العنوان مفهوم التجمع الحركي ومبرراته عند سيد قطب «القسم الأول»
الكاتب محمد أحمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 26-سبتمبر-1972
مشاهدات 47
نشر في العدد 119
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 26-سبتمبر-1972
وصل سيِّد قطب -رحمه الله- غاية المتانة والعمق والوضوح في وصفه عقيدة الإسلام وإظهار محاسنه والحثّ على التمسك به والعمل له، بأسلوبه الأدبيِّ السلس الذي مكَّنه من اصطياد المعاني وهي في تدفُّقها السريع عليه خلال مدَّة ليست بالطويلة من حياته الإسلاميَّة الحركيَّة.
ولكنَّ الداعية يدرك أنَّ أثمن ما صاغه سیِّد هو كلامه في الفقه الحركيِّ الإسلاميِّ، التربويّ والتنظيميّ والسياسيّ، فقد أطنب - في ثنايا الأجزاء الثلاثة عشر الأولى التي استطاع أن يعيد تدوينها- في أكثر دقائق هذه الجوانب، وأتى فيها بجديد كثير، واستطاع أن يدوِّن تراث التجربة الواسعة التي مارستها الحركة وأن يتوسَّع فيما بدأ به الذين قبله من الكتَّاب الدعاة.
إنَّ كلامه في الظلال مثلما يكشف عن تأمُّل طويل في معاني القرآن الكريم وفقَّه الله له، وأعانه سجنه الطويل عليه، فإنَّه يمثِّل أيضًا استفادته من هذه التجربة ومن تلك البدايات الإبداعيَّة. وهذه الاستفادة يظنُّها المتبطر حين نثبتها لسيِّد رحمه الله محاولة ثلم لشخصيَّته الفقهيَّة، لكن المنغمس في الدعوة، المواكب لتطوُّرها، يدرك ما في تلك الاستفادة من دلائل الأصالة بل إنَّها لتكشف سرَّ تلقِّي جماهير الدعاة لمدوِّنات سيِّد بالقبول.
لقد جاء سيِّد قطب على قدر، مع انتهاء الجولة الحركيَّة الأولى، ليدرس ويزن ويغربل إنتاجها الفكريّ والتربويّ وتجاربها العمليّة، بصفاء روح، وبسكينة أمدَّه إياها عيشه التأمليُّ مع القرآن، واختلاء السجن المبارك، فكانت هذه الدراسات القيِّمة.
تجمُّع الصفوة المفاصلة
ومن يتمُّ خطوة سيِّد رحمه الله في جمعه في «معالم في الطريق» لما تفرَّق من كلامه في الفقه الحركيِّ في «الظلال» تتَّضح له نظريَّة حركيَّة إسلاميَّة ذات ثلاثة أركان متكاملة، تجتمع فتكون الوصف الذي يراه للعمل الإسلاميِّ الناجح الملائم للإرشاد القرآني وتطبيقات السيرة النبويَّة الشريفة.
العمل الصائب عنده هو: تجمُّع الصفوة التي تتَّخذ لها سياسة المفاصلة مع الجاهليَّة.
فهو يرى أنَّ تغلُّب الجاهليَّة هو ثمرة عملها المنظم وتجمُّع أفرادها وتنسيقهم لجهودهم، وأنَّ المسلمين لا يمكن لهم أن يدحروها ويتغلَّبوا عليها إلَّا إذا «تجمَّعوا» حول قيادة تنظِّم جهودهم بالمقابل.
فإذا تجمَّع بعض المسلمين وتكتَّلوا فيجب أن يقوم هذا التجمُّع قبل مباشرته التجميع الواسع النطاق بتربية «صفوة المؤمنين» الَّتي سارعت للانضمام إليه وكانت طليعة لغيرها، تربية عميقة طويلة، لتكون هذه الصفوة «قاعدة صلبة» يثبُت عليها التجمُّع أمام المحن الخارجيَّة الَّتي تصيبه خلال الصدام المقبل مع الجاهليَّة، وأمام الفتن الداخليَّة الَّتي يثيرها من يُتاح له الانضمام بسهولة خلال التوسُّع العدديِّ قبيل النصر وبعده.
ثمَّ إنَّ على هذه الصفوة المتجمِّعة -وهي في سيرها تنتظر توسُّع عددها إلى ما يكفي لبدء صراعها مع الجاهليَّة -أنَّ «تفاصل» الجاهليَّة الَّتي من حولها، فتهجُرها وتستقلُّ عنها في الشعور والعمل، ليتمَّ تميُّز المعسكرين ويتَّضح سير كلُّ فرد، إمَّا إلى المسلمين أو إلى الجاهليِّين، ولا بدَّ من «استعلاء على الجاهليَّة» يسبق هذه المفاصلة ويقوم بدور التثبيت النفسيِّ خلالها.
هذه هي الأركان الثلاثة لنظريَّة سيِّد الحركيِّة، وأمَّا بقيَّة الموضوعات الَّتي تطرَّق لها سيِّد فيُمكن إلحاق كلٍّ منها بركن من هذه الثلاث، وأكثرها استدراكات وتكميلات، فكلامه في المسؤولية وطلبها وسياسة التأمير يلحق بركن التجمُّع، وكذا كلامه في التخلُّف ونقض البيعة، وكلامه في المنازعة وسياسة التغيير يلحق بركن المفاصلة، وهكذا.
وكنَّا قد أتينا في مقالة «استعلاء في الطريق العالي» ومقالة «العبد الحرّ» على بعض خبر هذه المفاصلة، ولنا عودةٌ إليها.
وسنعرج في مقالات أخرى على حديث التربية.
ونفرد هذه المقالة لتقصِّي مفهوم التجمُّع ومبرِّراته عند سیِّد، بعد أن عرفنا أصول نظريَّة العمل الجماعيِّ عند السلف، وصياغة الإمام البنا والأستاذ المودودي وغيرهم لها في العصر الحديث.
وهذا الجمع والترتيب، في هذا المكان الواحد، لما تناثر من كلام سيِّد في التجمُّع الحركيِّ يعتبر أكمل في تفهيم مذهبه فيه من أيِّ نصٍّ مُفرَد له، وإن كنَّا قد حُرمنا من زيادة تعبيرات نافعة أهملنا النصوص القصيرة الَّتي وردت فيها لتكرارها معاني ما نقلناه.
المسلم بشير نذير
يؤكِّد سيد -رحمه الله- في أوَّل ما يؤكِّد على تطبيق المؤمنين لما وصفهم القرآن به من أنَّهم: ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ (الأعراف: 181).
فهم دعاة إلى الحقِّ، لا يسكتون عن الدعوة به، وإليه، ولا يتقوقعون على أنفسهم، ولا ينزوون بالحقِّ الذي يعرفونه، ولكنَّهم يهدون به غيرهم، فلهم قيادةٌ فيمن حولهم من الضالِّين عن هذا الحقِّ، المتنكِّرين لذلك العهد، ولهم عمل إيجابيٌّ لا يقتصر على معرفة الحقِّ، إنَّما يتجاوز إلى الهداية به والدعوة إليه والقيادة باسمه. (١)
وقوله رحمه الله: «لهم قيادة فيمن حولهم..» أي عمليَّة قيادة، أي أنَّهم يقودون الضالِّين إلى الصواب.
جاء الإسلام ليحكم
وتوصَّل سيِّد إلى ما توصَّل إليه جميع السائرين على منهج البحث السليم من الدعاة من تقرير لزوم صفة الحكم للإسلام، «فما جاء هذا الحقُّ ليكون مجرَّد علم يُعرَف ويُدرَّس، ولا مجرَّد وعظ يُهدَى به ويُعرَف، إنَّما جاء هذا الحقُّ ليحكم أمر الناس كلِّه، يحكم تصوُّراتهم الاعتقاديَّة فيصحِّحها ويقيِّمها على وفقه. ويحكم شعائرهم التعبديَّة فيجعلها ترجمة عنه في صلة العبد بربِّه. ويحكم حياتهم الواقعيَّة فيُقيِّم نظامها وأوضاعها وفق منهجه ومبادئه ويقضي فيها بشريعته وقوانينه المستمدَّة من هذه الشريعة. ويحكم عاداتهم وتقاليدهم وأخلاقهم وسلوكهم فيقيِّمها كلَّها على التصوُّرات الصحيحة المستمدَّة منه. ويحكم مناهج تفكيرهم و علومهم وثقافتهم كلَّها ويضبطها بموازينه، وبهذا كلِّه يوجد هذا الحقّ في حياة الناس، ويقوم العدل الذي لا يقوم إلَّا بهذا الحقّ». (2)
ويرى أنَّ الآية الكريمة: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 104) تتضمَّن معنى وجوب السلطة.
«والذي يقرِّر أنَّه لا بدَّ من سلطة هو مدلول النصِّ القرآنيُّ ذاته، فهناك دعوة إلى الخير، ولكن هناك كذلك أمر بالمعروف، وهناك نهيٌ عن المنكر. وإذا أمكن أن يقوم بالدعوة غير ذي سلطان، فإنَّ «الأمر والنهي» لا يقوم بهما إلَّا ذو سلطان.
هذا هو تصوُّر الإسلام للمسألة، أنَّه لا بدَّ مـن سلطة تأمر وتنهي، سلطة تقوم على الدعوة إلى الخير والنهي عن الشرِّ، سلطة تتجمَّع وحداتها وترتبط بحبل الله وحبل الأخوَّة في الله، سلطة تقوم على هاتين الركيزتين مجتمعتين لتحقيق منهج الله في حياة البشر، وتحقيق هذا المنهج يقتضي دعوة إلى الخير يعرف منها الناس حقيقة هذا المنهج . ويقتضي سلطة تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر، فتُطاع، والله يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ﴾ (النساء: 64).
فمنهج الله في الأرض ليس مجرَّد وعظ وإرشاد وبیان، فهذا شطر، أمَّا الشطر الآخر فهو القيام بسلطة الأمر والنهي، على تحقيق المعروف ونفي المنكر من الحياة البشريَّة، وصيانة تقاليد الجماعة الخيِّرة من أن يعبث بها كلّ ذي هوى وكلّ ذي شهوة وكلّ ذي مصلحة، وضمانة هذه التقاليد الصالحة من أن يقول فيها كلّ امرئ برأيه وبتصوِّره، زاعمًا أنَّ هذا هو الخير والمعروف والصواب.
والدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -من ثمَّ- تكليف ليس بالهيِّن ولا باليسير، إذا نظرنا إلى طبيعته، وإلى اصطدامه بشهوات الناس ونزواتهم، ومصالح بعضهم ومنافعهم، وغرور بعضهم وكبريائهم، وفيهم الجبَّار الغاشم، وفيهم الحاكم المتسلِّط، وفيهم الهابط الذي يكره الصعود، وفيهم المسترخي الذي يكره الاشتداد، وفيهم المنحلُّ الذي يكره الجدَّ، وفيهم الظالم الذي يكره العدل، وفيهم المنحرف الذي يكره الاستقامة، وفيهم وفيهم ممَّن ينكرون المعروف ويعرفون المنكر، ولا تفلح الأمَّة، ولا تفلح البشريَّة، إلَّا أن يسود الخير، وإلَّا أن يكون المعروف معروفًا، والمنكر منكرًا، وهذا ما يقتضي سلطة للخير وللمعروف تأمر وتنتهي.. وتُطاع». (3)
صفة الجاهليَّة
لكنَّ هذه السلطة غير موجودة الآن في بقعة من بقاع الأرض التي يعيش فيها أفراد المسلمين، فإنَّها قد أُقصيت وأُبعدت إبعادًا بالقوَّة الجاهليَّة وبانحراف الحكاَّم، وهذا يعني عند سيِّد قطب أنَّ صفة أساسيَّة لازمة للمجتمع المسلم قد افتُقِدَت، وهي صفة السلطة الحاكمة بالإسلام، فلم يعد مجتمعًا مسلمًا، بل مجتمعًا غیر مسلم، وكلّ ما غاير الإسلام فهو من الجاهليَّة، وبذلك جاز وصفه عنده بأنَّه مجتمع جاهليٌّ وأنّه حوى جمهرة إسلاميَّة من الأفراد المسلمين، وظلَّت هذه الجمهرة تتضاءل ويقل عددها مع الأيَّام، بينما نسبة المنحرفين من الأفراد في ازدياد، بسبب التربية التي مارستها أجهزة السلطة الجاهليَّة، فازدادت صفةُ الجاهليَّة اللاصقة بالمجتمعات التي تسكن ما يعرف بالعالم الإسلاميِّ وضوحًا وتأكُّدًا، وإن بقيت جمهرة الأفراد المسلمين الملتزمين بأركان الإسلام موجودة، تكثُر في بقعة، وتقلُّ في أخرى.
ويمكن أن نكتشف هذا المفهوم للمجتمع عند سيِّد بتفحص التعريف الذي وضعه للمجتمع الجاهليّ.
قال: «هو كل ُّمجتمع لا يخلص عبوديته لله وحده متمثِّلة هذه العبوديَّة في التصوُّر الاعتقاديّ، وفي الشعائر التعبُّديَّة، وفي الشرائع القانونيَّة». (4)
فالمجتمع عنده يوصف بوصف ما حسب صفة هذه الأركان الثلاثة :
التصوُّر الاعتقاديُّ الذي يسوده.
والشعائر التعبديَّة التي يمارسها.
والشرائع التي تحكمه.
وفي الثلاثة تكون العبرة بالأغلب السائد فيه، وإلَّا ففي المجتمعات السوفيتيَّة بقايا من الرأسماليَّة اقتضتها المرحليَّة، ومع ذلك تُوصَف بأنَّها شيوعيَّة.
وفي المجتمع البريطانيِّ تطبيقات اشتراكيَّة كثيرة، ومع ذلك يُوصَف بأنَّه رأسماليّ. وفي البلاد الشيوعيَّة أعداءٌ للشيوعيَّة، وفي البلاد الرأسماليَّة جمهرة شيوعيَّة، ومع ذلك لم يغيِّر هؤلاء ولا هؤلاء وصف المجتمع الذي يعيشون فيه.
وتعريف سيِّد -رحمه الله- للمجتمع يتضمَّن ركنًا رابعًا وإن لم يذكره صراحة، إلَّا أنَّ الركن الثالث يقتضيه، وكلامه الكثير في الظلال والمعالم يكشفه، وهو: الحاكم وجهاز تنفيذ أحكامه، وإلَّا فمِن أین تصدر هذه التشريعات لو لم يكن حاكم، وكيف تُطبَّق لو لم يكن جهاز؟
فمن رأى تعريفه الواضح، واستدراكنا هذا، لا يجد أيَّ مخالفة للواقع في وصفه المجتمعات الحاضرة الَّتي تسكن أرض البلاد الإسلاميَّة بأنَّها مجتمعات جاهليَّة
فهو لم يتطرَّق للأفراد ولم يقل أنَّهم من الجاهليِّين كلِّهم، بل كلامه الكثير الَّذي سننقل بعضه والذي يصف فيه كيفيَّة نشأة المجتمع المسلم داخل المجتمع الجاهليِّ يقتضي بالبداهة أن يكون هناك أفراد مسلمون الآن، ويؤكِّد هذا تقريعه للمؤمن الِّذي لا ينضمُّ للحركة ما جرَّده عن الإيمان، لكنَّه وصفه بالنقص وبخداعه لنفسه وبالفشل، لكن تبريئ الأفراد من الجاهليَّة لا يعني أن نغالط أنفسنا فنصف المجتمعات الحاضرة بأنَّها إسلاميَّة.
هذا هو تبرير سيِّد الذي استند عليه في تجهيل المجتمع الحاضر، ومعرفة تبريره تُبطل كلَّ اتّهام وُجِّهَ إليه يلصق به تكفير المسلمين الذين لم يدخلوا صف الحركة الإسلاميَّة.
إنَّه يتحدَّث عن المجتمع، والشرائع المطبَّقة في كلِّ مجتمع عنصر أساسيّ عنده في وصف المجتمع، ولم يتطرَّق إلى الأفراد، ولم يسحب عليهم صفة الجاهليَّة بإطلاق، وإنَّما يكون أحدهم مسلمًا أو جاهليًّا حسب اعتقاده، ويكون المسلم منهم مسلمًا يعيش في مجتمع جاهليِ، ولا يكون مسلمًا إلَّا إذا اعتُقِد بطلان ما تحويه تشريعات المجتمع الجاهليّ ممَّا يخالف أحكام الحلال والحرام الإسلاميَّة، فإنَّ رضيها واعتقد صوابها في ما تحلّلِه من الحرام الإسلاميِّ الوارد تحريمه بدليل قطعي أجمع فقهاء المسلمين القدماء على قطعيته، أو أن أعتقد صواب التشريعات الجاهليَّة في تحريمها ما تحرِّمه من الحلال الإسلاميِّ الوارد تحليله بدليل قطعي مجمع عليه، فهو كافرٌ وجاهليٌّ، لا عند سيِّد، بل بإجماع فقهاء المسلمين الأوائل. وإن اعتُقدِ بطلانها ودفعته الشهوة إلى اقتراف ما تبيحه تشريعات المجتمع الجاهليّ من الحرام، وتقاعس عن القيام بما يفرضه ويوجبه الإسلام ممَّا أهمل المجتمع الجاهليُّ الأمر به، فهو مسلم عاص، في درجات من المعصية عديدة تغلظ وتخفّ حسب أهمية ما يُقترَف، إن كان من اللَّمم و الصغائر، أو الكبائر والموبقات، وحسب أهمية ما يتقاعس عنه، إن كان من الفروض أو الآداب، فإن اعتقد بطلان التشريعات الجاهليَّة، وغالب شهوته وكسله، بكف جوارحه عن الحرام الذي يحرِّمه الإسلام، وتبيحه الجاهليَّة، وبالقيام بفروض الإسلام وواجباته الَّتي تهمل الجاهليَّة أمره بها، كان مسلمًا كامل الإسلام، لكنَّه محروم من درجات الفضل ومن كثير من صفات الإيمان، ولا يكمل فضله و إيمانه إلَّا بأن يدعو إلى الإسلام، ويتكتّل مع أمثال له، يتخذ ويتخذون له ولهم أميرًا يدينون له بالولاء، ويكونون بذلك صورة مصغرة لمجتمع مسلم يعيش داخل المجتمع الجاهليِّ مفاصلًا له في الشعور، معلنًا إباءه لإباحاته الباطلة، مغيظًا له بإظهار شعائر الإسلام الَّتي يريد محوها ورفعها، دائبًا في التوُّسع عن طريق الإلحاح على المسلمين السائبين للانضمام إليه، حتَّى إذا بلغ عددًا من الأفراد تكفي قوَّتهم لمنازعة سلطة الجاهليَّة نازع وغير.
هذا مجمل ما أوضحه سيِّد، ولم يظهر التفتيش الدقيق لأسطر الظلال والمعالم نصًّا يرمي من لا يعمل هذا العمل الحركيِّ الإيمانيّ الفاضل بالكفر أو الجاهليَّة إذا لم يجتمع معه سبب الكفر الذي ذكرناه آنفًا.
الجاهليَّة منظمة
وهو يرى أنَّ الجاهليَّات قديمها وحديثها ليست نظریات مجرَّدة، بل تمتاز بالتنظيم ووجود الولاء في مجتمعاتها بين الأفراد والقيادات، كما قال الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (الأنفال: 73).
«إنَّ المجتمع الجاهليَّ لا يتحرَّك كأفراد، وإنَّما يتحرَّك ككائن عضويٍّ، تندفع أعضاؤه، بطبيعة وجوده وتكوينه، للدفاع الذاتيِّ عن وجوده وكيانه، فهم بعضُهم أولياء بعض طبعًا وحكمًا». (5)
«هذه الجاهليَّة، الَّتي واجهها كل رسول بالدعوة إلى الإسلام لله وحده، والَّتي واجهها رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوته، هذه الجاهليَّة لم تكن متمثِّلة في نظريَّة مجرَّدة، بل ربَّما أحيانًا لم تكن لها نظريَّة على الإطلاق، إنَّما كانت متمثِّلة دائمًا في تجمُّعٍ حركيٍّ. متمثِّلة في مجتمع، خاضع لقيادة هذا المجتمع، وخاضع لتصوُّراته وقيمه ومفاهيمه ومشاعره وتقاليده وعاداته، وهو مجتمع عضويٌّ بين أفراده ذلك التفاعل والتكامل والتناسق والولاء والتعاون العضويّ، الذي يجعل هذا المجتمع يتحرَّى -بإرادة واعية أو غير واعية- للمحافظة على وجوده، والدفاع عن كيانه، والقضاء على عناصر الخطر الَّتي تهدِّد ذلك الوجود وهذا الكيان في أيَّة صورة من صور التهديد». (6)
لا بدَّ من إسلام منظَّم
«ومن أجل أنَّ الجاهليَّة لا تتمثَّل في نظرية مجرَّدة، ولكن تتمثَّل في تجمُّع حركيّ على هذا النحو، فإنَّ محاولة إلغاء هذه الجاهليَّة، ورد الناس إلى الله مرَّة أخرى، لا يجوز -ولا يجدي شيئًا- أن تتمثَّل في نظرية مجرَّدة، فإنَّها حينئذ لا تكون مكافئة للجاهليَّة القائمة فعلًا والمتمثِّلة في تجمُّع حركيٍّ عضويٍّ، فضلًا على أن تكون متفوِّقة عليها كما هو المطلوب في حالة محاولة إلغاء وجود قائم بالفعل، لإقامة وجود آخر يخالفه مخالفة أساسيَّة في طبيعته وفي منهجه وفي کلِّیاته وجزئيَّاته، بل لا بدَّ لهذه المحاولة الجديدة أن تتمثَّل في تجمُّع عضويٍّ حركيٍّ أقوى في قواعده النظريَّة والتنظيميَّة، وفي روابطه وعلاقاته ووشائجه من ذلك التجمُّع الجاهليِّ القائم فعلًا». (7)
«إنَّ وجود المجتمع المسلم لا يتحقَّق إلَّا بهذا، لا يتحقَّق بمجرَّد قيام القاعدة النظريَّة في قلوب أفراد مهما تبلغ كثرتهم، لا يتمثَّلون في تجمُّع عضويٍّ متناسق متعاون، له وجودٌ ذاتيٌّ مستقلٌّ، يعمل أعضاؤه عملًا عضويًّا -كأعضاء الكائن الحيِّ- على تأصيل وجوده وتعميقه وتوسيعه، وعلى الدفاع عن كيانه ضدّ العوامل الَّتي تهاجم وجوده وكيانه، ويعملون في هذا تحت قيادة مستقلَّة عن قيادة المجتمع الجاهليِّ تنظِّم تحرُّكهم وتنسِّقه وتوجِّهه لتأصيل وتعميق وتوسيع وجودهم الإسلاميِّ ولمكافحة ومقاومة وإزالة الوجود الآخر الجاهليِّ». (8)
«وقيام مملكة الله في الأرض، وإزالة مملكة البشر، وانتزاع السلطان من أيدي مغتصبيه من العباد، وردِّه إلى الله وحده، وسيادة الشريعة الإلهيَّة وحدها، وإلغاء القوانين البشريَّة، كلّ أولئك لا يتمُّ بمجرَّد التبليغ والبيان، لأنَّ المتسلِّطين على رقاب العباد، المغتصبين لسلطان الله في الأرض، لا يسلمون سلطانهم بمجرَّد التبليغ والبيان، وإلَّا فما كان أيسر عمل الرسل في إقرار دين الله في الأرض! وهذا عكس ما عرفه تاريخ الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - وتاريخ هذا الدين على ممرِّ الأجيال.
إنَّ هذا الإعلان العام لتحرير الإنسان في الأرض من كلِّ سلطان غير سلطان الله، بإعلان ألوهيَّة الله وحده وربوبيَّته للعالمين، لم يكن إعلانًا نظريًّا فلسفيًّا سلبيًّا، إنَّما كان إعلانًا حركيًّا واقعيًّا إيجابيًّا، إعلانًا يُراد له التحقيق العمليّ في صورة نظام يحكم البشر بشريعة الله، ويُخرجهم بالفعل من العبوديَّة للعباد إلى العبوديَّة لله وحده بلا شريك، ومن ثمَّ لم يكن بُدًّا من أن يتَّخذ شكل الحركة إلى جانب شكل البيان، ذلك ليواجه الواقع البشريَّ بكلِّ جوانبه بوسائل مكافئة لكلِّ جوانبه.
والواقع الإنسانيِّ، أمس واليوم وغدًا، يواجه هذا الدين -بوصفه إعلانًا عامًّا لتحرير الإنسان في الأرض من كلِّ سلطان غير سلطان الله- بعقبات اعتقاديَّة تصوُّريَّة، و عقبات مادِّيَّة واقعيَّة، عقبات سياسيَّة واجتماعيَّة واقتصاديَّة وعنصريَّة وطبقيَّة، إلى جانب عقبات العقائد المنحرفة والتصوُّرات الباطلة وتختلط هذه بتلك وتتفاعل معها بصورة معقَّدة شديدة التعقيد.
وإذا كان البيان يواجه العقائد والتصوُّرات، فإنَّ الحركة تواجه العقبات المادِّيَّة الأخرى، وفي مقدِّمتها السلطان السياسيّ القائم على العوامل الاعتقاديَّة التصوُّريَّة، والعنصريَّة والطبقيَّة، والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة المعقَّدة المتشابكة، وهما معًا -البيان والحركة- يواجهان الواقع البشريَّ بجملته، بوسائل مكافئة لكلِّ مكوِّناته. وهما معًا لا بدَّ منهما لانطلاق حركة التحرير للإنسان في الأرض». (9)
(1) (2) (3) الظلال 9-120-121، 4/25
(4) معالم في الطريق/ 88
(5) (6) الظلال 10/73/68
(7) (8) (9) الظلال 10/68/70، 9/170
الرابط المختصر :