; التربية بالنشاط | مجلة المجتمع

العنوان التربية بالنشاط

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 14-أبريل-2007

مشاهدات 57

نشر في العدد 1747

نشر في الصفحة 58

السبت 14-أبريل-2007

جاء في سنن أبي داود عن أنس بن مالك t أن رجلًا من الأنصار أتى النبي ﷺ فسأله أي سأله الصدقة، فقال: أما في بيتك شيء؟ قال: بلى حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه الماء. قال: ائتني بهما... فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله بیده وقال: من يشتري هذين؟ قال رجل: أنا أخذهما، بدرهم قال: من يزيد على درهم؟، مرتين أو ثلاثًا، قال رجل: أنا أخذهما بدرهمين فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين وأعطاهما الأنصاري، وقال: اشتر بأحدهما طعاما فانبذه، أى ادفعه إلى أهلك واشتر بالآخر قدوما فائتي به فأتاه به فشد فيه رسول الله ﷺ عودًا بيده ثم قال له: اذهب فاحتطب وبع ولا أرينك خمسة عشر يومًا، فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجأة وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوبًا وببعضها طعامًا، فقال رسول الله ﷺ: هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة لذي فقر مدقع أو لذي غرم مفظع أو لذي دم موجع. 

ربما عرف كثير من الناس هذا الموقف، سمعوه أو قرأوه، لكن للتربويين تحليلاتهم الخاصة التي يقفون عندها مؤكدين هذا الأسلوب التربوي الأصيل الذي استخدمه رسولنا الكريم في تربية أصحابه الكرام رضوان الله عليه مؤكدين هذا الأسلوب التربوي الأصيل الذي استخدمه رسولنا الكريم في تربية أصحابه الكرام رضوان الله عليهم جميعًا داعين إلى تطبيق هذا الأسلوب في تربية الصغار والكبار على السواء، فقد يصلح أسلوب تربوي في موقف ما في حين لا تجدي أساليب أخرى غيره، وليس ذلك لنقص في الأساليب الأخرى، بل إن مرد ذلك إلى طبيعة الإنسان المقصود بالتربية وفي ذلك يشير الإمام أبو حامد الغزالي إلى أن المربي كالطبيب، يصف الدواء حسب حالة المريض، حيث تختلف الأدوية باختلاف الأمراض بل ربما يأتيه مرضى بمرض واحد ويصف لكل منهم دواء يختلف عن أدوية الآخرين حسب طبيعته وحالته وقدرته الجسمية، وحسب المرحلة المرضية التي وصل إليها. 

وبتحليل موقف الرسول ﷺ مع هذا والأنصاري الذي جاء يسأله الصدقة نلاحظ ما يلي: 

أولا: أن الأنصاري يعاني مشكلة، حيث استباح لنفسه أن يطلب الصدقة في حين أنه قادر على الكسب، فانتقل به رسول الله ﷺ من عنصر بشري معطل مستهلك إلى عنصر بشري فعال منتج يعمل ويكسب رزقه بيده فترقی به کرامته عن سؤال الناس. 

ثانيا: اختار النبي ﷺ لتربية هذا الأنصاري وتخليصه من استجداء الأكف، أسلوب «النشاط» وهو أحد الأساليب التربوية الفعالة لعلاج هذه المشكلة، وهو أسلوب  كما رأينا أصيل في التربية الإسلامية، برغم أن كثيرًا من التربويين ينسبونه إلى المربي الأمريكي جون ديوي الذي عاش في الفترة من 1859م إلى ١٩٥٢م، وهذا بخس وظلم لرسول الله ﷺ ولتربيتنا الإسلامية الأصيلة. 

ثالثًا، كان بوسع النبي ﷺ أن يعظ الأنصاري بتذكيره ببعض آيات القرآن الكريم. التي تحث على العمل أو ببعض توجيهاته كأن ينبه إلى أن داود u كان يأكل من عمل يده... إلى غير ذلك من الإرشادات والنصائح بيد أنه اختار أسلوبًا عمليًا في التربية ليس لعيب في أسلوب الوعظ وإنما ليناسب الأنصاري، حيث لم يجد معه النصح، ولم تنفع الإرشادات لذا اختار له أسلوب النشاط، وذلك لأن النبي أراد له:

  أن يذوق لذة الكسب من عمل اليد فإن هذه اللذة عندما يذوقها صاحب الفطرة السليمة يقبل على العمل ويميل إليه.

أن يذوق بشكل عملي يقوم على الممارسة كيف يأتي هذا المال ويدرك ما يبذل فيه من جهد، ومن ثم يقتنع بأنه لا يجوز أخذه استجداء وتسولًا. 

