العنوان عدم الانحياز.. أين هو؟!
الكاتب المحرر السياسي
تاريخ النشر الثلاثاء 08-مارس-1983
مشاهدات 69
نشر في العدد 611
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 08-مارس-1983
·
التناقض
العميق بين أفراد المجموعة لا تكاد تخطئه عين!
·
إن
لم تبصر المجموعة الإسلامية فجرها بعد هذا الليل الطويل فعليها أن تتحسس رأسها!
·
مؤتمر
عدم الانحياز يعقد في رحاب مذابح المسلمين.
·
المعسكر
الشيوعي هو الرابح الأكبر من التجمع.
تبدأ هذه الأيام (7 مارس
1983م) الدورة السابعة لمؤتمر كتلة عدم الانحياز، الذي ينعقد هذه المرة في جمهورية
الهند، بحضور أكثر من مائة دولة من دول العالم مختلفة المذاهب والمشارب والمطامع
أيضًا! كلها تتخذ من هذا الشعار البراق «عدم الانحياز» دثارًا وستارًا.
وأتى هذا المؤتمر بالنسبة
للدولة المضيفة في وقت أحوج ما تكون فيه إليه! إذ استطاعت ببريق أضوائه وصخب
أصواته أن تصرف الأنظار عن مذبحة من أبشع المذابح التي شهدها التاريخ المعاصر، وإن
كانت مذابح المسلمين ليست غريبة على سياسة الهند، وإقرارها من جانب الأحزاب الهندية
وعلى رأسها حزب المؤتمر من أوجب شروط الفوز في الانتخابات السياسية التي تخوضها
رئيسة الوزراء هذه الأيام «أنديرا غاندي».
والحق إن مجد الهند قائم على
إضعاف الوجود الإسلامي- إن لم يكن محوه- داخلًا وخارجًا، فسياستها الخارجية قائمة
على أساس لا يستطيع أحد أن يزايد عليه هو إضعاف الباكستان المسلمة. وسياستها
الداخلية فيما يبدو متناغمة مع هذه السياسة، بل هي الوجه الآخر لهذه العملة، ومن
ثم فلا غرابة أن تتم هذه المذابح- وهي مازالت مستمرة- وسط سلبية تشبه
الإقرار- بل التحريض- من جانب السيدة الهالكة أنديرا غاندي وحزبها المؤسس على
«دعوى» اللاعنف!
ومع أن مبادئ عدم الانحياز
قائمة على محاربة العنصرية ونبذ العنف فإن المسألة في حقيقتها لا تتطلب أكثر من
رفع الشعارات، والهند مهما فعلت بمواطنيها المسلمين من جرائم ومذابح فهي آمنة من
المساءلة والمؤاخذة الخارجية، لاسيما من حلفائها في كتلة عدم الانحياز التي تؤكد
أكثر ما تؤكد على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين، وعليه فسيتعمد جمهور
الأعضاء المشاركين الإغضاء عن يدي أنديرا غاندي الملطخة بالدماء المسلمة البريئة،
فهم منصاعون لنصوص ميثاق الكتلة التي تلزمهم بأن يكونوا صمًّا بكمًا عميًا إزاء
هذه المسائل الداخلية!
عدم الانحياز.. أين هو؟!
في كل التكتلات والمنظمات
العالمية لا توجد كتلة أكثر تلفيقًا من كتلة عدم الانحياز هذه سوى الأمم المتحدة!
ولعل أحسن ما نعبر به عن عدم الانحياز أنها من أسماء الأضداد بإطلاق معنى وإرادة
غيره، أو هذا هو الواقع، فهذه الكتلة ستلمح فيها كل ألوان الانحياز من محلية
وعالمية، فحتى في دولها المؤسسة من يقوم على تكوين طائفي أو عنصري، وحسبك بالهند
مثالًا، وأما ألوان الولاء أو الانحياز الخارجي فلك أن تتأمل في الدول العربية
المشتركة في هذا المؤتمر، ولن تخطئك الألوان الحمراء أو غير الحمراء المعبرة عن
هوى شرقي أو غربي، وليس فيها من كان ميله على شيء من القصد، فكلهم يذوب عشقًا
لمعسكره الشرقي أو الغربي، وباستثناء قلة قليلة من الدول التي هي في طريقها إلى
المرحلة الاستعمارية كالصين- مثلًا- فلن تعثر على شيء يشبه عدم الانحياز
بمعناه الحقيقي ومسماه الرسمي، وحتى الصين (الشيوعية) تنبئ بنيتها وعناصر تكوينها
بأن المسألة بالنسبة إليها مسألة وقت وفراغ من الهموم الداخلية حتى تتفرغ للعبة
السياسية الدولية والعبث بالصغار. وهي الآن منهمكة في تربية أتباع المستقبل بحفنة
من المعونات والخبرات والمنح الدراسية، توزعها هنا وهناك في الأرجاء المحرومة وما
أكثرها، حتى إذا آن الأوان استردت الثمن البخس أضعافًا مضاعفة، وأساسها تاريخ ذاخر
من تجارب الكبار من السابقين لها، كما أن تجارب تاريخها القديم فيها زاد.. وأي
زاد؟!
ومن هنا يحق لنا القول إن
الرصيد الواقعي لفكرة عدم الانحياز رصيد جد ضئيل، وهو رصيد متلاشٍ أو هو في مرحلة
النفاد، وهذا التهاوي السريع لهذه الفكرة التي كانت رائدة ذات يوم شيء يستدعى
التأمل والتوفر.
متى بدأ الانهيار؟
يبدو أن بذور الفناء كانت
كامنة في الفكرة منذ أول يوم، فهي قد بدأت أول ما بدأت على أهداف مؤقتة تدور كلها
في مناهضة الاستعمار (الشكلي) وتصفية وجوده، ونبذ كل ما ينتمي إليه بصلة من
عنصرية وكيانات شبيهة. ومن ثم فقد قامت الفكرة على أسس مؤقتة، وقد نبه البعض منذ
أول يوم إلى أن الأهداف المؤقتة السريعة ليست ضمانات بقاء كافية، وأن الاستعمار
مسألة زمانية ولا بد من إيجاد صيغ اجتماع إيجابي.
والحق إن أعضاء الكتلة
الأولى (مؤتمر باندونغ سنة 1955م) كانت أهدافهم محصورة ومحددة بداعي التكوين
الخاص للكتلة، التي كانت في أساسها كتلة آسيوية إفريقية ربط بينها همٌّ مشترك هو
المعاناة من الاستعمار، وملأ ذلك الهم عليها حياتها وجعلها أسيرة له.
وقد لاحظ المراقبون أن الأساس
الذي قامت عليه المجموعة هش جدًّا ويمكن أن يسقط لأتفه سبب، فقد كان التناقض
قائمًا بين أفراد الكتلة المؤسسة التي ما لبثت أن قامت الحروب بينها- الهند
وباكستان- مع تأكيدهم على نبذ العنف واللجوء إلى السلم في كل المنازعات!
ثم إنه ومع تقرير الأعضاء
المؤسسين في باندونغ لترسيخ الاستقلال السياسي وعدم الانطلاق من مصالح القوى
الطاغوتية، إلا أن أكثر من ثلثي الأعضاء كان يتلقى معونات مباشرة من أميركا (20
دولة من 29)، بل إن من الأعضاء من قام في ذلك المؤتمر منبهًا إلى إيجاد صيغ
واقعية تتخلى عن الإلحاف في السؤال بتحديد العلاقة مع الكبار الذين لا استغناء
عنهم (أي أميركا)، واستطاع ذلك العضو أن يقنع رفاقه المؤتمرين بإقرار الأمر
القائم يومها من أحلاف وقواعد استعمارية وما إليه- شارل مالك وزير خارجية
لبنان يومها- ومن هنا خرجت توصيات ذلك المؤتمر خليطًا متناقضًا من الآراء
والأفكار، ولا غرابة فقد كانت قرارات المؤتمر هي المرآة التي تعكس وجوه أعضائه،
ومن أطرف ما يساق في مفارقات ذلك المؤتمر أن ممثل إحدى الدول نادى بالنص على نبذ
كل صور الاستعمار الغربي والشرقي، ولما كان ذلك يمس كرامة بعض الأعضاء كالصين
مثلًا؛ فقد ثار جدال طويل ومحاضرات حول الفروق الجوهرية بين الإمبريالية والشيوعية،
واقتنع العضو المجادل بصيغة جديدة لمراده تنادي برفض كل مظاهر الاستعمار -أي
استبدلت كلمة «مظاهر» بكلمة «صور» وانتهى الإشكال!
إن هذه الطرفة تلخص صيغة
التعايش الهشة التي قامت عليها تلك المجموعة، فسيعمد أعضاء الكتلة إلى إخفاء
الفروقات الجوهرية بينهم وسط تعابير مائعة وصور من اللغة الخلابة، ففي الحكاية
السابقة قيل إن الشيوعيين ومناوئيهم خرجوا وكلٌّ يزعم أنه المنتصر بتقرير ذلك
النص! فالموالون للشيوعية فسروه على رفض الاستعمار الغربي فقط وهذا نصر سياسي
للمعسكر الشيوعي! والموالون للغرب فهموا النص على أنه إحراج للشيوعيين، وأيضًا
كانت هناك الكتلة الناشدة للاستقلال عن المعسكرين الرأسمالي والشيوعي، وذهبت في
التفسير والتأويل مذهب أنها هي المنتصرة الوحيدة بحكم ذلك النص!
الحياد الإيجابي واللعبة
الشيوعية
لقد كانت الأصابع الشيوعية
تعمل في تحريك الكتلة الإفريقية الآسيوية منذ أول يوم؛ ذلك أن ميول المؤسسين وعلى
رأسهم سوكارنو وشوان لاي وغيرهما كانت شيوعية الفحوى بلا كثير جدال. والقيادات
الشابة في إفريقيا بوجه أخص كانت ترحب بالشيوعية؛ على أساس أنها البديل المتوافر
للوحشية الغربية، وللأفارقة تاريخ أليم كله مآسٍ وآلام مع «البيض». ومن ثم كانت
الماركسية هي التيار الحاكم للكتلة من ناحية عملية.
ومن أوضح الأدلة التي تساق
لذلك أن مؤتمر باندونغ حمل في مقرراته رفض التسابق في التسلح وجنون القنبلة الذرية
والأسلحة الفتاكة، وفي عشية انعقاد المؤتمر تم تفجير نووي سوفييتي، ومع ذلك لم
يستطع المؤتمر أن يسجل مجرد تحفظ على ذلك؛ مراعاة لميول بعض أعضائه من جهة
ولاعتماده للصيغ المائعة في التعبير من جهة أخرى، فاكتفى بالموقف السلبي.
وساعد على الاندفاع في
الأحضان الشيوعية سياسة أميركا المتعجرفة في ذلك الحين والتي كانت تطلب من الجميع
أن يكونوا عبيدًا خاضعين، وحين رفضت أميركا تسليح مصر بعد أزمة السويس بدأ عبدالناصر
في الاتجاه نحو المعسكر الشرقي قليلًا قليلًا، وانتهز الروس وحلفاؤهم الفرصة
فوظفوا الحاجة إليهم أحسن استغلال، وتجلى ذلك في قصة السد العالي وتكفل الروس
ببنائه بعد أن سحبت أميركا تمويله.
في تلكم الأثناء تحرك تيتو
ودعا لقمة عنده في بلغراد، دعا لها الأعضاء القدامى من مؤتمر باندونغ وفي مقدمتهم
نهرو وجمال عبدالناصر، وكان ذلك بعد ست سنوات من ذلك المؤتمر الأول، أي في عام1961م
وقد بدا حينها أن آمال باندونغ قد ذهبت أدراج
الرياح، فكانت قمة بلغراد صورة إحياء له مع إحلال صيغ تتبدى وكأنها أكثر فاعلية
وهي مسألة «الحياد الإيجابي»، وسيظل المعسكر الشرقي منذ ذلك اليوم المستفيد الأول
من كتلة عدم الانحياز!
العالم الإسلامي وعدم
الانحياز
لقد كان في امكان الكتلة
الإسلامية أن تكون الرائدة والمسيطرة على فكرة عدم الانحياز، فالمعنى البادي من
الفكرة من المعاني التي تخدمها، ولكنها للأسف ما ظهر ممثلوها في الساحة السياسية
إلا وهم مفرغون تمامًا من معانيهم الأصلية، وبحكم بنائهم الأول لم يستطيعوا أن
يتحركوا أو ينفعلوا الانفعال المنشود بالمعاني «الجديدة» الممسوخة التي تشربوها.
ومع أن الكتلة الإسلامية كانت
كبيرة العدد فإن الأسباب المشار إليها جعلتها خادمة لكل مصلحة إلا المصلحة الذاتية
الإسلامية! وقد نزلت إلى الميدان متنازلة عن كل مبادئها بزعم أن الأوان أو أن
صيغًا جامعة لا مكان فيها للتكوينات الخاصة ولا «التعصب».. أو غرتهم كلمات الثعلب
الهندي نهرو الذي كان يتشدق بحب الإسلام ويخطط من الوراء لضرب باكستان، وانخدعوا
بالشعارات البراقة وغدوا ضحاياها الوحيدين.
وفي تلكم الأثناء خلت الساحة
للشيوعيين وأتباعهم ليملأوا الفراغ بفكرتهم دون أن يلحظ أحد ذلك أو يبالي به،
وساعد في الأمر تلك الصيغ المائعة التي ترضي وتقنع الجميع.
وما استطاعت الكتلة الإسلامية
أن توظف مجموعة عدم الانحياز إلا بمعشار ما وظفت له، وفيما كانت الأيام تمضي كانت
الكتلة الإسلامية يتبعثر ولاؤها الأم بكل الأشياء التي يمكن أن تغدو أدوات إيجابية
في يدها، فستتكون الكتلة العربية لتوزع من الولاء الإسلامي وستتبعها أو تسبقها
الكتلة الإفريقية. وكل هذه المجموعات يكون للإسلام الجغرافي فيها نصيب الأسد، ولكن
موات الفاعلية والتفاعل بالرسالة يجعلها أصفارًا على الشمال!
مصير الكتلة
لقد بدأت مجموعة عدم الانحياز
كصورة من تجسيد الاستقلال ونفي التبعية في مختلف صورها، ولكنها فيما بدا من خلال
الاختبار الجاد أنها طوال تاريخها الممتد لربع قرن من الزمن أو يزيد لم تبرهن على
حيثية مؤكدة لهذه الحقيقة، بل لعلها تُرى مسرعة في التولي عن أهدافها ومبادئها
التي نذرت لها نفسها.
والأشياء العملية التي تخدم
الفكرة لم تلاقِ النصيب المنشود من الاهتمام، فمسألة التخلص من الاستعمار الجديد
في صوره الثقافية والاقتصادية لم تنل نصيبًا مذكورًا من الجهد والاهتمام، والحياد
الإيجابي يؤكد سلبيته كل يوم.
وفي المؤتمر التحضيري للقمة
الحالية واجهت المجموعة مشكلة أفغانستان واحتلالها من جانب القوات الشيوعية
الروسية، وبحكم الولاء الذي يربط جزءًا كبيرًا من المجموعة تحاول لجنة الصياغة أن
تتجافى عن هذه المسألة، وبقية الأصوات الجادة تنادي بالنص عليها مهما كان الثمن..
وهذه صورة مذكرة بما ذكرناه في صدر هذا المقال عن الصيغة الجامعة الهشة لهذه
الكتلة.
وإن كان أصحاب عدم الانحياز
لا يستطيعون أن يعبروا عن قضية واضحة تجسدت فيها كل مبادئهم التي ينادون بها كقضية
أفغانستان وإذا كانوا يشعرون بالحرج من مسألة كهذه فكيف بالأمور الأخرى؟!
ومن هنا فإن الكتلة صارت
«أممًا متحدة» ولكن بدون كبار الطواغيت الأربع، وجدير بالمجموعة المنتمية للعالم
الإسلامي أن تنتبه لمصالحها وألّا تُضيِّع أكثر مما أضاعت، وأمامها تجارب ربع قرن
من الزمان، إن لم تبصر فجرها بعد هذا الليل الطويل الممتد عليها طوال الزمان
السابق فجدير بها أن تتحسس رأسها!