العنوان الافتتاحية.. المأزق بين المجلس والحكومة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 08-أبريل-1986
مشاهدات 77
نشر في العدد 762
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 08-أبريل-1986
لم تكن جلسة
مجلس الأمة الثلاثاء الماضي مفاجأة لنا، بل كنا قد توقعنا ذلك عندما قلنا في إحدى
افتتاحياتنا 18 مارس 1986: «ولعل المجلس لن يصبر على مثل هذا الوضع، وسوف يستخدم
أدواته الدستورية لإعادة الهيبة إلى مجلسه وثقة الناس به، ويجبر الحكومة على
التعاون، وفي هذا مخاطرة وبداية أزمة».
نعم.. إننا
نعتقد أن أسلوب المواجهة الصدامية بين السلطتين مخاطرة وبداية أزمة، وليس من مصلحة
الأمة أن تتوتر العلاقات بينهما وتنعدم الثقة.
إن المأزق الذي
تمر به علاقات السلطتين ليس سببه إحداهما، بل كلتاهما مسؤولتان عن هذا المأزق،
وإننا نعتقد أن على الحكومة أن تبادر إلى عدة أمور للخروج من هذا المأزق، منها:
• توفير
المعلومات اللازمة لصناعة أي قرار؛ فجودة صناعة القرار وسلامته تبدأ من وفرة
المعلومات ودقتها. ولعل أزمة المناخ خير شاهد على ما نقول، فالأخطاء التي واجهت
معالجة الأزمة كانت نتيجة قلة المعلومات وعدم دقتها، ولعل النواب وجدوا أنفسهم
محاصرين بين انتقاد الجمهور ولوم الناخبين وبين عجزهم عن حل الأزمات، فبادروا إلى
طلب المعلومات من أجل المساهمة في حل الأزمات. ومن حق الحكومة أن تحجب بعض
المعلومات التي قد تسبب إضرارًا للمصلحة العامة، ولكن تماديها في استخدام هذا
العذر أفقده مصداقيته.
• الحلم وسعة
الصدر، فما دام اختار الشعب وقيادته النهج الديمقراطي فلا بد من تحمل أساليبه.
إن صميم العمل
النيابي المستند للدستور والأعراف الديمقراطية هو المراقبة على أعمال الحكومة
بالإضافة لسن التشريعات. وإذا رفضت الحكومة الأساليب النيابية في النقد فإنها
تعترض على الدستور قبل اعتراضها على النواب أنفسهم. إن استخدام كلمات المماطلة
واللجاجة والعجز السياسي ليست شتائم في حد ذاتها، إنما هي وصف لقدرة الأجهزة
الحكومية كما يراها النائب. ومن ناحية أخرى فإن ما يجري في جلسات مجلس الأمة من
نقاش لا يقارن بما يجري في برلمانات الدول المتقدمة وذات التجارب العريقة؛ لذا فإن
الحكومة مطالبة بالحلم وسعة الصدر والصبر على صراحة النقد.
• حفظ هيبة
المجلس، وذلك باحترام مواعيده والالتزام بلوائحه، وتكوين العلاقات المثمرة مع
النواب، والتي تكفل التعاون في معالجة مشكلات المواطنين. إن الحكومة دأبت على
التركيز على حفظ هيبتها، وهذا صعب التحقيق ما لم يكن متبادلًا مع المجلس. إن إهمال
توصيات المجلس ورد قوانينه بالجملة وتأجيل المشروعات وتعدد فقدان النصاب بسبب خروج
الوزراء، كلها أمور من شأنها كسر هيبة السلطة التشريعية والذي من شأنه تأزيم
العلاقة بينهما.
• الابتعاد عن
القرارات أو التصريحات الاستفزازية، فقرار منع النواب من إلقاء المحاضرات في
الجامعة قرار استفزازي، كان متوقعًا له أن يثار في المجلس بهذه الحدة، وتصريحات
بعض الوزراء حول التيارات في البلاد أو حول بعض القرارات كانت لها نفس الصدى؛ لذا
فإن الحكومة مطالبة بعدم استفزاز النواب.
وكما سلطنا
الضوء على مسؤولية الحكومة، فإن المجلس يتحمل جزءًا كبيرًا من مسؤولية هذا المأزق.
وإننا نعتقد أن على المجلس أن يبادر إلى عدة أمور للخروج من هذا المأزق، منها:
• الاعتناء
باستخدام الأدوات النيابية، فالسؤال والتحقيق والاستجواب وسائل تكفل الوصول إلى
كثير من المعلومات، واستخدامها يجب أن يتم بعناية تامة. لقد عكست أسئلة بعض النواب
عن مزايدات أو تشفٍّ أو تعجيز. ولقد ازداد استخدام السؤال البرلماني بشكل لفت
الأنظار وأنهك الأجهزة التنفيذية، بل إن جزءًا من هذه الأسئلة لا يعكس مشكلات
عامة، وأحيانًا تكون مشكلة خصوصية قد تعالج بوسائل أخرى أجدى من السؤال البرلماني.
ومن هذه الأدوات: الاقتراحات والتوصيات ومشروعات القوانين. ولعل المجلس مطالب بأن
يتحمل المسؤولية العامة مع الحكومة ولا ينجرف نحو مصالح الأفراد، فإن تلبية مطالب
الأفراد لا تنتهي. وإن المواطن يجب أن يبدأ بأقلمة وضعه حتى يتلاءم مع الظروف
الاقتصادية الجديدة.
• حفظ هيبة
الحكومة، وذلك بالالتزام بالنقد الموضوعي البعيد عن التجريح والهجوم الشخصي،
والتركيز على مضامين الأخطاء دون التوغل في النوايا وما تضمره الأنفس، واستخدام
الجلسات الجانبية واللقاءات المسبقة في علاج القرارات الاستفزازية بدلًا من تحويل
قاعة المجلس إلى ميدان معركة خطابية.
• احترام النواب
لأنفسهم، وذلك بالتجرد عن منافعهم ومصالحهم، فكثير من الوزراء من يتحدث عن تنازل
فلان عن مبادئه أو مقررات نادى بها عندما اصطدمت مع مصالحه. إن النواب الذين
يخالفون ما يعلنونه إنما يشاركون في إضعاف المجلس أمام الحكومة، كما أن التزام
النواب أنفسهم باللوائح واحترام مواعيد الجلسات والوجود فيها يسْهِم في تقوية صورة
المجلس.
إننا نطالب
السلطتين أن تتعاملا مع بعضهما كطرفي مقص لا يعمل أحدهما دون الآخر، وليسا كخصمين،
ولا يفصل أحدهما قانون دون الاستعانة بالآخر. إن تكريس هذا المفهوم ضروري للخروج
من الأزمة والنجاة من المأزق. إن مفهوم الخصومة من شأنه أن يؤزم الوضع وتخسر
الأطراف كلها، وهذا ما نتجنبه. ونسأل الله أن يجنبنا الشرور ويكتب الخير لنا..
والله الموفق.