العنوان المجتمع الصحي (العدد 1223)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أكتوبر-1996
مشاهدات 103
نشر في العدد 1223
نشر في الصفحة 62
الثلاثاء 29-أكتوبر-1996
الكروب «التهاب الحنجرة»
بقلم: د. عبد المطلب السح (*)
هناك أمراض تعشق الفصول الباردة ومثالها هذا المرض، الذي نتحدث عنه «الكروب»، وقد زادت حالات الإصابة بهذا المرض في السنوات القليلة الماضية، فما «الكروب»؟
إنه مرض يصيب طريق الهواء، وينجم في معظم حالاته عن فيروسات غالبيتها من نوع البارا إنفلونزا، وهناك حالات قليلة منه، ولكنها أشد خطرًا، وتنجم عن الجراثيم، وهذا المرض له خطورة خاصة عند بعض صغار الأطفال والرضع؛ لأن طرقهم الهوائية صغيرة، مما قد يؤدي إلى تضييق شديد أو حتى انسداد طريق الهواء، وما ينجم عن ذلك من صعوبة تنفس واختناق.
إن كلمة «الكروب» تطلق على مجموعة من الأمراض، ولكن ما يميزها جميعًا أنها تؤدي إلى سعال نباحي غريب المواصفات، وقد يرافقه سماع صوت ندعوه الصرير أثناء الشهيق، كما قد يصاحبه بحة صوت وعلامات ضائقة تنفسية، ونادرًا ما تقتصر الإصابة على جزء واحد من طريق التنفس، وخصوصًا عند الصغار والرضع؛ حيث نجد الإصابة تمتد من الحنجرة «مقر الإصابة الرئيسي» إلى الرغامي والقصبات، وقد تمتد للأعلى؛ حيث تصيب البلعوم.
- في أي عمر يحدث هذا المرض؟
- معظم الحالات تحدث بعمر 3 أشهر وحتى 5 سنوات من العمر، وذلك بالنسبة للفيروسات، أما الجراثيم فإنها تفضل العمر ما بين 3- 7 سنوات.
- هل يختلف حدوث المرض بين الجنسين؟
- نعم فالذكور يصابون أكثر.
- هل الحالة معدية؟
- مثل الإنتانات التنفسي فهي معدية، ولكن قد تختلف المظاهر من طفل لآخر، إن ١٥% من الحالات لديهم قصة مماثلة في العائلة، والتهاب الحنجرة يميل للنكس - أي الحدوث ثانية - عند نفس الطفل.
- ما مظاهر المرض؟
- الشكل الأشيع يحدث فيه انتان تنفسي علوي «رشح - زكام» لبضعة أيام قبل ظهور المرض، الذي يتميز بصعوبة تنفسية تشمل الشهيق والزفير، ويكون الطفل هائجًا وخائفًا ومضطربًا بشكل كبير، وقد تكون الحرارة مرتفعة قليلًا أو قد تصل إلى ٤٠م، وتزداد الحالة سوءًا في الليل، ويتكرر ذلك لبضعة أيام، ولكن شدة المرض تتناقص خلال ذلك عادة، غالبًا ما يوجد التهاب أنف ورمد عند الطفل وأفراد العائلة قد يكون لديهم زكام، وتتراوح مدة المرض من بضعة أيام وحتى عدة أسابيع، ويندر حدوث المرض بعد عمر ٦ سنوات.
- هل توجد أشكال أخرى للمرض؟
- نعم، فهناك التهاب الحنجرة التشنجي الحاد، ويحدث بعمر ١- ٣ سنوات غالبًا، ويشابه ما سبق، ولكن لا توجد إصابات في العائلة والسبب فيروسي، ولكن العوامل التحسسية والنفسية هامة في بعض حالاته؛ حيث إن الطفل القلق وسريع الاستثارة أكثر عرضة للإصابة، وأحيانًا يوجد تأهب عائلي لحصول المرض، وأكثر ما يحدث هذا الشكل مساءً أو في الليل، ويبدأ فجأة؛ حيث يكون الطفل نائمًا ويستيقظ بهذا السعال الغريب، الذي يشبه صوت الصرير، ويسمع صوت أثناء حدوث التنفس مع صعوبة في التنفس، والطفل يكون خائفًا، ونبضه متسرعًا، والجلد يكون باردًا ورطبًا، ولا توجد حمى.
