العنوان السودان.. تاريخ قيام الدولة الجنوبية تأريخ البداية تفتيت المنطقة!
الكاتب محمد جمال عرفة
تاريخ النشر السبت 08-يناير-2011
مشاهدات 64
نشر في العدد 1934
نشر في الصفحة 14
السبت 08-يناير-2011
المياه و«القاعدة» والصهاينة.. أخطر نتائج فصل الجنوب
توالي تصريحات عن فتح سفارة صهيونية.. وبيع مياه النيل للصهاينة
قادة الجنوب رفضوا استئناف العمل في شق قناة «جونقلي» التي توفر لمصر والسودان ٢٠ مليار متر مكعب إضافية من المياه!
دراسات سودانية: هناك مبررات قوية تفتح شهية تنظيم «القاعدة» لاستجلاب كوادره وتحريك خلاياه النائمة في المنطقة
بينما كان تلفزيون جنوب السودان يبث برنامجًا مباشرًا من أحد الميادين بمدينة «جوبا» الجنوبيين يهتفون بعبارات «الخرطوم.. مع السلامة»، و «لا للوحدة.. نعم للانفصال»، كان جنوبيون آخرون موالون للحركة الشعبية الجنوبية «حركة التمرد السابقة» يعقدون في مدينة القاهرة اجتماعًا آخر يرحبون فيه بالانفصال مثل زملائهم في «جوبا».. ولم يكتفوا برفع أعلام دولة الجنوب المزعومة ولا الهتافات، وإنما عمد بعضهم - في حضور كل أعضاء مكتب حكومة الجنوب في مصر - إلى قص «خريطة السودان» إلى جزأين بين دولة شمالية وأخرى جنوبية وسط هتافات الترحيب الهستيرية!
هذا المشهد وهذه الإرهاصات المؤكدة - لانفصال الجنوب لم تعد أمرًا مستغربًا، رغم أن اتفاق سلام نيفاشاء يفرض على الحركة الشعبية السعي للوحدة بين الشمال والجنوب حتى آخر دقيقة في يوم 8 يناير ٢٠١١م، وقبل ساعات من إجراء استفتاء تقرير مصير الجنوب أو الانفصال المرتقب.
ومع هذا، فلا يزال في القاهرة وواشنطن وبعض العواصم العربية والأفريقية، من تفرغ لا للحديث عن الوحدة بين شمال وجنوب السودان، بعدما أصبحت من الماضي، وإنما للحديث عن المشكلات التي ستسببها للغرب أو القاهرة أو دول الجوار الأفريقي، ناهيك عن السودان نفسه الذي يعتبر كثيرون أن فصل الجنوب ما هو إلا خطة محكمة لتفتيت باقي السودان والقضاء على فرص قيام دولة إسلامية سودانية قوية مترامية الأطراف يمكن أن تتحول يومًا ما إلى إمبراطورية إسلامية تعرقل المطامع الغربية والمصالح الأمريكية العديدة في القارة السمراء.
وقد لاحظت «المجتمع» من خلال مناقشات عديدة مع مسؤولين وخبراء في الخرطوم والقاهرة أن الملفات الأهم والأخطر التي يجري دراستها باهتمام هي مياه النيل وتصاعد «الإرهاب»، أو المخاوف من ظهور قوي لتنظيم «القاعدة» في المنطقة، ردًا على المخططات الغربية ضد السودان وتفتيته، وأخيرًا تزايد الوجود الصهيوني هناك بعدما باتت الشركات الصهيونية تسيطر على فنادق الجنوب بالوكالة، ولا تتورع الحركة الشعبية عن إعلان عزمها إقامة سفارة لـ إسرائيل، في دولة الجنوب!
القضية الأخطر
القضية الأولى والأخطر هنا هي المخاوف من تداعيات الانفصال على ملف المياه خصوصا بالنسبة لمصر والسودان، وأثره على صب مزيد من الزيت على الملف المشتعل من الأصل بين مصر كدولة تعاني من نقص المياه ومخاوف من مشروعات أفريقية على النيل تحجز جزءًا من المياه التي تصل إليها، وسط رفض من دول منابع حوض النيل للاعتراف أصلًا بحقوق مصر في اتفاقية عام ١٩٥٩م بشأن ٥٥,٥ مليار متر مكعب مياه.
فلن يقتصر الأمر على رفض خمس من دول منابع النيل السبع اتفاقية مياه النيل القديمة وتحللهم منها، وعدم الاعتراف بأي حصص مياه للسودان ومصر، وتفعيل اتفاقية إطارية جديدة لا تعترف بهذه الحقوق المائية وتقرر اقتسام مياه النيل، بالتساوي.. وإنما ستنشأ مشكلة جديدة لمصر والسودان لو انفصل الجنوب فيما يخص مسألة مياه النيل بعدما أعلنت حكومة الجنوب رسميًا رغبتها في الحصول على حصتها من مياه النيل، وقولها: «إن جنوب السودان سيصبح الدولة رقم (۱۱) في حوض النيل»، وبالتالي سيتم إعادة توزيع حصص مياه النهر بين الدول الأعضاء في ضوء هذا الواقع الجديد.
كما هدد «د. لوكا بيونق» وزير شؤون مجلس الوزراء الجنوبي مصر كي توافق على الانفصال، قائلا: إن «من مصلحة مصر الاستراتيجية احترام خيار شعب جنوب السودان، وألا تكون عائقًا لطموحاته، لا سيما أن ۸۰% مما يصل إليها من مياه النيل قادم من جنوب السودان»!
وحتى الأمل الذي كانت مصر والسودان تعلقان عليه بموافقة الجنوبيين على استكمال حفر قناة «جونقلي» وحفر قناة أخرى تسمى «مشار»، على أمل أن توفر لمصر والسودان ما لا يقل عن ٢٠ مليار متر مكعب تحل أزمات نقص المياه فيهما مستقبلًا.. هذا الأمل ضاع بعدما رفضت حكومة الجنوب طلب مصر استكمال مشروع القناتين.
وأكد رئيس حكومة الجنوب «سلفاكير» رفضه استئناف العمل في مشروع حفر القناتين قائلًا: إنه «ليس له أسبقية بالنسبة لنا في الجنوب الآن» (!)، ما يعني أن دولة الجنوب الانفصالية هذه لن تأخذ فقط من حصة مصر والسودان المائية وإنما سوف تحرمهما من زيادة نصيبهما من المياه، والأخطر أنها قد تنفذ مشروعات مع الحكومة الصهيونية لبيع المياه لها، كما قال بعض وزراء الحركة الشعبية!
خلايا نائمة
ويُعرب كثير من المختصين السودانيين عن مخاوفهم من أن «انهيار مشروع الدولة الإسلامية في السودان وتفتت البلاد - بداية بفصل الجنوب - بفعل المخطط الغربي سوف يعيد تنشيط «الأصولية الإسلامية» أو تنظيم «القاعدة» في السودان وأفريقيا خاصة أن استراتيجية التنظيم في القارة الأفريقية تهدف إلى تعزيز وجود مكثف لمقاتليه وعناصره المسلحة في عدد من الدول الأفريقية ذات الارتباط الوثيق بالسودان، مثل: الصومال ومالي والنيجر، وكينيا وأوغندا وموريتانيا في محاولة منه لخلق حزام طولي وقاعدة تتمدد في بعض هذه المواقع، لتكون ملاذات آمنة لشبكة مقاتليه وخلاياه الجهادية وتشكيلاته العسكرية، وجعلها منطلقًا لهجمات القاعدة ضد الوجود الأوروبي والأمريكي مستفيدة من حالة الوهن والترهل في تلك البلدان».
وهناك دراسات سودانية ترى وجود مبررات وحجج تغري وتفتح شهية تنظيم القاعدة وحلفائه في المنطقة لاستقدام واستجلاب كوادره للارتكاز وتكثيف وجوده وانتشاره في السودان، بجانب إيقاظ «الخلايا النائمة وتنشيطها بغية تحريكها مع قدوم فترة تقرير المصير التي ستفضي إما إلى الوحدة أو الانفصال».
تغلغل صهيوني
وهذه هي المشكلة الثالثة التي تخشى الدول العربية - خصوصًا مصر - من أن تؤثر على أمنها القومي، فمع توالي التصريحات عن فتح سفارة إسرائيلية في الجنوب عقب الانفصال مندوب الحركة الشعبية الجنوبية في الولايات المتحدة، ثم من «سلفاكير» رئيس حكومة الجنوب «المفترض أنه نائب أول لرئيس عبر السودان حاليًا» وسيطرة الصهاينة واجهات شركات إثيوبية وأوغندية - على فنادق الجنوب وتحكمهم في كل من يدخل أو يخرج من الجنوب عبر كشوف هذه الفنادق، والأنباء التي تتردد عن تمويل صهيوني للمتمردين في الجنوب منذ عام ۱۹۸۳م، لن تكون مفاجأة أن يصبح الجنوب موطنًا للصهاينة الراغبين في سرقة مياه النيل ومصادر الثروة المعدنية «نفط، وماس... إلخ»، وفي حصار مصر من الجنوب.
وما يزيد المخاوف من تغلغل الصهاينة أن إسرائيل تضع السودان على أجندتها منذ خمسينيات القرن الماضي، وهناك خطط تم كشفها تشير إلى أن الهدف من التغلغل الصهيوني هو حصار مصر، وأن الجنوب هو الشوكة والنموذج الذي سيسعى الصهاينة لإدارته ودعمه بمزاعم أنه سيشكل دولة على الطريقة الإسرائيلية، لديها موارد ولا تحتاج سوى الخبرات الصهيونية!
لم يعد انفصال الجنوب - بالتالي - هو القضية المحيرة، ولن ينعم السودان ولا العرب بالسلام والهدوء لو انفصل وذهب بمشكلاته، وإنما سيكون تاريخ قيام الدولة الجنوبية تاريخًا لبداية المشكلات الحقيقية وتهديد الأمن القومي العربي وتفتيت المنطقة العربية إن لم يكن بذريعة «إعطاء الأقليات حق تقرير المصير» فبسلاح الحصار واختراق الأمن القومي والاقتراب من مناطق مواجهة أقرب مع العرب والمسلمين.