العنوان جلال آباد لماذا تأخر سقوطها حتى الآن؟
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 06-يونيو-1989
مشاهدات 70
نشر في العدد 919
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 06-يونيو-1989
منذ أن بدأ المجاهدون هجومهم الشامل على مدينة جلاد آباد- ثالث أكبر المدن الأفغانية في السادس من مارس الماضي والناس في شغل شاغل بجلال آباد وأخبارها خاصة بعد ما سعى الإعلام الغربي متضامنًا مع وسائل الإعلام السوفياتية وغيرها التابعة لنظام كابل إلى تصوير معركة جلال آباد على إنها المعركة الفاصلة في مسيرة الجهاد الأفغاني وإن تأخر سقوط جلال آباد يعني فشل الحلول العسكرية في حسم القضية الأفغانية- خاصة بعد إعلان السوفيات إنهم قد أتموا خروجهم الكامل من أفغانستان في منتصف فبراير الماضي ومن خلال هذه الإدعاءات فقد اتسعت رقعة المؤامرات التي تهدف إلى تفويض الجهاد الأفغاني والسعي لإيجاد حلول سياسية أعلن المجاهدون مرارًا رفضهم لها فهل حقًا أثبت تأخر سقوط جلال آباد يعني فشل المجاهدين في إمكانية إسقاطهم للمدن الكبرى؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك فلماذا تأخر سقوط جلال آباد حتى الآن؟ ومتى تسقط؟ وما هي حقيقة الوضع حولها الآن؟
لعل الإجابة عن هذه التساؤلات توقفنا
على حقيقة الوضع وبحجم المعركة وأسباب تأخر سقوط المدينة خاصة وإن المجاهدين قد
أعلنوا مرارًا من قبل أن جلال آباد على وشك السقوط.
طبيعة الوضع الآن حول جلال آباد:
يوجد في ولاية ننجرهار التي تعد جلال
آباد عاصمتها ثلاثة عشرة مديرية وبضعة نواحي تابعة لها تتمكن المجاهدون منذ بداية
معارك جلال آباد من تحرير كل هذه المديريات عدا مركز مدينة جلال آباد ومديرية «سرخ
رود» التي تقع غرب المدينة وتعتبر ضاحية من ضواحيها وناحية «بهسود» التي تعد
البوابة الشمالية الشرقية للمدينة وتعد أيضًا جزءًا منها ومن الناحية الجنوبية
سيطر المجاهدون على معظم المراكز التابعة للمدينة ولا يوجد بينهم وبين المطار سوى
عدة مئات من الأمتار وكل المراكز الهامة الأخرى المحيطة بالمدينة سقطت في أيدي
المجاهدين وهي «دكلويزكبير- خوش كمبت- أده- سمر خيل» ويتعامل المجاهدون الآن بصورة
مباشرة مع القوات التي تحمي المدينة مثل الفرقة 81 ولواء كولي أوردو والمراكز
المتواجدة في منطقة الشيخ مصرى وسرخ رود وسرخ كان وتعتبر هذه هي مراكز القوات
المحيطة بالمدينة لحمايتها من المناطق المختلفة ويقوم المجاهدون بشن هجمات مختلفة
من آن لأخر على هذه التجمعات حيث يتوالى سقوط المراكز الصغيرة حولها كل يوم
تقريبًا وهذه القوات تتواجد على مساحة تقدر مع حجم المدينة بحوالي 28 كم مربعًا
بطول سبعة كيلومترات وعرض أربعة كيلومترات تقريبًا وذلك حسب تصريح مصدر عسكري رفيع
المستوى في حكومة المجاهدين.