رابعا: أن النبي استثمر شيئًا قليلًا جلس: وهو كساء رقيق من الخيش قال عنه ابن منظور في لسان العرب يشبه المرشحة توضع تحت البردعة والفلاحون يعرفون المرشحة وهي جوال من الخيش مع على ظهر الحمار، لتمتص العرق يوضع ولتحمي ظهر الحمار عندما توضع عليه الأحمال والأثقال والمتاع.

خامسا: أن الأنصاري برغم أنه استباح لنفسه أن يطلب الصدقة وهو قادر على الكسب، إلا أنه كان دقيقًا وأمينًا وصادقًا بصورة تبهر الألباب، وذلك عندما سأله النبي: أما في البيت شيء؟ حيث ذكر الحلس، والقعب وهو كوب من الخشب وهما شيئان لا يخطران بالذكر في مثل هذا الموقف، فربما يسأل الإنسان في عصرنا هذا السؤال ذاته أما في بيتك شيء؟ فيجيب بالنفي، في حين يكون في بيته أضعاف أضعاف هذين الشيئين وربما يكون له مال لكنه في نظره غير كاف!!! 

سادسا: أن النبي ﷺ تصرف مع الأنصاري من منطلق أنه المربي المسؤول عنه فربما يأتينا رجل يسألنا الصدقة فيكون رد فعلنا أما نعطيه وإما أن نوجهه إلى بيت الزكاة أو أي جهة خيرية أخرى، وإما أن يرده أحدنا أو ينصحه بضرورة العمل ما دام قادرًا عليه، لكن النبي ﷺ حاوره بأسلوب هادئ فيه رعاية المربي وتوجيهه الرقيق ومساعدته في التخطيط للنشاط الاحتطاب وتجهيز أدواته «القدوم». كما استخدم المزاد العلني في بيع الحلس والقعب وهو سلوك تربوي بارع، كما حرص على أن يقوم بعملية يسميها التربويون المحدثون التقويم وهي تهدف إلى التأكد من مدى تحقيق أهداف الخبرة أو النشاط حيث وجهه بقوله اذهب فاحتطب وبع ولا أرينك خمسة عشر يومًا، ثم جاءه وقد أصاب عشرة دراهم وهنالك فقط بعد أن مارس العمل وجنى ثماره قال له ﷺ «إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة لذي فقر مدقع، أي الفقير المعدم الذي يعاني فقرًا شديدًا ولذي غُرم مقطع أي من عليه دين ضخم لا يستطيع سداده أو الذي دم موجع أي من عليه دية وهي مبلغ ضخم كبير لا يقدر عليه». 

سابعا: حرص النبي على تأمين أهل الأنصاري وبيته، وذلك بتوفير ما يقتاتون به في غيبة الأنصاري إلى أن يعود لما يحققه ذلك من الأمن الأسرى. 

والسؤال الآن كيف تطبق النشاط في تربية أولادنا؟ وللإجابة عن هذا السؤال أقول: يمكن ذلك في عدة مواقف منها على سبيل التمثيل لا الحصر اصطحاب الوالد ابنه المسرف إلى مكان العمل، وتكليفه ببعض الأعمال في حدود قدراته - وخاصة في أثناء العطلة الصيفية.. لإشعاره بالجهد المبذول من أجل الحصول على المال.

  كذلك يمكن علاج مشكلة الانطواء والخجل بتمرير الطفل في مواقف نشاط تعالج هذه المشكلة كالرد على المكالمات الهاتفية وتحية الضيوف والمشاركة فيما الأنشطة المدرسية التي تقوم على المشاركة والتواصل الاجتماعي. 

وأذكر أن أحد أقاربي جاءني عقب صلاة الفجر ذات يوم، يشكو من ابنه الفائق دراسيًا أنه امتنع عن الحضور للمدرسة ولا يريد أن يذهب إليها مرة أخرى فأشرت على الوالد - وكان مزارعًا - أن يأخذه معه إلى المزرعة، ليعمل معه بعد وهمة بهدف أن يذوق عناء العمل بالمزرعة وهو البديل إذا هو أعرض عن الدراسة ففعل الآب ولما كان اليوم التالي بادر الطفل ذاتيًا بالذهاب إلى المدرسة والمواظبة عليها وفي هذا الموقف تطبيق لأسلوب النشاط وربما يتصرف كثير من الآباء في مثل هذا الموقف تصرفًا غير تربوي لا يؤدي إلى حل المشكلة بل ربما يزيد الطفل عنادًا وإصرارًا.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل