العنوان السياسة المصرية والجماعات الإسلامية في ثلاثة عهود
الكاتب عبدالله موسي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-سبتمبر-1988
مشاهدات 79
نشر في العدد 884
نشر في الصفحة 21
الثلاثاء 27-سبتمبر-1988
• ثلاثة وجوه والسياسة واحدة!!
•قمع الإخوان المسلمين في مصر أيام فاروق كان نتيجة للتخوف البريطاني من شعبية هذه الجماعة.
السياسة المصرية تجاه الجماعات الإسلامية في عهد مبارك، هل هي جديدة على طبيعة النظام المصري في معاملة الجماعات ذات التوجهات الإسلامية، أم أنها ذات طابع مختلف؟ وما هي ملامحه مقارنة بالعهود السابقة كعهد ناصر والسادات في هذا الجانب بالذات؟
لا يمكن فصل ملامح تعامل العهد الناصري مع الجماعات الإسلامية عن عهد الملكية الذي سبقه. فنظام الحكم المصري الجمهوري تعامل مع «الإخوان المسلمين» كبرى هذه الجماعات بقسوة منقطعة النظير، فاقت قسوة القمع الملكي لحركة الإخوان.
الجماعات الإسلامية في عهد ناصر:
لقد كان قمع الإخوان المسلمين في مصر أيام فاروق؛ نتيجةً للتخوف البريطاني من شعبية هذه الجماعة المتزايدة وتصورها الواضح للقضايا التي عاصرتها نتيجة اعتقادها الإسلامي ووعيها السياسي العالي، إضافة إلى نظام الإدارة المميز للشيخ حسن البنا مؤسس هذه الجماعة، وكانت نقطة الحسم التي أوجبت قمع هذه الحركة من جذورها: دورها الفاعل في السياسة المصرية الداخلية ضد بريطانيا وعملائها في الحكومة المصرية، وتوجهاتها للتفاعل مع القضايا الإسلامية الخارجية وخاصة قضية فلسطين التي أرادت بريطانيا حسمها لصالح اليهود رغمًا عن العرب جميعًا. كما أن دور الإخوان في معارك القنال ضد الوجود الإنجليزي كان واضحًا جدًّا ومقلقًا لها. بالرغم من الدور الأساسي الذي قامت به جماعة الإخوان المسلمين في تشكيل مجموعة «الضباط الأحرار» وتشكيل وعيها الأساسي الدافع إلى التغيير، فإن الصلة الأساسية بين الإخوان والضباط الأحرار اهتزت بموت البنا ووفاة محمود لبيب أحد العناصر الأساسية في تشكيل الضباط الأحرار، وزاد القطيعة انشقاق عبد الرحمن السندي وهو مسؤول الجناح العسكري الإخواني السري عن خط الجماعة العلني بعد تولي الهضيبي قيادة الجماعة عقب موت البنا، فقد كان السندي حلقة أساسية في صلة الأحرار بالإخوان، وصلته الروحية أكثر عمقًا وتأثيرًا من الهضيبي. ولعل الانشقاقات التي شهدتها جماعة الإخوان في تلك المرحلة البالغة الدقة من تاريخها بسبب التنافس على خلافة البنا، قد ساعد في شق عصا الطاعة عليها من جانب جمال عبد الناصر ومجموعته بسهولة خاصة، وأن عبد الناصر لم يكن ميالًا بطبعه إلى التدين، وظل في شك من مسألة البعث والحساب الأخروي كما روى محمد حسنين هيكل حتى مات.
وبالرغم من الأحداث الآنفة الذكر، فلم تكن هذه العوامل هي الوحيدة التي ساهمت في تصفية الحركة الإسلامية في مصر، وإن كان قصور الوعي الإخواني بخطورة تلك المرحلة من تاريخ الجماعة الذي أعمى الانفصاليين عن ضرورة تجنبهم للخلافات والانشقاقات في مواجهة مؤامرات القوى الدولية التي كشرت عن أنيابها باعتقال الإخوان عند رجوعهم من ميدان القتال في فلسطين، ثم اغتيال مؤسس الجماعة ومرشدها العام حسن البنا رحمه الله، كهدية في عيد ميلاد ملك مصر آنذاك فاروق، قد ساهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة بتسهيل مهمة الأعداء بتصفية الجماعة دون كبير عناء.
لكن لا بد من الأخذ في الاعتبار قوة الاتصالات الأجنبية الأميركية والبريطانية بالضباط عقب نجاحهم غير المتوقع بالسيطرة على زمام الأمور في البلاد. فقد بدا لبريطانيا للوهلة الأولى أن الانقلاب العسكري من تدبير الإخوان؛ نظرًا لمساهمتهم الكبيرة في تسهيل مهمة الضباط الأحرار، وظهور شخصياتهم العلنية في مظاهرات التأييد للحركة العسكرية. لم يكن يعلم بالحقيقة إلا السفير الأمريكي «كافري» والاستخبارات المركزية التي كان عبد الناصر قد مد يده إليها لضمان تأييده ضد إنجلترا، وقد سارعت عقب الانقلاب إلى توجيه النصائح وتقديم الأموال الوفيرة لكبار الضباط عبر «کيرمیت روزفلت» الذي طار إلى القاهرة؛ ليقدم لمحمد نجيب وجمال عبد الناصر 3 ملايين دولار هدية من أمريكا للضباط الأحرار.
وما أن علمت بريطانيا بأن الانقلاب المصري ليس له صلة عضوية بالإخوان، كما ذكر عبد الناصر للمستر كافري، حتى أخذت تساوم على رؤوسهم، وتجعل انسحابها من مصر مرهونًا بضرب الإخوان وقمع وجودهم في مركز ثقل العالم العربي. وكان عبد الناصر على استعداد بالتضحية بمحمد نجيب وبالديمقراطية وبالإخوان من أجل أن يكون هو بطل مصر الأوحد، كما كان يعلم في شبابه. ولم يكن يدرك أنه كان أداة للاستعمار البريطاني في ضرب الإسلاميين عام ١٩٥٤ وإعدام عين الأشخاص الذين رصدت حكومة إنجلترا المكافآت للقبض عليهم، أو كما كان أداة للشيوعيين مرة أخرى حين أعدم سيد قطب ومجموعته عام ١٩٦٥.
ولم يتم الجلاء البريطاني عام ١٩٥٦ إلا حين اطمأنت أن الروح الإسلامية في مصر قد ضربت على أيدي المصريين. فلم يعد من مصر أي خوف ما دام فتيل الإسلام منزوعًا منها، لهذا لم تكن خطب عبد الناصر النارية وتحركاته القومية إلا زوبعة في فنجان، نظر إليها الغرب باستخفاف لخوائها من أي مضمون عقائدي أو بناء فكري سليم. إننا حين ننظر إلى التاريخ اليوم نعلم علم اليقين بأن رأس الحركة الإسلامية ممثلة بالإخوان كان موضع مساومة بين بريطانيا وعبد الناصر.
نحن في غنى عن التفصيل إذن في شرح السياسة الناصرية في تعاملها مع الحركات الإسلامية، وأنها امتداد طبيعي للسياسة الاستعمارية في ضرب الإسلام في المنطقة ومصر بالذات؛ لئلا يقوم منها «صلاح الدين» مرة أخرى، ويقضي على وجود الصليبية ويهود في فلسطين والعالم الإسلامي.
لقد استخدم العهد الناصري أبشع وسائل القمع والتنكيل والتعذيب ضد الإخوان إلى درجة فاقت خيال الإنجليز واليهود، وفنون التعذيب في محاكم التفتيش وستظل هذه الفترة وصمة عار في التاريخ المصري، حين باع أبناء مصر إخوانهم بثمن بخس.
الحركات الإسلامية في عهد السادات:
حين تسلم السادات السلطة في مصر عقب الوفاة المشبوهة لعبد الناصر لم يكن أحد يعلم بتوجهاته السياسية ولا اتصالاته الخفية، خاصة أنه بقي في الظل طوال حكم عبد الناصر، ولم يتسنم أي منصب هام باستثناء تعيينه الأخير كنائب للرئيس قبل موت جمال. وكان من أسماهم السادات بعد ذلك بمراكز القوى قبل أن يحصدهم بالمنجل الأمريكي ينظرون إليه باستخفاف ظاهر، وأن نفوذهم في عهده سيكون أقوى مما كان في المراحل الأخيرة من حياة وحكم عبد الناصر، وأعدوا العدة على هذا الأساس قبل أن يعاجلهم السادات بثورة التصحيح في مايو ۱۹۷۱.
ثم في خطوة مفاجئة أخرى قام بطرد الخبراء السوفيات، وطلب منهم مغادرة مصر في زمن قياسي في عام ۱۹۷۲ في خطوة مفاجئة أخرى عام ١٩٧٣ شن حربًا ضد إسرائيل، وبرغم انتصاره في البداية ترك بلاده تخسر طواعية، عندما ترك جيشه الثالث تحت رحمة ثغرة أمريكية- يهودية مصطنعة.
والمفاجأة الأكبر أنه لم يحاول الاستفادة من مكسبه العسكري ليحيله إلى نصر سياسي، بل أنه بعد الحرب لم يفعل أكثر مما قال، إنه سيقدمه من أجل السلام ليارنغ في عام ۱۹۷۱، ومنها وضع قوات دولية على الحدود السياسية المصرية الإسرائيلية، وفتح قناة السويس للملاحة الدولية الحرة بما فيها السفن اليهودية.
وفي خطوة مفاجئة أخرى في عام ١٩٧٧ زار إسرائيل، وبعدها بعام وقع اتفاقية سلام دائم مع اليهود باسم المصريين جميعًا. هل كان الرجل عميلًا أمريكيًّا قديمًا تافهًا، وصار في ليلة وضحاها رئيسًا يخدم أهدافها؟ ليس هذا مدار بحثنا.
فقد كان من ضمن مفاجآته التي لم تنته حتى موته الذي جاء مفاجئًا أيضًا، سلسلة إصدارات العفو عن بقايا الأحياء المحكومين في القضايا الإخوانية في سجون مصر، وبالرغم من أن الكثيرين من المراقبين عَدُّوا ذلك ضمن تحول الحكومة المصرية نحو المزيد من الحريات، وضمان حقوق الإنسان للمواطن المصري في بلده، إلا أن ما أسفرت عنه اعتقالات عام ١٩٨١ كانت مخالفة للتصور السابق تمامًا.
لماذا أطلق السادات سراح الإخوان إذن؟ أهي عقدة الذنب؟ أهو دين الإخوان في عنقه عندما أعالوا أسرته وهو في السجن؟ أهي الصلة القديمة بالضباط الأحرار؟ أهي خدماتهم لمصر وجهادهم ضد الإنجليز في القنال واليهود في فلسطين؟ أم هو حب الإسلام والمسلمين؟ أم أنه أراد أن يخالف عبد الناصر في سياسات حكمه كلها بما فيها اعتقال الإخوان؟
إن الإجابة الصحيحة والوحيدة التي يمكن أن نضعها للأسئلة السابقة جميعًا هي النفي القاطع. فلم يهدف السادات حين أطلق سراح الإخوان إلا على موازنة ساحة مصر الداخلية التي كانت تطفح بالشيوعيين والناصريين؛ لكي يطلق الإخوان خلفهم في كل ساحة ومجال بحكم العداء الطبيعي العقائدي بين الطرفين. ولم يكن في بال الإخوان بأي حال أن يرضوا السادات بهذا العمل، فقد كان واجبًا دينيًّا قبل كل شيء، ولم تتغير صورة الحكم الساداتي عن صورة الحكم الناصري في أذهانهم فهي استمرار وامتداد طبيعي لها، وهي صورة الحكم الذي يرتمي في أحضان القوى الخارجية على حساب دينه وبلده وشعبه. إلا أن ما يميز القمع الساداتي عن القمع الناصري بأنه قمع ناعم وبموجب القانون الدستوري! ويبقى القمع واحدًا.
إلا أن أحد الأمور التي لم يدر في خلد السادات مواجهتها هو ما فرخته سياسة البطش الناصري في السجون من صور التشدد والانحراف الفكري عند بعض الأفراد غير الناضجين فكريًّا، قاموا عندما أطلق السادات سراحهم بتكوين جماعات متطرفة فكريًّا من الشباب الذي كان متعطشًا للإسلام ويعاني من الفراغ العقائدي والفكري الذي شغر في عهد عبد الناصر باعتقال الإخوان وحظر المناهج الفكرية الإسلامية المعتدلة؛ إضافة إلى عجز الأزهر لانعدام أهلية منهجه ورجالاته عن ملء الفراغ الديني الكبير في الشارع المصري. ولم يجر فيحسابه ولا حساب المخابرات الأمريكية أن المد الإسلامي سيتصاعد بهذه القوة والسرعة في فترة وجيزة جدًّا، بل لم يكن أحد يظن بأن زوال حكمه الذي خشي أن يتم على يد الشيوعيين قد حققه أبناء الصحوة الإسلامية في أرض الكنانة.