ومع قيام قوات نظام كابل بتحصين
مراكزها الدفاعية حول المدينة في محاولة لاكتساب أرض جديدة أو للحفاظ على ما تحت
أيديهم من مناطق فإن المجاهدين يقومون بهجمات مشتركة شاملة يدمرون فيها هذه
المراكز وعادة ما يستولون على مراكز جديدة ويقول سازنور القائد العام للمجاهدين في
جلال آباد في تصريح خاص «نحن بفضل الله نسيطر على كافة النقاط الحساسة والمراكز
المرتفعة ولولا الألغام الحديثة التي وضعوها في كل شبر حول مراكزهم وحول المدينة
علاوة على الغارات العنيفة التي تشنها طائرات الباكفاير وطائرات النقل والميج 29
لحسمت معركة جلال آباد منذ بدايتها لكن حرب المدن لها طبيعتها ونحن لا زلنا نتعامل
بوسائل بدائية مع أحدث الأسلحة العالمية» إذن فالمعارك مستمرة حول جلال آباد لكن
ما هي العوامل التي أدت إلى تأخر سقوطها حتى الآن؟
أسباب تأخر سقوط جلال آباد:
إن لكل معركة طبيعتها وخصائصها وظروفها
المحيطة بها ولعل إدراك طبيعة الزمان والمكان في المعارك يجعلنا نقف على الأسباب
والعوامل التي قد تؤدي إلى طول المعارك أو قصرها وهناك أسباب وعوامل مختلفة أدت
إلى طول معركة أو قصرها وهناك أسباب وعوامل مختلفة أدت إلى طول معركة جلال آباد
وإلى تأخر سقوط المدينة حتى الآن منها:
1- التحصين الشديد الموجود حول المدينة سواء من
قديم بوصفها أهم المدن الحدودية في المنطقة الشرقية بالنسبة لأفغانستان كما إنها
تعد المدخل السهل إلى العاصمة كابل علاوة على مكانتها التاريخية والاستراتيجية
والتجارية وعلاوة على التحصين القديم فقد دعم الشيوعيون تحصيناتهم خلال السنوات
الماضية وأنشأوا بها وحولها عشرات الأنفاق والمخابئ والحصون التي تكفل للقوات
المدافعة عنها أن تستمر أطول فترة ممكنة في حمايتها والدفاع عنها وقد اتضح هذا من
خلال العديد من المراكز التي استولى عليها المجاهدون في الفترة الماضية والتي
يتعجب الإنسان لحصانتها وكثرتها حتى أن أحد قادة المجاهدين قد علق على سقوط هذه
الحصون قائلًا «إننا بكافة وسائل وأسباب القتال ما كنا نستطيع أو نتصور أن تسقط
هذه الحصون بأيدينا ولكننا نرى قدرة الله وعونه لنا في كل خطوة نخطوها في طريق
الجهاد».
2- طبيعة الأرض المكشوفة التي يقاتل عليها
المجاهدون دون أية حماية طبيعية أو عسكرية تجعل كافة تحركاتهم مكشوفة بواسطة
طائرات العدو التي يصل معدل غاراتها إلى أكثر من ست عشرة غارة في الساعة الواحدة
أحيانًا مما يربك صفوف المجاهدين ويعيق تحركاتهم.
3- استمرار وصول الإمدادات ليلًا إلى القوات
الشيوعية المحاصرة داخل المدينة حيث ذكرت بعض التقارير التي نشرت مؤخرًا إلى أن
نظام كابل يرسل يوميًا قافلة قوامها خمسين طائرة نقل هليكوبتر تقوم بنقل كافة
المؤن والذخائر ليلًا إلى جلال آباد وهذه الطائرات لا تحتاج إلى مطارات حتى
تساعدها في عمليات الإقلاع أو الهبوط وهذا أيضًا سبب من أسباب صمود الشيوعيين
واستمرارهم في القتال.
4- الألغام التي تغطي كل شبر حول مراكز الشيوعيين
وهي تعد سلاح حمايتهم الأول الآن حيث قاموا ويقومون بزراعتها في كل منطقة تطأوها
أقدامهم ولا يتركون إلا بعض الطرق التي يستخدمونها حتى أنهم أحيانًا يلغمونها
بإلغاء خاصة لا تنفجر إلا من غرفة تحكم خاصة خوفًا من هجوم المجاهدين عليهم من هذه
الطرق وقد صرح أحد قادة المجاهدين قائلًا «إن أكثر من سبعين في المائة من شهدائنا
وجرحانا هم من ضحايا الألغام وغالبًا ما تتسبب الألغام المتواجدة حول مراكز
الشيوعيين في فشل كثير من عمليات المجاهدين وهجماتهم التي تتم ليلًا بسبب انفجار
بعضها تحت أقدام المجاهدين مما يتيح الفرصة للشيوعيين بأن يدركوا مكمن الخطر وجهته
فيقومون بقصف المجاهدين قصفًا شديدًا يجبر المجاهدين في كثير من الأحيان على حمل
شهدائهم وجرحاهم والعودة إلى مراكزهم مرة أخرى.
5- وجود خمسين ألف مدني لا زالوا يعيشون داخل
المدينة حيث يمنع الشيوعيون هجرتهم حتى يشكلوا حماية لهم من هجمات المجاهدين يجعل
المجاهدين يتحسبون في هجماتهم وقصفهم للمدينة التي لا يبعد مركزها أكثر من خمسة
كيلومترات عن بعض مواقع المجاهدين وذلك حتى يحافظوا قدر الإمكان على أرواح هؤلاء
خاصة وإن كل المجاهدين الذين يقاتلون حول جلال آباد أو معظمهم هم من أهل جلال آباد
نفسها.
6- استماتة قوات نظام كابل في الدفاع عن المدينة
واعتبارها معركة جلال آباد معركتها الفاصلة وذلك لإن معظم قيادات الحزب الشيوعي
ومنشأة كان من جلال آباد علاوة على اعتقادهم بأن سقوط جلال آباد هو سقوط لكل شرق
أفغانستان ومن ثم سقوط كابل نفسها، وعلاوة على ذلك فإن تأخر سقوط جلال آباد يتيح
لحكومة كابل فرصة أكبر للمناورة السياسية ومحاولة إقناع دول العالم بأن تتدخل لحسم
المعركة سياسيًا وأن يتحول الرأي العام العالمي إلى النظر لقضية أفغانستان على
أنها صراع داخلي يصعب على كلا الطرفين حسمه ومن ثم فلا بد أن يأتي الحسم من الخارج
وهذا ما تسعى له القوى الدولية الآن.
7- عدم التكافؤ البين في موازين القوى بين
المجاهدين والشيوعيين في معركة ميدانية يمتلك فيها الشيوعيون أحدث الأسلحة
والطائرات المتقدمة التي يستخدم السوفيات بعضها لأول مرة مثل طائرات الباكفير في
الوقت الذي يتحرك فيه المجاهدون على أرض مكشوفة ولا يملكون إلا الأسلحة الخفيفة
وبعض المدفعية الثقيلة والدبابات التي استولوا عليها من الجيش العميل وهذه هي في
حد ذاتها لا تسمح بالموازنة العسكرية باستمرار المعركة إلى هذا الحد علاوة على أن
أعداد المجاهدين على أعلى رقم ذكر يبلغوا عشرة آلاف مقابل ما يزيد على ثلاثين
ألفًا من قوات نظام كابل مسلحين بأحدث الأسلحة ومدربين أرقى التدريبات.
8- طبيعة حروب المدن على مدار التاريخ أنها حروب
لا تحسم في يوم أو يومين أو شهر أو شهرين بل أن بعضها يمتد إلى شهور طويلة من
الحصار وقد ينتهي بالفتح أو الصلح أو عودة الجيش المهاجم إلى أدراجه يجعلنا نضع
المعركة في حجمها الطبيعي قياسًا إلى ما حققه المجاهدون من انتصارات حولها حتى
الآن- تفوق كما ذكر الأستاذ سياف ما حققه المجاهدون خلال سنوات عدة ولا يخفى علينا
وقوف الجيش الألماني على كفائته وتسليحه في الحرب العالمية الثانية عدة أشهر أمام
بعض المدن عاجزًا عن فتحها وهذا يعطي لنا مؤشرًا لطبيعة حروب المدن.
من خلال العوامل السابقة نستطيع أن نقف
على عدة نقاط هامة منها:
1- إن معركة جلال آباد هي إحدى معارك المجاهدين
وإن كانت من أكبرها إلا إننا يجب ألا نقرن جهاد أكثر من عشر سنوات بتضحياتها
وبذلها بمعركة واحدة مهما طالت أو كثر الحديث عنها.
2- إن حرب المدن لها طبيعتها الخاصة التي يجب أن
تكون واضحة في أذهاننا حينما نتابع أحداثها ونتائجها وإنها تختلف بالكلية عن معارك
الكر والفر وحروب العصابات التي يعتمد عليها الجهاد منذ بدايته.
3- إدراك الفروق الهائلة في الإمكانات والتدريبات
والوسائل بين المجاهدين وأعدائهم يجعلنا ندرك حجم المعركة وتوفيق الله للمجاهدين
فيها.