إن البكاء وإثارة الطفل يفاقم المشكلة، وقد تحدث الزرقة، لذلك قد نتجنب حتى فحص البلعوم، عادة ما تتحسن الحالة خلال بضع ساعات، وفي اليوم التالي يكون الطفل بوضع حسن مع بعض السعال وبحة الصوت، وفي الليل التالي قد تتكرر الحالة، ولكن تكون أقل وطأة، وقد تتكرر في الليل الثالث، في النهاية يحدث الشفاء، وقد تنتكس الحالة فيما بعد عدة مرات.
وهناك شكل يشبه ما سبق، وتكون فيه صعوبة التنفس مستمرة، ويهتز جناحا الأنف، ونجد الطفل وكأنه يسحب الهواء سحبًا وبشكل صعب ومجهد؛ حتى إن جدار الصدر والبطن ينسحب للداخل أثناء الشهيق، والطفل يفضل الجلوس أو أن يحمل، وهو بوضع قريب من الجلوس، وبتقدم الحالة يحدث العطش، واضطراب وضعف ونقص أوكسجين الدم، ويتسرع النبض، وقد يحدث الموت لا سمح الله، ولكن ولله الحمد معظم المرضى يتحسنون خلال ساعات.
وهناك التهاب لسان المزمار وهو قطعة من البدن تغلق الحنجرة أثناء بلع الطعام حتى لا يدخل للرئة والتهاب هذا اللسان خطير جدًّا، وقد يكون قاتلًا؛ حيث يؤدي لانسداد مدخل الحنجرة، والسبب غالبًا جرثومي، ويحدث بعمر 2- 7 سنوات، وتحدث فيه حمى وصعوبة تنفس وبسرعة ينسد طريق الهواء، وقد يحدث الموت بعد ساعات وبالعلاج المناسب يحدث الشفاء بإذن الله في ٢- ٣ أيام، يبدأ المرض فجأة؛ حيث يستيقظ الطفل بحمى عالية مع عدم قدرة على الكلام، وسيلان اللعاب خارج الفم وضيق التنفس الشديد، وعادة لا يكون أحد في العائلة مصابًا، قد تنبسط الرقبة للخلف مع الهياج، والطفل الكبير يفضل الجلوس والانحناء للأمام، ويفتح فمه، ويخرج لسانه إلى حد ما خارج الفم، وقد يفقد وعيه ويكون لونه شاحبًا مزرقًا.
- هل هناك حالات مرضية أخرى تؤدي لمظاهر تشابه التهاب الحنجرة؟
- نعم.. فكل ما يؤدي لتضييق طريق الهواء يؤدي لأعراض مشابهة، فمثلًا وجود جسم أجنبي داخل طريق الهواء والخراجات والأورام والكيسات، وكذلك نقص كلس الدم وبعض الالتهابات مثل الحصبة، وكذلك تناول سائل حار جدًّا بالخطأ، وقد تحدث أعراض مماثلة لأسباب نفسية.
- هل لهذا المرض اختلاطات؟
- للأسف نعم ١٥% يحدث لهم مشاكل، فقد يمتد الالتهاب ليشمل الأذن الوسطى أو للقصيبات الشعرية، أو للرئة نفسها، كما يحدث التهاب جرثومي، وتقيح فوق الالتهاب الفيروسي، ونادرًا ما تحدث الحمى الشوكية «التهاب السحايا» أو التهاب المفاصل القيحي بعد التهاب لسان المزمار، إن التهاب لسان المزمار قليل الحدوث، ولكن إن لم يعالج أدى للوفاة بنسبة ٢٥% إن غالبية الحالات نتيجتها ممتازة والحمد لله.
- كيف يتصرف الأهل في هذه الحالة؟
- عند ملاحظتهم بدء المرض على صغيرهم، الذي عادة ما يكون نائمًا، ثم يستيقظ فجأة بصعوبة تنفس وسعال غريب كما ذكرنا، عليهم حمله من الفراش وجعله بوضعية جلوس أو جلوس مع انحناء للأمام، ويحملونه بهذه الوضعية، ولا بأس إن لفحه الهواء البارد، الذي قد يحسن الحالة ويجلبونه لأقرب مستشفى وبأسرع وقت، وننصحهم بألا يعطوه في هذه الفترة أي شيء عن طريق الفم لا ماء أو حليبًا ولا أي غذاء ولا دواء قبل وصولهم المستشفى مع تجنب إزعاج وإثارة الطفل.
- هل من فكرة عن العلاج بالمستشفى؟
- المعالجة تهدف إلى توسيع طريق الهواء والحفاظ عليه سالكًا، والمضادات الحيوية ضرورية عندما نتوقع وجود سبب جرثومي.
الأطفال الذين يمكن تدبيرهم في البيت نعطيهم جرعة من الديكسا ميثازون على شكل حقنة، ونعطيهم جرعة من الأدرنالين على شكل أرذاذ «بخار»، وإذا كان لديهم أيضًا تشنج في القصبات أو قصة ربو نعطيهم الفنتولين، وننصح الأهل بأن يعرضوا الطفل للهواء البارد إلى حد ما لبعض الوقت، وأن ينام بوضعية نصف جلوس، وأن يكون بجوار سريره مرطب للجو ونعطيهم بعض التوصيات، يراجع الأهل المستشفى للمراقبة أو إذا ترقت الحالة؛ لأنه قد يحتاج لجرعات أخرى من الأدرنالين، وتنصحهم بإعطاء الأغذية السائلة وليست الصلبة، وقد يفيد أن نجعل غرفة الحمام مليئة بالبخار الحار، وأن ندخل الطفل إليها، ونغلق الباب خلفنا لبعض الوقت.
أما الأطفال الذين تستدعي حالتهم التنويم في المستشفى، فإننا نعطيهم البخار الحار بواسطة المبخر أو البخار البارد بواسطة جهاز الإرذاذ، إن هذا الترطيب بالبخار قد نحتاجه من ٢- ٣ أيام، إن حدوث القياء «التطريش»؛ بسبب السعال قد يحسن الحالة كثيرًا، ولكن لا ينصح بإحداث القياء دوائيًا، إن المراقبة الدقيقة ضرورية، وكذلك نمنع الطفل من تناول أي شيء بالفم في المرحلة الأولى، ونعطيه السوائل عن طريق الوريد، ونؤجل كل الفحوص غير الإسعافية، ونعطيه الأوكسجين وباقي الأدوية، وقد نحتاج لفتح «خزع» الرغامي أو وضع أنبوب داخلها، وفي الختام هناك تنويه بسيط هو أن التهاب لسان المزمار، وهو أخطر حالات «الكروب»، وسببه جرثومة الإنفلونزا الولوعة بالدم، وهذه لها لقاح يحمي الأطفال ضدها، وأصبح يعطي روتينيًّا، ويجب إعطاء الأطفال الذين تقل أعمارهم عن أربع سنوات، وأن يبادروا لتلقي هذا اللقاح إن لم يكونوا قد تلقوه سابقًا، وكذلك ولحسن الحظ فإن الدفتريا والتي تسبب بعض الحالات معظم الأطفال ممنعون ضدها، أما باقي الفيروسات والجراثيم التي تحدث الحالة فلا لقاح لها للأسف.
وكما لاحظنا فإن الحالات قد تكون خفيفة، وقد تكون شديدة قاتلة، لذلك يجب أخذها كلها على محمل الجد، وبدء العلاج المكثف منذ البداية اتقاءً لشرها وخطرها وحتى حصول الشفاء.
(*) أخصائي أمراض الأطفال وحديثي الولادة بمستشفى الحمادي بالرياض، وعضو الجمعية الطبية الأمريكية.
الكورتيزونات.. العقاقير العجيبة
بقلم: د. زياد التميمي (*)
الكورتيزون.. هو اسم لمركب تنتجه الغدة الكظرية «فوق الكلوية»، وهما أصلًا غدتان مثلثنا الشكل واقعتان على القطب العلوي للكليتين، زنة كل غدة حوالي خمسين جرامًا، وتحتوي كل غدة على طبقتين: الخارجية «القشرة»، ومنها اشتق الاسم الآخر للكورتيزونات، وهو السيترويدات القشرية، والداخلية «اللب» وكل جزء منهما غدة مستقلة بذاته؛ حيث يفرز هرمونات لها أعمال غاية في التعقيد والاختلاف.
