; محادثات مشاكوس والملفات الصعبة | مجلة المجتمع

العنوان محادثات مشاكوس والملفات الصعبة

الكاتب محمد حسن طنون

تاريخ النشر السبت 07-سبتمبر-2002

مشاهدات 55

نشر في العدد 1517

نشر في الصفحة 28

السبت 07-سبتمبر-2002

معضلة اقتسام السلطة أخطر من اقتسام الثروة

  • جارانج يحاول استغلال شغف الجميع بالسلام في السعي لتحقيق مكاسب غير واقعية

  • التخوفات المصرية والعربية من الانفصال جاءت متأخرة؟

مفاوضات مشاكوس 2 ليست بالسهلة لأنه مطروح على مائدتها تفاصيل دقيقة عن قسمة السلطة والثروة بين الشمال والجنوب، ولكن رغم هذه الصعوبة فإن تحريات المجتمع -استنادًا إلى المصادر اللصيقة بالجهات صاحبة القرار- تؤكد أن الفريقين سيتوصلان في النهاية إلى اتفاق سلام يوقف الحرب في جنوب السودان التي امتدت منذ عام 1955م إلى اليوم، وسيتم وقف إطلاق النار قريبا، تقول هذه المصادر إن السبب بسيط هو أن الجهات غير السودانية النافذة التي ساهمت في إشعال الحرب قررت إيقافها لعدم جدواها، إن هذه الحرب قد أضرت بمصالحها وخاصة فيما يتعلق بالنفط.

لغة السلام هي اللغة السائدة اليوم في السودان، والكل يتحدث أحزابًا وجماعات وهيئات وأفرادًا عن ترتيبات ما بعد السلام، فقد رفع الآن شعار «سلام، وحدة تنمية».

 المزاج الأمريكي للإدارة الحالية بعد أحداث 11 سبتمبر وبعد اكتشاف النفط في السودان شماله وجنوبه، قد تغير تمامًا، وقد جاء السيناتور دان فورث وتحرك وفق خطة مدروسة تستند إلى الاعتدال والثقة، وهي مقبولة لدى الحكومة السودانية، لأنها لا تمس مصالح البلاد العليا، ولا ثوابت الأمة، كما أن هذه الخطة المدروسة تحقق للجنوبيين تطلعاتهم في قسمة السلطة والثروة.

الرئيس عمر البشير، يؤكد في خطبه ولقاءاته أنه لا تنازل عن ثوابت الأمة وتوجهاتها الإسلامية بعد أن تمكنت البلاد من تجاوز الضغوط والحصار الذي فرض عليها من قبل القوى العالمية، واستطاعت أن تبني نفسها سياسيًّا، واقتصاديًّا، وعسكريًّا، ويؤكد البشير أن الحكومة جادة في تحقيق السلام والوحدة الوطنية، ووضع حد للحرب التي تسببت في تشريد المواطنين، وتدمير البنيات الأساسية.

التفاؤل الشديد من الجميع ناتج من أنهم قد سئموا الحرب.

أمريكا وغيرها من الدول الطامعة في خيرات السودان تعرف تمامًا أن السودان هو ثالث ثلاث دول في العالم، تملك كل مقومات الموارد الطبيعية اللامتناهية، وهذه الدول الثلاث هي كندا، وأستراليا، والسودان.

لكن المحادثات الحالية قد تصطدم بعقبات تعوق التقدم نحو السلام عند مناقشة تفاصيل تقسيم السلطة، وأهم عقبة هي عقبة منصب النائب الأول لرئيس الجمهورية حيث سربت جهات أجنبية معروفة إيحاءات تقول: إن الاتفاق في موضوع تقسيم السلطة سيتضمن أن يكون رئيس الجمهورية شماليًّا مسلمًا، والنائب الأول جنوبيًّا مسيحيًّا، ويرشح له جون جارانج، ولا يلتفت أحد لتلك الأخبار التي تناقلتها بعض الصحف الأجنبية عن رئاسة تناوبية للسودان بين الرئيس عمر البشير والمتمرد جون جارانج لكل ثلاث سنوات في أثناء الفترة الانتقالية؛ لأن قبول مثل هذا العرض مستحيل، أما العرض الأول، وهو ما يتعلق بمنصب النائب الأول، فقابل للتفاوض.

السيد علي عثمان محمد طه هو الذي يشغل هذا المنصب الآن، وقد تقلد هذا المنصب بعد استشهاد المشير الزبير محمد صالح، وهو أول نائب أول مدني، فقد جرى العرف أن يكون النائب الأول -وهو منصب استحدث أيام حكم الرئيس الأسبق جعفر النميري- عسكريًّا.

السيد علي عثمان أبدى استعداده للتخلي عن منصبه، إذا كان ذلك ثمنًا للسلام في السودان.

الأخبار المتسربة من الغرف المغلقة في مشاكوس تفيد بأن وفد الحكومة قد طرح تصوره عن قسمة السلطة، وهو ينص على اعتماد نظام رئاسي خلال الفترة الانتقالية يكون رأسه الفريق عمر البشير، ونائبه جون جارانج، ولكن وفد حركة التمرد رفض هذا الاقتراح، واقترح في المقابل نظامًا رئاسيًّا تكون رئاسته دورية وإزاء هذا التباعد في وجهات النظر، ينشط الوسطاء والمراقبون من منظمة الإيقاد وشركاء الإيقاد للتقريب بين مقترحات الطرفين، وردم الهوة بين المواقف الأولية.

حركة التمرد تريد أن تستغل شغف الجميع للسلام، بتحقيق مكاسب غير واقعية هم يعلمون أن سكان الجنوب سدس سكان السودان من حلفا إلى غولي، والمسيحيون في جنوب السودان لا يشكلون أكثر من 17%، بينما المسلمون نسبتهم 18% والوثنيون 65%، حسب إحصاءات وإفادات مجلس الكنائس العالمي.

نظريًّا، فإن الدستور الحالي المجاز باستفتاء شعبي عام 1998م، قائم على أساس المواطنة؛ فكل السودانيين متساوون في الحقوق والواجبات، لا فرق بين مواطن وآخر على أساس الدين أو الجنس أو اللغة، وقد ترشح لرئاسة الجمهورية جنوبي غير مسلم منافسًا للرئيس عمر البشير، مع آخرين، هذا نظريًّا أما عمليًّا، فالجنوبيون يعلمون أن فوزهم بمنصب رئيس الجمهورية على أساس ديني مستحيل، لذلك فهم يطمعون في منصب نائب رئيس الجمهورية بسلطات أوسع؛ إذ إن هذا المنصب أصلًا متحقق لهم كنائب ثان الرئيس الجمهورية.

نحن نعلم أن جون جارائج عندما بدأ حركته التمردية ضد السلطة في السودان في مايو عام 1983م، قبل تطبيق أحكام الشريعة كانت له أجندة واضحة، هي تحرير السودان من العرب والمسلمين، ليخرجوا منه كما خرجوا من الأندلس، كما كان يقول صراحة في أول أيامه، ولذلك مدد تمرده إلى مناطق خارج حدود المديريات الجنوبية، وهي مناطق جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق، وشرق السودان، مستغلًا أصول سكان هذه المناطق، واليوم هو يطرح في المفاوضات فكرة إعادة هيكلة السلطة، وهذه الفكرة تعتمد أساسًا على فكره العنصري البغيض الذي يروج له من قديم على أن العنصر العربي لا يشكل إلا نسبة 31% من سكان السودان، ولذلك فهو يطالب بإعادة هيكلة السلطة بحيث تؤول المناصب الرئيسية في الدولة للعنصر غير العربي، وواضح أن هذه الفكرة عنصرية عرقية لا دينية ولا ثقافية، فهو يعلم أن المسلمين سواء كانوا من أصول عربية أو غيرها نسبتهم 80% بغض النظر عن اللون والجنس والعرق، وأن هذه الأغلبية الساحقة لا تقبل أن يتسلط عليها مسيحي بهذه الحجة العنصرية الواهية، وجون جارائج نفسه يعلم أن نسبة العرب في السودان أكثر بكثير من النسبة التي يروج لها، وأن كل سكان السودان بمن فيهم سكان الجنوب يتخاطبون باللغة العربية لا بأي لغة أخرى، ولذلك كانت اللغة الرسمية للبلاد في كل دساتيرها هي اللغة العربية حتى في اتفاقية الخرطوم للسلام، التي وقّعتها فصائل جنوبية متشددة تدعو إلى الاستقلال، نجد أن اللغة الرسمية هي اللغة العربية كما كانت كذلك في اتفاقية أديس أبابا عام 1972م، وجون جارانج يعلم أن كل من تحدث باللغة العربية فهو عربي، وأن المسلمين لا يمانعون أن يرأس دولتهم في السودان جنوبي مسلم مقتدر، له كل صفات الأهلية، كما تنص على ذلك مبادئ وقيم الإسلام الذي يبغض العنصرية أشد البغض ويعتبرها جاهلية.

في الجولات القادمة من المفاوضات من المتوقع أن يثير وفد حركة التمرد زوبعة للوصول إلى أكبر قدر من المكاسب، ولكن الحكومة لن ترضخ، والوسطاء سيتدخلون لكبح جماح طموحات جارانج اللامحدودة.

مم تخاف مصر؟ من الانفصال أم من الحكومة الإسلامية في الشمال؟

العلاقات المصرية السودانية توترت بعد اتفاقية مشاكوس، وقد ظهر هذا التوتر في تصريحات بعض المسؤولين المصريين وبعض الكُتاب.

مصر خائفة حقًّا من أن يؤدي الاستفتاء على تقرير المصير إلى انفصال جنوب السودان، وترى مصر أن في ذلك خطرًا كبيرًا.

 السودانيون آمنوا إيمانًا مطلقًا بأن انفصالًا بسلام خير ألف مرة من وحدة بحرب تستنزف الشمال حتى الموت؛ فخيرة شباب ورجال السودان قاتلوا وقتلوا في هذا الحرب المجنونة أطول الحروب الأهلية، وكل موارد البلاد المادية استهلكت في الحرب، فلا يمكن احتمال ضياع الوقت والجهد والموارد المادية والبشرية من غير طائل، والسودان ظل يقاتل وحده نصف قرن من الزمان.

الجنوب عبء ثقيل على الشمال منذ الاستقلال سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا واجتماعيًّا، والجنوب هو الذي يحتاج الوحدة أكثر من الشمال، ولكن المثقفين الجنوبيين الذين تربوا في أحضان كنائس الغرب هم قادة الانفصال، وعلى رأسهم جون جارانج، الذي يتوق إلى احتلال المناصب الرفيعة في دولة مستقلة خدمة للصليب وأهله.

إن كان خوف مصر أن قيام دولة جديدة على مجرى النيل يهدد أمنها المائي، ويقلل من حصتها، فهو خوف مشروع، ولكن الرئيس البشير يرى أن هذه المخاوف لا مبرر لها؛ لأن مياه النيل تحكمها اتفاقات دولية ملزمة، كما يمكن إقامة مشاريع كثيرة مثل قناة جونجلي التي ستزيد من كميات المياه لمصر والسودان معًا.

خوف مصر والعرب من الانفصال جاء متأخرًا، ولسان حال السودان اليوم قول المتنبي:

لا ألفينك بعد الموت تندبني        وفي حياتي ما قدمت لي زادا 

ولكن كتابات وأقوال بعض كبار الكتاب الناقدين في مصر تؤكد أن مصر خائفة من الدولة الإسلامية في الشمال أكثر من خوفها من الدولة المسيحية في الجنوب.

د. مصطفى الفقي قال بصراحة: «إن مصر تخاف من احتمال وجود إسرائيلي في الجنوب، أو قيام دولة دينية في الشمال».

وجاء مكرم محمد أحمد رئيس تحرير مجلة المصور للسودان، وقال في لقاءاته: «إن مصر ترفض تقديم الدين على الدولة»، وأضاف إن مصر لم تطالب الحكومة بأن تقدم الدين على الدولة ومصر لم تُسم ما يحدث في الجنوب إنه جهاد.

بعض السودانيين ردوا على التخوف من وجود إسرائيلي في الجنوب بأن إسرائيل كدولة دينية يهودية متعصبة - موجودة ومعترف بها من القاهرة، وليس سرًّا علاقة جون جارانج مع «إسرائيل»، فقد كان ينتقل بحرية ما بين القاهرة وتل أبيب.

كما أن حق تقرير المصير ليس وليد الساعة فالحكومة البريطانية التي كانت تستعمر السودان قالت بهذا الحق ضمنًا عام 1954م حينما جعلته أحد ثلاثة خيارات:

- أن يتوحد الجنوب مع الشمال.

- أن ينضم الجنوب إلى شرق إفريقيا.

- أن يقسم الجنوب بين شرق إفريقيا وشمال السودان. ومعروف أن مصر كانت شريكة بريطانيا في حكم السودان بما عُرف بالحكم الثنائي.

كما أن التجمع الوطني الديمقراطي الذي يقوده محمد عثمان الميرغني سياسيًّا، وجون جارانج عسكريًّا، والذي يتخذ من القاهرة مقرًا له قد أقر في مؤتمر أسمرا حق تقرير المصير واتفاقية الخرطوم للسلام عام 1997م أقرت هذا الحق فلماذا تتحرك القاهرة الآن؟

واضح لدى المسلمين في السودان أن تخوف مصر الرسمية نابع كما يسميه الكُتاب العلمانيون «بالحكومة الدينية»، في الشمال بعد أن اعترف المجتمع الدولي المؤثر في السياسة العالمية بهذه الحكومة.

الرابط المختصر :