4- إن المجاهدين بكل المعايير والمقاييس هم
المنتصرون حتى الآن وذلك إذا أدركنا أن حجم المعركة كما يقول الأستاذ سياف: يدور
الآن على مساحة أربعة كيلومترات في سبعة كيلومترات بعدما كان يدور على مساحة ستين
كيلومتر في ثمانين كيلومتر في بداية المعركة فمن مساحة 480 كيلومتر مربع تقريبًا
كان يسيطر عليها الشيوعيون في ننجرهار أصبحت المساحة التي يسيطرون عليها الآن 28
كيلومترًا تقريبًا محاصرين فيها وذلك علاوة على خسائرهم في الأوراح والمعدات.
5- إن تضخيم معركة جلال والتركيز عليها في هذه
الفترة بالذات من قبل الإعلام العالمي ونظام كابل يهدف إلى تحقيق مؤامرة كبرى على
الجهاد ترمي إلى تقويضه ومحاولة إقناع دول العالم بأن تتدخل للضغط على المجاهدين
والمساندين لهم كي يقبلوا بما يسمى بالمصالحة الوطنية بعد عقم الحل العسكري على حد
زعمهم من خلال معارك جلال آباد.
ولكن مع خلوصنا لهذه الأسباب والنتائج
فلا زال هناك سؤال يلح على أذهان الكثيرين وهو مع ذلك فمتى ستسقط جلال آباد؟
متى تسقط جلال آباد؟
حملنا هذا السؤال إلى القائد سازنور
القائد الميداني العام للمجاهدين في جلال آباد فقال: «هذا أمر لا يعلمه إلا الله
ونحن مطالبون بمزيد من البذل والتضحية أما النتائج فهي موكولة لله وحده ومن يمشي
في طريق الجهاد فعليه أن يبذل والنتائج دائمًا على الله» ويقول الأستاذ سياف «إن العدو
الآن قابع تحت الحصار ونحن مستمرون في جهادنا حتى يتم الله علينا النصر وإن كانت
جلال آباد من أكبر معاركنا وقد حققنا فيها بفضل الله انتصارات كبيرة إلا أن سقوطها
لم يتأخر وسوف تسقط إن شاء الله عاجلًا أو آجلًا ولعل المعارك الكبرى المرتقبة
خلال الأيام القادمة تنسي الشيوعيين ضجتهم المفتعلة حول جلال آباد».
ويقول المهندس قلب الدين حكمتيار «إن
معارك جلال آباد هي من معاركنا الكبرى لكن كابل هي هدفنا الأول وسوف نقدمها على
جلال آباد».
ونخرج من هذه الإجابات إلى سؤال آخر
لعله يلح على أذهان البعض وهو هل ما حدث في جلال آباد يمكن أن يحدث في باقي المدن
الأخرى التي لا زالت تحت أيدي نظام كابل؟
هل ستتكرر معركة جلال آباد مع باقي
المدن؟
يجيب الأستاذ سياف على هذا السؤال
قائلًا «إن معركة جلال آباد لها طبيعتها ولها خصائصها وسماتها وأحداثها وما حدث في
جلال آباد لا أعتقد أنه سوف يتكرر في باقي المدن الأخرى لكن كابل ستحتاج منا إلى
إعداد وإلى جهود كبيرة تفوق ما قدمناه وما بذلناه في جلال آباد لكنا نسأل الله أن
يفتحها علينا في وقت أقل وكذلك بتضحيات أقل ولعل تأخر الثلوج في الذوبان هذا العام
على غير العادة يتيح لنا مزيدًا من الأعداد ولعل المعركة الفاصلة أصبحت قريبة على
الأبواب- إن شاء الله».
وبعد: فإن جلال آباد هي واحدة من خمسة
وعشرين مدينة لا زالت تحت أيدي نظام كابل لعل كابل أبرزها وسواء طالت معركة جلال
آباد أو قصرت فهي حلقة متصلة من حلقات الجهاد لها خصائصها ومميزاتها ولعلها بداية
لسلسلة من حروب المدن ينتهي بها تحرير أفغانستان- إن شاء الله- وعادة ما تكون
ساعات الحسم أطول من أعوام الأعداد وإن لحظة النصر دائمًا مرتبطة بأقدار الله
ومواقيته، وما على المسلمين إلا أن يزيدوا من بذلهم وتضحياتهم حتى يكونوا أهلًا
لذلك النصر وإن صدقنا عهدنا مع الله فسوف يصدقنا الله وعده «وَاللَّهُ غَالِبٌ
عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ» (يوسف: 21).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل