فيها ولا يجد من يحدد له الطريق الصحيح مما يؤدي في
النهاية إلى انحرافه.
وفي
إحصائية لوزارة العدل قدمها المستشار الدكتور عادل قورة تبين أن عدد القضايا
المرفوعة من النساء اللاتي يطالبن بحبس الزوج، فقط لامتناعه عن دفع النفقة، بلغت 83,269
قضية، فما بالنا ببقية القضايا الأخرى، وهذا يبين نوعًا من التفكك الأسري الذي
يصنع جانبًا كبيرًا من محنة الأطفال.
وتطرح
الدكتورة هدى عبدالحميد أستاذة وخبيرة الطفولة نوعًا آخر من الطفولة المحرومة من
الرعاية الأسرية وخاصة أولئك الذين حالت ظروفهم دون التمتع برعاية الأمومة كما في
حالة إصابة الأم بمرض عقلي أو صدري أو بالجذام أو في حالة سجن الأم أو وفاتها مع
عدم بديل لها وكذلك الأطفال اللقطاء. وإن كان لهؤلاء مراكز تقوم على رعايتهم فهناك
مثلًا 25 مركزًا في جميع المحافظات استقبل حتى عام 1988 فقط 562
طفلًا لقيطًا، ومع ذلك فإنهم يعيشون في نوع من الحرمان والألم.
التسرب من التعليم
وتشير
إلى محنة أخرى وهي أن ما يزيد على 20% من الأطفال في سن الإلزام في حاجة
إلى إنشاء مزيد من المدارس لتلقي التعليم الأساسي، ومع أن السياسات التعليمية
المتعاقبة قد هدفت إلى استيعاب كل الأطفال في مرحلة التعليم الأساسي فإن المعدلات
المرتفعة لنمو السكان أدت إلى عدم تحقيق هذا الهدف. وتضيف أن هناك تسربًا دراسيًا
من التعليم الأساسي وصلت نسبته عام 1985- حسب إحصائية للمجلس القومي
للتعليم- إلى 3.5% وهي مرتفعة عند البنات أكثر من البنين، والسبب هو انخفاض
مستوى الأسرة التعليمي والرغبة في العمل لمساعدة الأسرة.
وإذا
كانت الباحثة عفت الكاتب خبيرة الطفولة بوزارة الشؤون الاجتماعية تسوق العديد من
الإحصائيات والنماذج لما تقوم به وزارة الشؤون الاجتماعية من خدمات للتخفيف من
محنة الطفولة. فعلى سبيل المثال بلغت جمعيات رعاية الطفولة 876 جمعية
وجمعيات رعاية الأسرة 732 جمعية، كما أن هناك مؤسسات إيوائية للطفل تنتشر
في 26 محافظة (كل محافظات مصر) يبلغ مجموعها 193 تخدم حوالي عشرة
آلاف طفل.
وهناك
أيضًا نظام الأسر البديلة التي تتطوع لرعاية الطفل المحروم من والديه- بأجر أو
بغير أجر- وقد بلغ عدد هذه الأسر 2255 تعمل 744 منها بأجر، والباقي
بدون أجر وهي موجودة في 22 محافظة، ورغم كل ذلك فنعترف أن هذه الخدمات لا
تغطي كل الطفولة المحرومة ولا تقضي على محنة الطفل وإن كانت تخفف منها.
واقرأ أيضًا:
تقرير "حالة حقوق الإنسان بمصر".. طعنة في قلب العدالة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل