; المرض والعدوى بين الطب وحديث المصطفى «صلوات الله عليه». | مجلة المجتمع

العنوان المرض والعدوى بين الطب وحديث المصطفى «صلوات الله عليه».

الكاتب د. محمد علي البار

تاريخ النشر الثلاثاء 01-نوفمبر-1977

مشاهدات 70

نشر في العدد 373

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 01-نوفمبر-1977

من أهم الأحاديث الشريفة الواردة في هذا الباب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: 

1- عن أبي هريرة: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر، وفر من المجذوم كما تفر من الأسد». (أخرجه البخاري).

2- عن أبي هريرة: «لا عدوى ولا صفر ولا هامة، فقال أعرابي: يا رسول الله فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء، فيجيء البعير الأجرب فيدخل فيها فجربها كلها؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فمن أعدى الأول». (أخرجه البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم).

3- عن أبي هريرة: «لا يورد ممرض على مصح». (أخرجه البخاري ومسلم).

4- عن أسامة بن زيد وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عندما سئل عن الطاعون: «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه». (أخرجه البخاري ومسلم).

5- عن عمر بن الشريد عن أبيه قال: «كان في وفد ثقيف رجل مجذوم فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم إنا قد بايعناك». (أخرجه مسلم).

6- وثبت عن جابر: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل مع المجذوم في قصعة واحدة وقال له كل ثقةً بالله وتوكلًا عليه». (أخرجه الترمذي).

ففي هذه الأحاديث الشريفة يبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للعرب والناس كافة أن العدوى لوحدها أو الميكروب لوحده ليس هو السبب في حصول المرض، وأن هناك أسبابًا أخرى بيد الله - سبحانه وتعالى - إن شاء صرفها وإن شاء جمعها، فكان المرض وكانت العدوى. أما الاعتقاد بأن هذا الميكروب هو سبب المرض الوحيد، وإن العدوى هي سبب المرض الوحيد، فهو أولًا: جهل بحقائق الأشياء، وثانيًا: جهل بقدرة الخالق عز وجل، وثالثًا: تعظيم للأسباب الظاهرة فيتكل عليها المرء، وبذلك يخرج من دائرة التوحيد إلى دائرة الشرك بالله تعالى؛ فيرى الأسباب الظاهرة ولا يرى مسببها الحقيقي وهو الله جلت قدرته وتعالت حكمتهن فيضل كما ضل السابقون من عرب ومن عجم، وكما ضل اللاحقون والمعاصرون من ذوي الكلمات الرنانة والألفاظ البراقة التي يخدعون بها الناس عن الحقيقة، وما يخدعون بها إلا أنفسهم وما يشعرون.

ولا بد إذن من الالتفات إلى المسبب الأول كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لذلك الأعرابي «فمن أعدى الأول».. وبذلك ترد الأمور كلها إلى الله الواحد الأحد المتصرف في كونه وعباده بما شاء كما يشاء... بالصحة والمرض، وبالعدوى والمقاومة.

والميكروب لوحده لا يساوي المرض... 

والعدوى لوحدها لا تساوي العاهة والسقم...

وإنما هناك أسباب أخرى ليست بيد العبد، ولا في مقدوره أن يتحكم بها، بل ولا يعلمها... هي التي تهيئ جسمه للصحة أو المرض، للعدوى أو المقاومة.

وهذه الأحاديث ترد الناس إلى كمال التوحيد، وتردهم إلى ربهم الذي تقوم به الأسباب... فهو الذي إن شاء جعل هذا الميكروب سببًا للمرض، وإن شاء جعله وقاية له من الأمراض، وإن شاء جعل ميكروب الحمى الشوكية داء وبيلًا لا إبلال منه، وإن شاء جعله حملًا وديعًا يعيش في حلق ذلك الشخص وبلعومه دون أن يسبب له أي أذى... وهو الذي إن شاء جعل فيروس شلل الأطفال مرضًا وبيلًا خطيرًا يشل الأطراف أو يشل أعضاء التنفس... وإن شاء جعله حمايةً ووقايةً لذلك الطفل من ذلك المرض في مستقبل الأيام... وهو الذي إن شاء جعل تلك البكتريا التي تعيش معنا في وئام وسلام تتحول فجأة إلى إعصار مدمر يهدم كل بنيان؛ فيحول بكتريا الأمعاء التي تمدنا ببعض الغذاء - الفيتامينات - إلى أفاعي سامة تفتك بنا في أيام ولحظات.

وهو الذي خلق الداء وخلق الدواء، وهو الذي إن شاء جعل من الداء دواء، وجعل من الدواء داء، فكم من داء في الأصل إذا أصاب شخصًا انقلب في حقه إلى دواء... وما مثال المناعة والمنعة التي يحصل عليها الطفل الذي يصاب بميكروب فيروس شلل الأطفال إلا مثال بسيط على ذلك... وكم من الأدواء تصيب الإنسان فلا يصاب بها ولا تضره بل تتحول إلى قوة وإلى مناعة... بل إن معرفة هذا السر قد فتحت للإنسان آفاقًا واسعة بدأ في استخدامها منذ أواخر القرن الماضي، عندما عرف طبيب إنجليزي يدعى (جينر) سر المقاومة التي يحصل عليها الشخص بالتلقيح بميكروب جدري البقر، فتتكون لدى جسمه مناعة لمرض الجدري... وما هذه الحملات الواسعة للتطعيم ضد الأمراض المختلفة: من جدري، وحصبة، وسعال ديكي، وشلل الأطفال، وكوليرا، وتيفويد، إلا نتيجة لهذه المعرفة المحدودة والتي وهبنا الله إياها... ومبدأ التطعيم يعتمد على إدخال الميكروبات المضعفة أو الميتة إلى جسم الشخص، فتتعرف عليها أجهزة المقاومة الموجودة لديه، فتسرع إلى صنع المواد المضادة والقذائف المضادة؛ فلا يهجم ذلك الميكروب مرة أخرى إلا وقد تسلح الجسم بأجهزة الدفاع كاملة، ومع ذلك فقد تنجح المقاومة وقد تفشل... وقد يحصل المرء على المقاومة دون أن يسبق له التطعيم أو التلقيح... ولكن الأمر يحسب بالفائدة المرجوة في الأغلب الأعم... ولا يقال إن هذا التطعيم أو التلقيح سيحميك مئة في المئة من عدوان ذلك الميكروب. 

وهو الذي إن شاء جعل من الدواء داء... أو العكس... فكم من أدوية سببت أمراضًا وأدواء، بل إن الأمراض الناتجة عن استعمالات الأدوية والعقاقير اليوم تكاد تفوق الأمراض الناتجة عن الميكروبات الغازية مجتمعة... كما تزعم بعض الدوائر الطبية في أوروبا وأمريكا اليوم. وقد يوافقهم كثير من الأطباء على ذلك، وقد يعترض آخرون... ولكن الجميع يتفقون على أن الدواء الناجح النافع قد يكون دواء مهلكًا مميتًا حتى ولو أعطي بالمقادير المحدودة المطلوبة وعلى الوجه المشروع المقرر عند الأطباء... وأضرب الأمثلة التي يكاد أن يعرفها كل شخص... فالبنسلين دواء مفيد ناجح لكثير من الأمراض الميكروبية، ولكن البنسلين قد يقتل المريض في لحظات بسبب ما يسمى بالحساسية... رغم أن ذلك المريض قد أخذ البنسلين في المرات السابقة دون أن يسبب له أي أذى، بل على العكس كان شفاؤه فيه. وهكذا يتحول الدواء إلى داء فجأة ودون سابق إنذار... وليست هناك من وسيلة حقيقية لمعرفة من ذا الذي سيصاب بالحساسية من هذا الدواء، ومن ذا الذي لن يصاب... وما فحص الحساسية المزعوم إلا تخمين يقوم به الطبيب ليحمي نفسه عند التراشق بالاتهامات.

والمضادات الحيوية بأجمعها التي يستخدمها الأطباء لمحاربة الميكروبات الغازية قد تتحول من دواء إلى داء... فتقوم بقتل كثير من البكتريا النافعة، ويختل التوازن الموجود بين أنواع البكتريا الموجودة في أجسامنا، فيتغلب نتيجة استعمال الأدوية نوع منها ويجد المجال أمامه مفتوحًا ليهاجم الجسم، وقد كان يمنعه من ذلك ميكروبات أخرى تعيش معه... ويعيش الجميع في وئام وسلام، فإذا ما اختل التوازن؛ انفردت تلك الميكروبات بنا وهجمت علينا هجمة شرسة، فإذا نحن نعاني من أمراض وبيلة، وإذا الدواء النافع الذي أخذناه ليعالج مرضًا بسيطًا قد تحول إلى داء وبيل خطير.

وعقار لثاليدوميد له قصة مشهورة أفاضت الصحف في ذكرها... وهو دواء مهدئ قيل إنه خال من كل المضاعفات؛ فلما أعطي للحوامل كانت النتيجة آلاف المشوهين المولودين بدون أطراف.

ولا يتسع المجال هنا لتتبع أضرار الأدوية؛ فذلك فرع كامل من فروع الطب يدرسه الأطباء ويتخصصون فيه... وهو الأمراض الناتجة عن التطبيب والمعالجة.

وهكذا يصبح الداء دواء، والدواء داء، بفعل المشيئة الإلهية الطليقة، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن... وهكذا تحولت النار بردًا وسلامًا على إبراهيم عليه السلام، فهو الذي جعل النار تحرق وهو الذي جعلها بردًا وسلامًا... وهو القادر على أن يحيل أي داء إلى دواء، ويحيل أي دواء إلى داء.

ولكن ذلك كله لا ينفي الأسباب، فالأسباب موجودة بقدر الله وقدرته، ونحن مطالبون بمعرفة الأسباب واتخاذها، فإن هذا لا ينافي كمال التوحيد، ولكن الذي ينافي التوحيد هو اعتقاد الأسباب أنها فاعلة بذاتها، فلا ينظر إلا إليها، ولا يعتمد ولا يثق إلا بها، فلا ينظر إلا إليها، الأسباب كلها يصرفها كيف يشاء... فلا ينبغي على المؤمن أن يتوكل أو يعتمد على أحد غير الله، ومع ذلك عليه أن يتخذ الأسباب ويعلم أنها مربوبة مقهورة بيد بارئها وخالقها.

ولذا جاءت الأحاديث النبوية الشريفة توضح ذلك في أبلغ عبارة وأجمل بيان... «لا عدوى ولا طيرة وفر من المجذوم كما تفر من الأسد»، لا عدوى بذاتها... ومع هذا لا بد من أخذ الأسباب والاحتياط، وأن تفر من المجذوم، «ولا يورد ممرض على مصح»، ولا يحتك المريض بالصحيح؛ فإن ذلك أدعى لانتقال المرض؛ ولذا رفض مبايعة المجذوم بيده تعليمًا وتشريعًا حتى يجتنب أفراد أمته دواعي المرض... ومع ذلك أكل مع المجذوم ثقة بالله وتوكلًا عليه... حتى يعلم الجميع أن الأمر كله بيد الله، وأن العدوى لا تكون إلا بإرادة الله. وأن الله الواحد الأحد هو المتصرف في ملكه، وأن الأسباب جميعًا بيده، وأن التوكل عليه والثقة به من أهم أسباب دفع العدوى مع الأخذ بالأسباب الظاهرة المعلومة... فإن هناك من الأسباب الخفية المجهولة ما تجعل الداء دواء، وما تجعل الدواء داء.

وكذلك شرح رسول الله لأمته قولًا وفعلًا الحال بالنسبة إلى التداوي، فقد تداوى وأمر بالتداوي وقال إن الذي أنزل الداء أنزل الدواء وأمر عباد الله بالتداوي... ولكنه نهاهم أن يتداووا بحرام، ولم يجعل الدواء سببًا بذاته للشفاء، فقد قال تعالى على لسان إبراهيم الخليل عليه السلام: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (الشعراء: 80) فالشفاء من الله والصحة والمرض بيد الله... كما أن بيده الأمور كلها يصرفها كيف يشاء، لا راد لحكمه، ولا معقب على قضائه.

وما أجمل عبارة ابن القيم عندما تعرض للأحاديث في هذا الباب بعد أن أورد مختلف الآراء حين قال: «وعندي في الحديث مسلك آخر يتضمن إثبات الأسباب والحكم، ونفي ما كانوا عليه من الشرك واعتقاد الباطل... ووقوع النفي والإثبات على وجهه - أي لا عدوى، وفر من المجذوم - فإن العوام كانوا يثبتون العدوى على مذهبهم من الشرك الباطل كما يقوله المنجمون من تأثير الكواكب في هذا العالم سعودها ونحوسها. ولو قالوا إنها أسباب أو أجزاء أسباب إذا شاء الله صرف مقتضياتها بمشيئته وإرادته وحكمه، وإنها مسخرة بأمره لما خلقت له، وإنها في ذلك بمنزلة سائر الأسباب التي ربط بها مسبباتها وجعل لها أسبابًا أخرى تعارضها وتمانعها المقاومة وتمنع اقتضاءها لما حصلت أسبابًا له... وإنها لا تقضي مسبباتها إلا بإذنه ومشيئته وإرادته، وليس لها من ذاتها ضر ولا نفع ولا تأثير البتة، إن هي إلا خلق مسخر مربوب لا تتحرك إلا بإذن خالقها ومشيئته، وغايتها أنها جزء سبب وليست مسببًا تامًا، فسببيتها من جنس سبب وطء الوالد في حصول الولد؛ فإنه جزء واحد من أجزاء كثيرة من الأسباب التي خلق الله بها الجنين، وكسبب شق الأرض وإلقاء البذر؛ فإنه جزء يسير من جملة الأسباب التي يكون الله بها النبات. وهكذا جملة أسباب العالم من الغذاء والدواء والعافية والسقم وغير ذلك. وأن الله جعل من ذلك سببًا ما يشاء ويبطل السببية عما يشاء، ويخلق من الأسباب المعارضة له ما يحول بينه وبين مقتضاه... فهم لو أثبتوا العدوى على هذا الوجه؛ لما أنكر عليهم. كما أن ذلك ثابت في الداء والدواء، وقد تداوى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمر بالتداوي وأخبر أنه: «ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء إلا الهرم». (أخرجه ابن حبان)؛ فأعلمنا أنه خالق أسباب الداء وأسباب الدواء المعارضة المقاومة لها... وأمرنا بدفع تلك الأسباب المكروهة بهذه الأسباب.

وعلى هذا قيام مصالح الدارين، بل الخلق والأمر مبني على هذه القاعدة؛ فإن تعطيل الأسباب وإخراجها عن أن تكون أسبابًا تعطيل للشرع ومصالح الدنيا، والاعتماد عليها والركون إليها، واعتقاد أن المسببات بها وحدها وأنها أسباب تامة شرك بالخالق - عز وجل - وجهل به وخروج عن حقيقة التوحيد، وإثبات سببيتها على الوجه الذي خلقها الله عليه وجعلها له إثبات للخلق والأمر للشرع والقدرة للسبب والمشيئة للتوحيد والحكمة... فالشارع يثبت هذا ولا ينفيه، وينفي ما عليه المشركون من اعتقادهم في ذلك.

والمقامات ثلاثة: أحدها: تجريد التوحيد وإثبات الأسباب. وهذا الذي جاءت به الشرائع وهو مطابق للواقع في نفس الأمر.

والثاني: الشرك في الأسباب بالمعبود كما هو حال المشركين على اختلاف أصنافهم.

والثالث: إنكار الأسباب بالكلية محافظة من منكرها على التوحيد.

فالمنحرفون طرفان مذمومان، إما قادح في التوحيد بالأسباب، وإما منكر للأسباب بالتوحيد والحق غير ذلك، وهو إثبات التوحيد والأسباب، وربط أحدهما بالآخر؛ فالأسباب محل حكمة الديني والكوني ... والحكمان عليها بجريان ... بل عليها يترتب الأمر والنهي والثواب والعقاب ورضى الرب وسخطه ولعنته وكرامته... والتوحيد تجريد الربوبية والإلهية عن كل شرك. 

فإنكار الأسباب إنكار الحكمة، والشرك بالأسباب قدح في توحيده، وإثباتها والتعلق به والتوكل عليه والخوف منه والرجاء له وحده هو محض التوحيد والمعرفة تفرق بين ما أثبته الرسول وبين ما نفاه وبين ما أبطله وبين ما اعتبره؛ فهذا لون وهذا لون، والله الموفق للصواب». أ. ه. من كتاب مفتاح دار السعادة.

ويقول الإمام ابن القيم عند حديثه عن قصة المجذوم: «وأما قضية المجذوم فلا ريب أنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «فر من المجذوم فرارك من الأسد». (رواه البخاري).. وأرسل إلى ذلك المجذوم «إنا قد بايعناك فارجع». (أخرجه مسلم).. وأخذ بيد المجذوم فوضعها في القصعة وقال: «كل ثقة بالله وتوكلًا عليه». (أخرجه الترمذي).. ولا تنافي بين هذه الآثار... ومن أحاط علمًا بما قدمناه تبين له وجهها، وأن غاية ذلك أن مخالطة المجذوم من أسباب العدوى، وهذا السبب يعارضه أسباب أخر تمنع اقتضاؤه... فمن أقواها التوكل على الله والثقة به، فإنه يمنع تأثير ذلك السبب المكروه، ولكن لا يقدر كل واحد من الأمة على هذا، فأرشدهم إلى مجانبة سبب المكروه والبعد منه. ولذلك أرسل إلى المجذوم الآخر بالبيعة تشريعًا منه للفرار من أسباب الأذى والمكروه... ولا يتعرض العبد لأسباب البلاء، ثم وضع يده معه في القصعة، فإنما هو سبب التوكل على الله والثقة به الذي هو من أعظم الأسباب التي يدفع بها المكروه والمحذو وتعليمًا منه للأمة دفع الأسباب بما هو أقوى منها وإعلامًا بأن الضر والنفع بيد الله - عز وجل - فإن شاء أن يضر عبده ضره، وإن شاء أن يصرف عنه الضرر صرف... بل إن شاء أن ينفعه بما هو من أسباب الضرر، ويضره بما هو من أسباب النفع فعل. ليتبين العباد أنه وحده الضار النافع وأن أسباب الضر بيديه وهو الذي جعلها أسبابًا وإن شاء خلع منها سببيتها... وإن شاء جعل ما تقتضيه بخلاف المعهود منها ليعلم أنه الفاعل المختار، وأنه لا يضر شيء ولا ينفع إلا بإذنه، وأن التوكل عليه والثقة به تحيل الأسباب المكروهة إلى خلاف موجباتها، وأنه – سبحانه - هو الذي يضر بها وينفع، ليس إليها ولا لها من الأمر شيء، وأن الأمر كله لله.

فالتوحيد من أقوى أسباب الأمن من المخاوف، والشرك من أعظم أسباب حصول المخاوف، والخوف دائمًا مع الشرك، والأمن دائمًا مع التوحيد... قال تعالى عن خليله إبراهيم إنه قال في محاجته لقومه: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. (الأنعام: 81)، فحكم الله بين الفريقين فقال: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. (الأنعام: 82).

ولذلك من خاف شيئًا غير الله سلط عليه وكان خوفه منه هو سبب تسليطه عليه، ولو خاف الله دونه ولم يخفه لكان عدم خوفه منه وتوكله على الله من أعظم أسباب نجاته منه، وكذلك من رجا شيئًا غير الله حرم ما رجاه منه وكان رجاؤه غير الله من أقوى أسباب حرمانه، فإذا رجا الله وحده كان توحيد برجائه أقوى أسباب الفوز بما رجاه أو بنظيره أو بما هو أنفع له. والله الموفق للصواب». أ.ه.

وأما حديث الطاعون ففيه فوائد شتى. فهو أولًا يحدد مبادئ الحجر الصحي الذي تدعو إليه هيئة الصحة العالمية وتبادر إلى محاولة تنفيذه الأمم عند الحاجة إليه، واعتباره حجر الزاوية في مقاومة انتشار الأمراض الوبائية... فهو يمنع الناس من الدخول إلى البلد الذي فيه الطاعون أو أي وباء آخر... وفي نفس الوقت يمنع أهل ذلك البلد أن يخرجوا منه حتى لا ينتشر الوباء في أصقاع الأرض، فكم من حامل للميكروب، وكم من مريض وهو لا يزال في فترة حضانة المرض ومظهره سليم، فإذا انتقل إلى بلد آخر ظهر عليه المرض وانتقلت العدوى إلى سواه أو انتقلت من ذلك الحامل إلى غيره... 

وهذا كله معلوم الآن لدى العامة والخاصة، ولكن الحديث الشريف يضيف شيئًا آخر لم تفطن له هيئة الصحة العالمية ولا الهيئات الطبية إلى اليوم... فهو يقول لهم وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه فإلى أين تفرون؟ أمن الموت تفرون؟ فإنه ملاقيكم ولو كنتم في بروجٍ مشيدة، فالآجال مضروبة محدودة... والوباء والمرض لن يصيب إلا من كتب عليه ذلك... ولو لم يكتب عليه لما أصابه؛ فليطمئن نفسًا ويهدأ بالًا من كان في بلدة أصيبت بوباء، وليعلم بعد ذلك أنه لو مات فإن ذلك له شهادة، «فالمطعون شهيد والمبطون شهيد» كما بشر بذلك المصطفى - عليه صلوات الله - الحديث (أخرجه البخاري).

وليتخذ من الأسباب ما شاء فإنها لن تنجيه إلا بقدر الله... وعليه أن لا يعتمد على الأسباب، وإنما يكون اعتماده وتوكله وثقته بالله وحده... وليتخذ الأسباب وسيلة فهو مأمور باتخاذها.

وبهذا تستقيم نفس المؤمن وتطمئن، وتستقيم الحياة فلا تكون قلقًا كلها وضرامًا كلها، وإنما تكون نفس المؤمن هادئة مطمئنة؛ فهي تعلم أن ما أصابها لم يكن ليخطئها، وما أخطأها لم يكن ليصيبها... وأن الأمر لله من قبل ومن بعد؛ فعليه تعتمد وتتوكل وتثق، وتتخذ الأسباب وهي تعلم أن ليست الأسباب بمانعة قدر الله، ولكنها تتخذها لأنها من قدر الله، كما قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لأبي عبيدة بن الجراج - رضي الله عنه - عندما حاجه أبو عبيدة في رجوعه من السفر إلى الشام الذي ظهر فيه الطاعون، فقال أبو عبيدة: «أفرارًا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، إنما نفر من قدر الله إلى قدر الله. أرأيت لو كانت لك إبل هبطت واديًا له عدوتان أحدهما خصبة والأخرى جدبة أكنت ترعى في الجدبة أم في الخصبة؟ قال أبو عبيدة: بل في الخصبة، قال كذلك نفعل ذلك بقدر الله». (أخرجه البخاري ومسلم). ويتخذ الأسباب بقدر الله ... وذلك كمال التوحيد وكمال الإيمان. 

والله يوفقنا لذلك، ويعصمنا أن نشرك به شيئًا نعلمه، ونستغفره لما نعلمه، والله ولي التوفيق.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1231

91

الثلاثاء 24-ديسمبر-1996

صحة الأسرة (عدد 1231)

نشر في العدد 1219

104

الثلاثاء 01-أكتوبر-1996

صحة الأسرة العدد 1219