العنوان معارك الدستور في مصر.. الوجه الآخر للاستقطاب الديني والسياسي
الكاتب مؤمن الهباء
تاريخ النشر الجمعة 20-يناير-2012
مشاهدات 49
نشر في العدد 1985
نشر في الصفحة 32
الجمعة 20-يناير-2012
«وثيقة السلمي».. كان المخطط أن يصدر بها مرسوم بقانون من المجلس العسكري لوضع قيود على البرلمان في اختياراته للجمعية التأسيسية
المادة ٦٠ من أهم المواد المستحدثة في الإعلان الدستوري لأنها تضع خارطة طريق لتشكيل الجمعية التأسيسية المختصة بوضع الدستور
ما تلبث الحياة السياسية في مصر تهدأ حتى تنقلب رأسًا على عقب فكلما هدأت عاصفة الدستور هبت من جديد وتحولت بسرعة إلى زوابع وأعاصير، ليس بسبب الدستور في حد ذاته، وإنما بسبب الاستقطاب الديني والسياسي الحاد الذي تعيشه مصر بعد الثورة، ومنذ بداية الحراك السياسي ظهر هذا الاستقطاب واضحًا بين «التيار الإسلامي» ، من جهة، و «التيار العلماني»، من جهة أخرى.
وقد برز أول استنفار لهذا الاستقطاب عندما استحكم الخلاف بين الجانبين في «معركة الانتخابات أولاً أم الدستور أولاً.. ».. حيث تبنت الأحزاب الإسلامية إجراء الانتخابات أولاً، في حين دافعت الكتلة العلمانية عن وضع الدستور أولاً، ويرجع ذلك إلى الخوف من سيطرة الإسلاميين على البرلمان الجديد.
وكان تقدير العلمانيين أن الإسراع إلى صياغة الدستور قبل أن تكشف الانتخابات عن الأحجام الحقيقية للقوى السياسية سيتيح لهم المشاركة على قدم المساواة على الأقل في وضع الدستور مع الإسلاميين إن لم يتفوقوا بحكم صوتهم الأعلى في المنابر الإعلامية واستنادًا أيضًا إلى تخويف صاحب القرار وإرهابه واتهامه بالانحياز إلى الإسلاميين. وللخروج من معركة الانتخابات أولاً أم الدستور أولاً، رأى المجلس العسكري إجراء تعديلات سريعة على بعض مواد الدستور المثيرة للجدل، ثم جرى استفتاء الشعب على إصدار هذه التعديلات في إعلان دستوري والانتقال إلى الانتخابات البرلمانية أم رفضها ، والاتجاه إلى وضع الدستور أولاً، وجاءت النتيجة لصالح الانتخابات أولاً بنسبة ٧٧ %وهو ما زاد من حدة الاستقطاب.
الإعلان الدستوري
في ۳۰ مارس، صدر الإعلان الدستوري الذي سيتم الحكم بمقتضاه خلال المرحلة الانتقالية حتى يسلم المجلس العسكري الحكم إلى سلطة مدنية منتخبة، وفي هذا الإعلان تم التأكيد على مبدأ المواطنة المتساوية لجميع المصريين، وعلى هوية الدولة وانتمائها العربي والإسلامي، وأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع.
وتعد «المادة ٦٠» من أهم المواد المستحدثة في الإعلان الدستوري؛ لأنها تضع خارطة طريق لتشكيل الجمعية التأسيسية المختصة بوضع الدستور الجديد، وتقول المادة: «يجتمع الأعضاء غير المعينين لأول مجلسي شعب وشورى في اجتماع مشترك، بدعوة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة، خلال ستة أشهر من انتخابهم، لانتخاب جمعية تأسيسية - من مائة عضو تتولى إعداد مشروع دستور - جديد للبلاد في موعد غايته ستة أشهر من تاريخ تشكيلها، ويعرض المشروع خلال خمسة عشر يومًا من إعداده على الشعب لاستفتائه في شأنه، ويعمل بالدستور من تاريخ إعلان موافقة الشعب عليه في الاستفتاء».
ورغم هذا الوضوح الكامل بشأن كيفية تشكيل الجمعية التأسيسية، فإن الجدل لم يتوقف حول ما عرف بالضمانات والمعايير والضوابط اللازمة لتشكيل الجمعية التأسيسية؛ ضمانًا لعدم انفراد الإسلاميين بوضع الدستور.
البحث عن التوافق
وفي سبيل تهدئة المخاوف، بدأت جماعة الإخوان المسلمين مرحلة الحراك السياسي في اتجاه الانتخابات بالحوار مع كل الأحزاب والتيارات بلا استثناء؛ لتحقيق نوع من التوافق يسمح لهذه الأحزاب والتيارات أن تخوض الانتخابات بقائمة توافقية واحدة، بدلاً من المنافسة والتناحر في ظروف غير مناسبة وقد بدت الفكرة جيدة ولامعة، إلا أن هناك مَن استكثر على الجماعة أن تحظى بهذا الفضل وتكون هي الداعية والمنظمة للحوار الوطني، فذهب المرجفون إلى من بيدهم القرار يحثونهم على أن يأخذوا هم زمام المبادرة ويتولوا هم تنظيم الحوار وإدارته
وسحب البساط من تحت أقدام الإخوان.
وظهرت أول محاولة للحوار على هذا النحو تحمل اسم «مؤتمر الحوار القومي» برئاسة د. يحيى الجمل، نائب رئيس الوزراء آنذاك، لكنها تعثرت بسرعة، فتم تكليف د. عبد العزيز حجازي ليقود الحوار المنشود تحت اسم «مؤتمر الحوار الوطني»، ولكن سرعان ما تعثرت هذه المحاولة أيضًا، ثم استقر الأمر على العودة إلى د. الجمل حيث جمع حوله مجموعة من ممثلي الأحزاب - «الكرتونية» الصغيرة التي ليس لها وزن في الشارع، وكانت تدور في فلك «مبارك»، وأخذ يتطرق معهم إلى قضايا الدستور وتشكيل الجمعية التأسيسية وما عرف بـه المبادئ فوق الدستورية».
وثيقة الأزهر: دخل الأزهر على الخط وأصدر شيخه د. أحمد الطيب بعد حوار مع مجموعة ممن يطلقون على أنفسهم «المثقفين الليبراليين» وثيقة لتحديد مفهوم المرجعية الإسلامية صدرت في يونيو الماضي واعتبرت وثيقة تاريخية بحق.
تضمنت الوثيقة أحد عشر بندًا ترد على دعاوى الليبراليين والعلمانيين التي يثيرونها ضد الإسلام، وتتحدث عن دستور ترتضيه الأمة يفصل بين السلطات ويحدد إطار الحكم ويضمن الحقوق والواجبات لكل أفرادها على قدم المساواة، بحيث تكون سلطة التشريع فيها لنواب الشعب بما يتوافق مع المفهوم الإسلامي الصحيح، شريطة أن تكون المبادئ الكلية للشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع، وبما يضمن لأتباع الأديان السماوية الأخرى الاحتكام إلى شرائعهم في قضايا الأحوال الشخصية، وتقر الوثيقة الالتزام بمنظومة الحريات الأساسية والدعوة إلى الحوار واجتناب التكفير والتخوين واستغلال الدين في بث الفرقة والتنابز بين المواطنين ومحاربة الفتنة الطائفية والعنصرية.
وقد استقبلت «وثيقة الأزهر» استقبالاً حسنًا من كل الأطراف، لكن الإخوان أبدوا تحفظًا يسيرًا على تعبير «الدولة المدنية» مخافة أن يتم إقحامه في الدستور الجديد، ثم يتخذ مطية للتحول إلى «العلمانية» ولو جبرًا على «النموذج الأتاتوركي»، وطالبوا بأن يتم تبديله إلى الدولة «الديمقراطية الحديثة».
تحالف من أجل مصر
وفي يوليو، كان قد تشكل أول تحالف ق انتخابي بين ۲۸ حزبًا بقيادة حزبي« الحرية والعدالة»، و«الوفد» - الذي انسحب لاحقًا، المهم في الأمر أن التحالف أصدر في 7 يوليو وثيقة للمبادئ العامة المتفق عليها بين أحزابه لتخوض على أساسها الانتخابات البرلمانية كبرنامج انتخابي.. وجاء في هذه الوثيقة التأكيد على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، ولغير المسلمين الحق في الاحتكام إلى شرائعهم، وحرية العقيدة والعبادة، ودعم الوحدة الوطنية وتأكيد مبدأ المساواة بين جميع المواطنين على اختلاف أديانهم، واحترام الحقوق والحريات السياسية والدينية والاقتصادية، واستقلال القضاء، وتداول السلطة.
وثيقة السلمي
لم يتوقف الجدل حول الدستور وجمعيته التأسيسية، فكانت الوثيقة التي تبناها د.علي السلمي أكثر المحاولات جرأة في استباق الخطى نحو معايير تشكيل الجمعية التأسيسية لوضع الدستور الجديد، بما يخلق واقعًا جديدًا يضع قيودا على البرلمان في اختياراته للجمعية التأسيسية.
ولم تكتف بهذا، وإنما تجاوزته إلى إعطاء حصانة لميزانية القوات المسلحة في المادة التاسعة، وانتهى الأمر بسقوط الوثيقة والحكومة.
تصريحات صادمة
وبعد اشتباكات «شارع محمد محمود »الشهيرة، وسقوط المزيد من الضحايا والمصابين، وتشكيل حكومة جديدة برئاسة د الجنزوري وإعلان نتائج المرحلة الأولى للانتخابات البرلمانية مؤكدة تفوق الإخوان والسلفيين، وتشكيل مجلس استشاري من شخصيات مدنية المساعدة المجلس العسكري... ظهرت تصريحات مفاجئة وصادمة لأحد القادة العسكريين يقول فيها للصحافة الغربية : إن البرلمان القادم لن يمثل كل فئات الشعب، ولن تكون له الكلمة العليا في اختيار أعضاء اللجنة التي ستكلف بإعداد دستور جديد للبلاد.
وكان من الطبيعي أن يحدث هذا التصريح دويا هائلاً بعدما رأى فيه كثيرون انقلابًا على الديمقراطية والانتخابات والعهد الذي قطعه المجلس العسكري على نفسه بتسليم الحكم إلى سلطة منتخبة، ولهذا السبب كان قرار الإخوان سريعًا بالانسحاب من المجلس الاستشاري حتى لا يعطي هذا المجلس دورًا بديلاً عن البرلمان، وذلك في الوقت الذي أبدى أعضاء المجلس من الناصريين والعلمانيين حماسًا شديدًا للقيام بهذا الدور البديل.
وتجاهل المجلس العسكري احتجاجات الإخوان المسلمين على تدخل أي «هيئة غير منتخبة» في إعداد الدستور، وأصدر قرارا بتشكيل المجلس الاستشاري من ۳۰ عضوًا أولى مهامه وضع مشروعي قانون بشأن انتخابات رئاسة الجمهورية، وإجراءات تشكيل الجمعية التأسيسية التي ستقوم بإعداد دستور جديد للبلاد .. ورغم هذا الوضوح ظل المجلس العسكري يؤكد أن البرلمان القادم هو من سينتخب أعضاء الجمعية التأسيسية أما المجلس الاستشاري فسيقتصر دوره على وضع إجراءات التشكيل والمعايير والضوابط ومن هنا قيل على المجلس الاستشاري إنه إعادة إنتاج لـ وثيقة السلمي ».
«السلمي» وأعوانه مرة أخرى
ففي يوم الأربعاء ١٤ ديسمبر الذي وافق أول يوم في المرحلة الثانية للانتخابات البرلمانية نشر موقع جريدة «اليوم السابع» على شبكة الإنترنت أن ۱۲ شخصية عامة تقدموا إلى د. كمال الجنزوري، رئس الوزراء يقترحون فيه «تشكيل لجنة تأسيسية لوضع الدستور الجديد »عن طريق توافق القوى السياسية في سياق مستقل عن مجلس الشعب، وما حددته «المادة ٦٠» من الإعلان الدستوري.
ومن أبرز الأسماء الموقعة على الطلب يأتي د. علي السلمي، ود. يحيى الجمل، بالإضافة إلى أسماء معروفة بتطرفها العلماني، وتورطها في معارك الدستور السابقة.
وعلى هذا ، فربما يكون العلاج الصحيح -لهذه الحالة - الذي يوقف معارك الاستقطاب والخوف والتحريض هو اجتهاد القوى الإسلامية عمومًا، والإخوان خصوصًا، في إصدار خطاب سياسي تطميني ما وسعهم في ذلك الجهد، يقرب ولا يفرق، ويسعى للتواصل مع كافة الأطياف للوصول إلى كلمة سواء …