وللمواد الكورتيزونية أعمال غاية في الاختلاف والكثرة والعجب، فإن هناك دورة يومية تبدأ من الصباح الباكر لإنتاج هذه المواد المهمة، وتصل أوجها عند الظهر، ثم تبدأ في النزول التدريجي؛ حيث تصل الحضيض في منتصف الليل عندما يكون الإنسان في حالة الهجوع والاسترخاء التام، ومن أهم الأعمال التي تؤديها الكورتيزونات ما يلي:
۱ - ضبط نسبة السوائل والأملاح في الجسم، وبالتالي التحكم في الجوع والعطش، وضغط الدم، والدورة الدموية، ووزن الجسم وحرارته ونشاطه، ونضارة الجلد، وحيوية الوجه، وكمية البول، وعمل الكلى، ونشاط الأنسجة والأعضاء، وقيام كل واحد بمهمته على الأكمل من الوجوه.
٢ - التحكم في استقلاب السكر ومركباته العقدة، وكذلك استقلاب الدهون والبروتينات والكالسيوم، وبالتالي في الجوع والشبع، ونسبة الدهون في الجسم وتوزيعها، وطريقة حرقها، والاستفادة منها وقت الحاجة، وتخزين الفائض.
وأما تحكمها في الكالسيوم، فيبقى نسبته طبيعية في الدم، وبالتالي في العظام والعضلات؛ لتعمل بكل جد واجتهاد، وكذلك عضلة القلب؛ كي يدوم نشاطها، وعضلات الأوعية الدموية ليبقى لها التوتر المطلوب المحافظ على قطر الوعاء الدموي، وبالتالي ضغط الدم.
3 - التأثير في سرعة ونجاح التئام الجروح بعدة طرق غاية في الروعة والدقة.
٤ - الأثر العام في نشاط كل عضو وحيويته.
5 - الأثر الشديد في جهاز المناعة؛ حيث تعتبر الكورتيزونات كابح جماح لجهاز المناعة، وإذا صارت جرعة هذه العقاقير عالية، فإن جهاز المناعة يصاب بإحباط شديد يؤدي إلى أن تستغل الكثير من الجراثيم هذه الفرصة السانحة، فتنطلق؛ لتعيث فسادًا في الجسم، ولهذه الخاصية تستعمل مركبات الكورتيزون في زراعة الأعضاء لمنع طرد العضو المزروع من الجسم.
كما يستعمل في بعض السرطانات لوقف نموها، وفي كل الأمراض تقريبًا الناجمة عن تشابه مناعي «أمراض المناعة الذاتية» (Auto- Immune Diseases).
٦ - تأثيرها في حيوية الجهاز العصبي: مما يؤدي لحصول مضاعفات شديدة مثل الاكتئاب، والذهان، والتهيج العصبي لو استعملت الكورتيزونات لفترة طويلة.
7 - تأثيره على الجهاز التحسسي في الجسم، والذي هو فرع من جهاز المناعة، ولذا تجدي كثرة استعمال الكورتيزونات في أمراض الحساسية «مثل الربو».
المحاذير الخاصة
لقد رأينا أهمية هذه المواد للجسم وسعة المدى، الذي تعمل من خلاله، وتأثيرها الواسع والمتشعب في كل الأعضاء والأنسجة وأنظمته الدقيقة، ولكنها وللأسف يمكن أن تنقلب إلى وبال على الإنسان خاصة عند استعمال جرعات عالية لفترة طويلة أو مستديمة.
ولهذا فالكورتيزونات تستعمل في حالات خاصة لا ينفع فيها غيرها، أو تكون مساعدًا رئيسيًا للعلاج، وتستعمل بأمر الطبيب فقط مع اتخاذ الإجراءات الضرورية لمراقبة المريض وهو تحت عمل الكورتيزون، ثم إيقافها التدريجي خلال أيام أو أسابيع لإعطاء فرصة كافية للغدة الكظرية بالتنشيط، وعودة العمل بعد الوقوف الاضطراري الذي أرغمت عليه.
الكورتيزونات والرضاعة والحمل
على عكس المخاوف المتداولة بين الناس وحتى بعض الأطباء، فإن الكورتيزونات تعتبر أدوية غير خطيرة للحامل والمرضع، والدواعي لاستعمالها دائمًا أفضل من عدم استعمالها، ولم ترد مضاعفات مؤكدة على الاستعمال.
الكورتيزونات والأطفال: تؤثر الكورتيزونات تأثيرًا مباشرًا على خط نمو الطفل، ولذا يجب أخذ الحذر عند استعمالها لفترة طويلة أو دائمة، وعند ذلك يجب إعطاؤها بطريقة اليوم بعد يوم للتخفيف من مفعولها الجانبي.
(*) أخصائي أطفال بمستشفى الرس -السعودية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل