العنوان لماذا تأخر النصر؟- مقارنة بين الرؤية السياسية والرؤية الحضارية
الكاتب عامر عبدالله
تاريخ النشر الثلاثاء 22-يوليو-1997
مشاهدات 97
نشر في العدد 1259
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 22-يوليو-1997
لماذا تأخر النصر عن الحركة الإسلامية المعاصرة التي قدمت جهودًا كثيرة، وتضحيات جسيمة، عبر العقود التي مضت من الزمن؟
هذا التساؤل يطرح، بشكل متزايد، من قبل جهات مختلفة، وبصيغ متنوعة، وهو تساؤل مهم وخطير، كما أن محاولة الإجابة عليه مهمة وخطيرة.
لنحاول الإجابة أولًا، على هذا السؤال: من الذي يطرح هذا التساؤل؟
- هذا التساؤل يطرحه البعض من خصوم «الإسلامية» لتشكيك الإسلاميين في قدرتهم على الاستمرار، وتيئيسهم من الوصول إلى النصر والتمكين، فالإسلاميون -في رأيهم- إن كانوا قادرين على تجميع الجماهير وإثارتهم فإنهم ليسوا مؤهلين للقيادة والإدارة.. وإلا فلماذا تأخر عنه النصر؟
- ويطرحه بعض المتعاطفين مع الإسلاميين من مبعث القلق والاستغراب، فهم يبتغون الحصول على إجابة توضح لهم القضية، وتطمئنهم على سلامة الطريق فالإسلامية- في رأيهم- هي دعوة الإسلام والله هو الذي يرعاها وينصرها، وقد انتظر الرسول صلى الله عليه وسلم وبنى للإسلام دولة بعد ثلاثة عشر عامًا لا غير.. فلماذا يتأخر نصر الله عنكم وأنتم «حزب الله!»؟!
- ويطرحه -أخيرًا- الإسلاميون أنفسهم للبحث عن مكمن الخلل، وعلة الإخفاق، فلو أنهم -في رأيهم- قد سفت عقائدهم، وخلصت نفوسهم، وتطهر سلوكهم، وتوحد صفهم، وما كان ينبغي أن يحرموا من النصر هذه المدة الطويلة.. إن في مسيرتهم أخطاء ونواقص.. وإلا فلماذا تأخر النصر عنهم؟!
وأما محاولات الإجابة التي قام بها الإسلاميون فكانت تشترك في أمور وتختلف في أخرى، ومن الأسباب التي عزوا إليها هذا الإخفاق: ضعف الإيمان واختلاط العقيدة بالشوائب والبدع، وضعف العلم الشرعي والانقلاب من ضوابطه والتزاماته في الدعوة والحركة، ضعف مناهج التربية، ضعف الوعي السياسي، الاختلاف والتشرذم بين فصائل الحركة الإسلامية، غياب القيادة الكبيرة التي تصل إلى مستوى المسؤولية، وغيرها.
ثغرات وسلبيات
ومع تقديري لهذه المحاولات، ومع احترامي لأهمية السلبيات والثغرات التي أشاروا إليها، ومع إدراكي لوجود الكثير من الأخطاء والنواقص، ومع ذلك كله فإن لي رؤية أخرى مختلفة، هذه الرؤية لا تتعارض مع بعض الإجابات، وإنما تتعارض مع أصل المسألة.. مع طبيعة التساؤل نفسه.
كيف.. ولماذا؟
أرى أن انتصار الحركة الإسلامية وتمكينها لم يتأخرا، حتى وإن مضت عليها عقود أخرى من الزمن، والذي يعيننا على الاقتناع بهذه الرؤية هو إدراك طبيعة النصر الذي نقول إنه قد تأخر، وطبيعة المعركة التي نرى أننا لم نربحها، فقبل أن نقرر أن النصر قد تأخر أو لم يتأخر ينبغي أن ندرك جيدًا أبعاد المعركة، وأطراف الصراع، وهو الأمر الذي أحاول توضيحه في النقاط التالية:
- إن معركة الحركة الإسلامية في حقيقتها، ليست بين جماعة إسلامية ونظام مستبد في هذه الدولة أو تلك، فهي لم تكن- على سبيل المثال- بين الإخوان وعبد الناصر فحسب.. المعركة -في حقيقتها- تدور بين أنصار المشروع الإسلامي في العالم وأنصار المشروع «التغريبي» العلماني في العالم من حكومات وأحزاب محلية، وقوى، ودول غربية، وعالمية.. وأقول «التغريبي» وليس «الغربي» لأن المشروع الإسلامي، باحترامه لخصوصيات الأمم والحضارات الأخرى، لا يعادي الغرب والغربيين، ولكنه يرفض التغريب والمتغربين.
فهناك -إذن- جبهة إسلامية عالمية- وإن لم تشكل في قوالب رسمية- ويقف في طريقها وطرق مشروعها جبهة عالمية من قوى ومصالح مختلفة.
- وما يزيد من أهمية عالمية المواجهة، وما يزيد من تأثير العالمية في القضية، هذا التطور التقني والعسكري والإعلامي والاتصالاتي الذي يتصاعد بجنون، الأمر الذي جعل العالم قرية صغيرة تستطيع فيها القوى الكبرى التأثير على الدول الضعيفة، حتى إن كانت في أقصى الجانب الآخر من «القرية».. أعني من العالم.
وعلى هذا فقد ترتب على الحركة الإسلامية ألا تحسب حساباتها في إطار بلدها فحسب، بل في إطار العالم، ولا يكفي أن تكون «الإسلامية» قوية مزدهرة في بلد ما، بل يجب أن تكون كذلك في العالم، والغياب الإسلامي كان عالميًا، والاستضعاف عالمي، والصحوة اليوم عالمية، ولن يكون النصر الحقيقي والتمكين إلا عالميًا، والانتصار المحلي في مكان سيكون عونًا وتمهيدًا للانتصار الأكبر -بإذن الله تعالى-.
- وموضوع المعركة ليس سياسيًا فحسب، إذن لهان الأمر، ولكن موضوعه حضاري، فالمشكلة لا تكمن، ولم تكن تكمن، في بعض الأنظمة المتخلفة والمنافقة والعميلة فقط، وهل هي إلا انعكاس لحالنا المزري ثقافيًا، واجتماعيًا، وسياسيًا، واقتصاديًا؟ والمشكلة ليست مشكلة عقود من الاحتلال والأنظمة المستبدة العلمانية، بل إنها لا تعد إلا ناتجًا طبيعيًا لقرون من التخلف والجمود والانحطاط والانهزام أمام الهيمنة الغربية العالمية.
المشكلة حضارية
فإذا كان الأمر كذلك فلا بد أن يكون الحل شاملًا وإذا نفس طويل، لا بد من البدء بالفكر ثم المضي في علمية تغيير ثقافية، واجتماعية، واقتصادية، وسياسية... المشكلة -باختصار- حضارية، وليست سياسية فحسب، ولن يكون التغيير إلا حضاريًا.
- ففي الوقت الذي دخلت فيه الحركة الإسلامية بقوة في الساحة كانت تسير في اتجاه معاكس للواقع في العالم والعالم الإسلامي في جميع النواحي: الثقافية والاجتماعية والسياسية، وأما الأحزاب الأخرى، الوطنية والقومية العلمانية، فكانت تسير ضمن التيار العام، وكان تغيير الواحدة بالأخرى تغييرًا لاسم، أو لشكل، أو لقالب، أو لأداة، لا تغيير برنامج ومشروع وثقافة.. وكان تغييرًا ضمن الأرضية العالمية العامة، موازيًا له وغير منقلب عليه.
وعلى هذا فلا يمكن بحال قياس التجارب الانقلابية المعروفة في العالم الإسلامي بتجربة الحركة الإسلامية.. لأن المشروع مختلف، والهدف مغاير.
- لما كانت معركة «الإسلامية» معرة حضارية شاملة، فإن النصر السياسي لا يعد نهاية المعركة، وإنما هي البداية، ثم تكون المعركة من أجل تحقيق الإسلام في واقع الحياة.
وعلى هذا الأساس لم يكن فوز «الرفاه» الإسلامي بالانتخابات التركية عام 1995م ووصول «أربكان» إلى رئاسة الوزراء ليس ذاك النصر الذي ننشده، إنما هو خطوة على الطريق الذي ما زال طويلًا، لأن الحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية هناك -لا زالت- في عمومها- مجانبة للإسلامية، لأسباب كثيرة.
وإذا أدركنا حقيقة المعركة: أبعادها وأطرفها فإننا نتفهم عظمة الهدف وطول الطريق، وسندرك حينها أن النصر لم يتأخر، وحين نطلع على انتصارات الحركة الإسلامية في المجال الثقافي والاجتماعي المتمثلة بالصحوة الإسلامية العالمية، وحين نطلع على التحولات العالمية، ندرك أننا نقترب يومًا بعد يوم من النصر والتمكين وحين تصبح الأجواء العالمية مناسبة، في العالم الإسلامي على أقل تقدير، حينها سنجد قلاع «التغريبية العلمانية» تتساقط تباعًا، وسنجد انتصاراتك إسلامية «على مستوى السياسة والحكم» هنا وهناك.. وما أحسبها بعيدة عنا.. ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ (المعارج: 6- 7).