وهكذا ومع انحسار المد الشيوعي والناصري أمام الزحف الإسلامي في الشارع المصري، أخذ السادات يعد العدة للتفرغ للحركة الإسلامية وضربها. فكان كما ذكر «العزيز بيغن» رئيس وزراء إسرائيل آنذاك: عند حسن الظن به... وابتدأت كل من المخابرات المركزية الأمريكية والموساد تقيم الندوات العاجلة، وتعقد حلقات الدراسة المكثفة لدراسة ظاهرة الصحوة ومواجهة تأثيراتها المحتملة ومقاومتها بكل وسيلة ممكنة، وفي أسرع وقت ممكن، حتى لقد قدر عدد العلني منها بحوالي ١٤٥ دراسة في خلال سبع سنوات؛ أي بمعدل عشرين دراسة كل سنة تقريبًا!!
لم يكن السادات مختلفًا عن عبد الناصر في عدائه للإسلام والحركة الإسلامية، بل أن حدة العداء بقيت في نفس الدرجة، وإن اختلف شكل المواجهة وطبيعة المعركة باختلاف الزمان والظروف التي شهدتها مصر في الحقبتين، ومع اختلاف قوى العالم من بريطانيا وفرنسا إلى أمريكا وروسيا؛ إذ بقي العداء ضمن دائرة الأمن القومي الغربي الذي يقضي بضرب الإسلام في قواعده في المنطقة العربية، خاصة مصر والشام.
وبقي العداء للإخوان المسلمين بالذات أكبر من أي وقت مضى.
الإسلاميون في عهد مبارك:
رغم أن الإسلاميين كانوا يأملون في تغير السياسة المصرية الرسمية تجاه الحركة الإسلامية عامة في خلال عهد الرئيس مبارك، إلا أن التوجهات ظلت قوية واتخذت شكلًا أكثر حدة مع تولي «زكي بدر» لوزارة الداخلية، فالضابط السابق لم يدخر أي وسيلة من وسائل الاستفزاز والمواجهة والعنف مع الحركات الإسلامية إلا طبقها.
فالحركة الإسلامية رغم سيطرتها على القطاع الأكبر من الشارع المصري وأثرها الواضح في الحياة اليومية ومظاهرها إلا أنها ما زالت ممنوعة من حرية التعبير عبر القنوات الشرعية، وهي الصحافة والتلفاز والإذاعة، كما أنها ممنوعة من تشكيل حزب سياسي مستقل رغم أحقيتها في ذلك ومشروعيته حسب القوانين السارية والتي تفكر الحكومة في تعديلها؛ لتشديد الخناق وتمديد المنع! أما مشروع تطبيق قوانين الشريعة فما زالت متعثرًا في مجلس الشعب منذ سنوات.
كما أن العديد من الإسلاميين لا يستطيع الحصول على وظائف في الحكومة أو بعض الشركات الخاصة كشركات الاستثمار الأجنبي، وتلك التي يرأسها أعضاء في نوادي الروتاري والليونز، كما أنهم محرومون من الترقيات والدرجات رغم استحقاق بعضهم لها. كما أن الشركات والأعمال التجارية والمدارس التي يؤسسونها تتعرض لشتى أنواع المضايقات وتقييد الحريات التي يتمتع بها في مصر حتى الأجانب، رغم تأكيد الإسلاميين في أكثر من مناسبة وخاصة الإخوان المسلمون بأنهم ليسوا طرفًا منافسًا على الحكم، وأنهم لا يريدون سوى تطبيق «شرع الله» في مصر.
ولا يمكن تفسير العداء الرسمي الشديد للإسلاميين إزاء هذا كله، إلا أنه عداء مقنع للإسلام نفسه، وما يأمر به أو ينهى عنه، والواجبات الشرعية المترتبة على الالتزام به بشكل صادق.
خلاصة ونتيجة:
من عرض الوقائع التاريخية والأحداث الماضية واستقراء الحاضر نستنتج خلاصة واحدة لاستمرار الأنظمة المصرية المختلفة في عهودها المتوالية في حصار الحركة الإسلامية وضرب أفرادها، وهو أنها لا زالت أسيرة للتوجهات الغربية في التاريخ المصري الحديث، منذ الحملة الفرنسية بقيادة نابليون ومرورًا بالاحتلال الإنجليزي وحتى يومنا هذا، ومنذ أن دخلت خيل الفرنسيين ساحة الأزهر، واستشهاد الحلبي إلى ضرب الثورة العرابية وطرد الأفغاني إلى استشهاد الإمام البنا وسيد قطب.
إن النظرة المصرية الرسمية إلى الإسلاميين لا زالت أسيرة الفكر الغربي إلى الآن: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: 50).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل