العنوان فن إشغال الناس
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 21-نوفمبر-2009
مشاهدات 67
نشر في العدد 1878
نشر في الصفحة 56
السبت 21-نوفمبر-2009
يروى أن ملكًا قال لرعيته: «من اصطاد ألف فأر له مكافأة ألف دينار»! فسعي الطامحون شرقًا وغربًا، وشمالًا وجنوبًا، وجابوا الأرض بحثًا وتنقيبًا، وبعد أيام جاء الفائز إلى الملك، فقدم له «جوالًا» به مائة فأر، فسأله الملك: كيف استطعت اصطياد مائة فأر والاحتفاظ بها طوال هذه الفترة؟!
فقال الرجل: جمعت بعض الفتيان ورصدت جائزة لكل من اصطاد فأرًا وضاعفت المكافأة لمن اصطاد أكثر، وكلما زادت الفئران المصطادة زادت الجائزة، ثم استأجرت فتيان قويان، واشتريت لهما جوالًا، وطلبت منهما أن يتناوبا «مرجحة» الفئران يمينًا ويسارًا، كي تظل الفئران دائما في حالة «دوخان»، فذلك يضمن ألا يفكر فأر في قرض الجوال وثقبه!
هنالك قال الملك لرئيس وزرائه اصرف له ألف دينار، وعينه وزيرًا لي!
شاغل كرتونة البيض
عقب الإفراج عن فضيلة الشيخ عبد الحميد كشك الخطيب العملاق والداعية المؤثر -يرحمه الله- تجمع حواريو الشيخ ومحبوه عقب الإفراج عنه عام ۱۹٨٢م، وطالبوا بعودته للخطابة في مسجد «عين الحياة» الذي كان يخطب فيه قبل اعتقاله، وكان ذلك عقب صلاة الجمعة، وظل المصلون يهتفون بعودة الشيخ للخطابة.
وبينما يهتف الناس بعودة الشيخ، إذ بشاحنة كبيرة محملة بالبيض ونادى مناد: بيض طازج بنصف السعر، فتوقفت الجماهير قليلًا، ثم بدؤوا يتسللون فرادي وجماعات ناحية الشاحنة لاقتناص الفرصة، والفوز بشراء بيض بنصف السعر!
وقال البعض: لا مانع من أن نشتري البيض، ثم نكمل الهتافات، وما هي إلا دقائق معدودات إلا والتف المئات حول الشاحنة، ونفد البيض بسرعة مذهلة وفور ذلك كان المكان مليئا بقوات مكافحة التجمهر!
لقد كان من المتوقع أن تبذل قوات مكافحة التجمهر جهودًا مضنية لفض هذا الجمع، لكن ما حدث كان مكرًا عظيمًا.
لقد وضعوا كل متظاهر في صراع شديد مع ذاته، فلقد وقف كل شخص ينظر مرة إلى الجنود وهم ينزلون من سيارات الشرطة، وينظر مرة أخرى إلى البيض الذي هو طعامه وطعام أولاده، وقد دفع ثمنه رغم ضيق ذات اليد، لكن أغلب الناس أدركوا أنهم إذا استمروا في المسيرة فلا محالة من التضحية بالبيض، فآثر المتظاهرون تأمين البيض، وعدم التضحية به، ومن ثم بدأ الجميع في الانصراف وذلك لقناعتهم بأن الوقفات والمظاهرات يمكن أن تتكرر، لكن البيض لن يعوض! إن هذا الموقف يؤكد حقيقة مفادها: أن صاحب الرسالة يجب أن يحدد هدفه بدقة، وأن يكون هذا الهدف واضحًا لديه، وأن يقتنع بأهمية رسالته، ويصر على تحقيق هدفها مهما كلفه ذلك من تضحيات، ومن ثم يبذل الغالي والنفيس في سبيل ذلك، فإذا ما عزم ومضى في أداء رسالته لا يسمح لأي شاغل أن يشغله عن أداء رسالته وتحقيق هدفه.
إن لهواة إشغال الناس عن رسائلهم مكرًا، ولهم في ذلك صورًا وأساليب، وهدفهم من ذلك إشغال الناس عن التفكير في أي إصلاح أو تغيير كي يظلوا مشغولين بما يضمن لهم الحياة من احتياجات أساسية وإن كان فتاتًا، إنها سياسة «جوع تسد، واخدع تقد».
إن معظم الناس تتمحور همومها في تأمين الطعام، وإن كان خبزًا فقط، وتأمين الدواء، وتوفير المسكن والغذاء.
صور شتى من «كرتونة البيض»
تتعدد صور «كرتونة البيض» الخادعة، التي تشغل الناس عن أداء رسالتهم، وتحقيق أهدافهم.
النظام التعليمي:
ففي كثير من البلدان النامية يؤدي النظام التعليمي دور «كرتونة البيض» في إشغال الناس، حيث يركز على الحفظ والاستظهار، وثقافة الذاكرة لا ثقافة التفكير والإبداع، ذلك النظام التعليمي الذي يشغل الطالب والمعلم وأولياء الأمور تمامًا باختبارات تحصيلية معرفية تقيس الحفظ والاستظهار، ولو اختبر فيها بعد أسابيع من انتهاء الدراسة ربما رسب حتى إن كان قد حصل فيه على تقدير امتياز! فهذا النظام التعليمي لا يشغل الطالب فحسب، بل يشغل جميع أفراد الأسرة، ويضع البيت في حالة طوارئ تستمر باستمرار الدراسة ولا تنتهي إلا بانتهاء الاختبارات، ناهيك عن إرهاق الأسرة بالدروس الخصوصية، وإهانة أولادنا بمدارسهم.
الإعلام المضلل:
لو أن الباحثين حللوا ما تبثه الفضائيات ليل نهار، لأطلعونا على نتائج تذهل الألباب، وتحار فيها الأفهام كم فضائية تحرص على تقديم النافع للناس؟! وما الوزن النسبي للبرامج الهادفة في كل فضائية؟! وكم مجلة أو صحيفة تؤدي رسالتها بأمانة وصدق؟! وكم من العلماء يفتح لهم المجال لإفادة الناس بعلمهم إذا قارنا ذلك بحجم الحوارات والمسلسلات الهابطة؟! كم هائل مفسد للأخلاق، ومضيع للقيم، ومستفز المشاعر الفقراء والبسطاء، وذلك بسؤال الفنانين والفنانات عن كل دقائق حياتهم كيف ينامون؟! وكيف يستيقظون؟ وماذا يأكلون؟! وماذا يشربون؟! وكيف يعيشون؟! وما هواياتهم؟! بل تأتي كثيرات من الفنانات على الفضائيات شبه عاريات أو قل شبه كاسيات ليبثثن سمومهن في بناتنا، فيقتدين بهن في غيبة من الأب المسكين المشغول بالعمل ليل نهار لتوفير أدنى مستويات المعيشة لأسرته.
والأعجب من ذلك أن تظهر المتحدثة على شاشة الفضائية، وتجيز لنفسها حق الإفتاء، فتفتي بجواز المعصية باسم الحرية والتحضر والرقي!
الإشغال بالكرة:
لا أنكر أن يفرح الناس، وأن يرفهوا عن أنفسهم، ولا أنكر أنني -كمصري- أفرح دائماً عندما يفوز منتخب مصر، كما أنني -كمسلم- أفرح لأي فريق مسلم فاز في مباراة أو بكأس، كما أفرح لأي فريق عربي يفوز على فريق غير عربي، ولا عيب في ذلك ولا معصية، إنما هي عاطفة منطقية تجيش داخل كل مواطن تجاه وطنه.
بيد أنني تعجبت كثيرًا لاختلال الأولويات عند الناس، وحسبنا تأملات في مباراة مصر والجزائر بالقاهرة، والتي فاز فيها المنتخب المصري بهدفين نظيفين على نظيره الشقيق الجزائري، لقد تعجبت لسخونة الحوارات الإعلامية المتبادلة التي كان وطيسها يتقد ويستعر ويفعل فيها الإعلام أفاعيله، ثم هذا الضجيج الصاخب الذي ملأ الشوارع، وتمنيت أن يحدث ذلك إزاء قضايا كبرى ترتبط بأوطاننا وأمتنا الحبيبة، لقد رأينا الخارجية الجزائرية تستدعي السفير المصري على أرضها لحادث عابر وليس معنى ذلك أنني راض بأي اعتداء ولكنني كنت أتمنى أن يهب الجميع لنصرة مقدساتنا وتحرير أرضنا وعرضنا، وأن نثار لقتل أطفالنا!