العنوان جمهورية تبحث عن رئيس.. وجمهور يبحث عن الخبز والسلام
الكاتب النذير المصمودي
تاريخ النشر الثلاثاء 09-مارس-1999
مشاهدات 75
نشر في العدد 1341
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 09-مارس-1999
الجزائر
بو تفليقة.. هل هو «مرشح للترشيح» فقط؟!
عندما زرت الجزائر قبل أسابيع كان الحديث عن الانتخابات الرئاسية قد بلغ ذروته بين الناس، وكادت قطاعات واسعة تجمع على أن نتيجة هذه الانتخابات قد حسمت بشكل مسبق لصالح وزير الخارجية الأسبق عبد العزيز بوتفليقة بعد الضجة التي صاحبت إعلانه للترشح وانتشار لجان المساندة الشعبية والحزبية التي أعلنت مساندتها له، وهو ما أدى إلى ترسخ القناعة، بأن بقية منافسيه من المترشحين مجرد خضراوات غير أساسية لتزيين «القصعة» الانتخابية، وإعطاء الانطباع بالتعددية.
في هذه الأجواء من التشكيك بمصداقية الانتخابات ونزاهتها لم يعد من الصعب أن تلمس لدى الجماهير برودة غير معتادة في درجة التحمس، لمثل هذه الانتخابات بعد أن تراكمت في مدركات الجماهير قناعات يصعب إزاحتها بسهولة من قبيل أن الانتخابات في الجزائر محسومة لصالح من ترضى عنه المؤسسة العسكرية، وليس من ترضى به الجماهير، إضافة إلى الأحوال الاقتصادية الصعبة التي تمر بها الجبهة الاجتماعية الجماهيرية في كافة الاتجاهات.
لكن وبرغم هذه المناخات السيئة التي وفرت مقومات جو اللا استقرار واللا أمن، فإن قطاعات أخرى من الجماهير ما زالت على درجة كبيرة من التفاؤل بالخروج من الأزمة وتداعياتها وترى أن الانتخابات الرئاسية القادمة ستكون أكثر نزاهة وحرية، وهو ما يرشح نتائجها لأن تكون وسيلة أساسية في إعادة السلم واللاستقرار، ونقطة انطلاق جدي نحو تكريس الديمقراطية والتداول على السلطة بطريقة سلمية.. فهل لهذا التفاؤل من مبررات موضوعية وواقعية؟
يرى «المتشائمون» أن ليس لهذا التفاؤل ما يبرره، وأنه يعبر عن وجهة نظر حزبية ضيقة لا عن وجهة نظر الجماهير الواسعة التي تعاني في القاعدة من الفقر والبطالة والخوف.. بينما ترى جهات مراقبة للشأن الجزائري أن الانتخابات الرئاسية القادمة ستكون أقرب إلى النزاهة لسببين على الأقل:
الأول: ضغط المجتمع الغربي (فرنسا، وأمريكا بالتحديد) على النظام الجزائري ودعوته إلى إجراء الانتخابات في جو من النزاهة والديمقراطية.
الثاني: تراجع المؤسسة العسكرية عن دورها المألوف في مثل هذه الانتخابات والتزام الحياد تجاه المترشحين، وهو ما أكده الرئيس زروال عشية تنصيبه اللجنة التي ستشرف على الانتخابات، وقد نفى بشكل قطعي أن يكون هناك دعم من قبل الجيش لأي مرشح كان، مؤكدًا بذلك الالتزامات التي سبق أن تعهد بها رئيس هيئة الأركان الجنرال محمد العماري في شهر سبتمبر الماضي، بخصوص حيادية المؤسسة العسكرية تجاه المنافسة الرئاسية.
رهانات المترشحين
- عبد العزيز بوتفليقة:
بعد الأزمة الاقتصادية والأمنية التي آلت إليها الجزائر منذ أواخر عهد الرئيس الشاذلي بن جديد تكوَّن لدى معظم الجزائريين أن العهد «البومديني»، الذي كان بوتفليقة أحد صناعه عهد «المجد»، الذي ولى مع وفاة الرئيس هواري بومدين، وازداد هذا الانطباع الشعبي تكرسًا مع ازدياد تعقيدات الأزمة وتضخم تداعياتها، ولذلك تعمد المشرفون على حملة بوتفليقة الانتخابية توظيف هذا الانطباع الشعبي في محاولة لكسب تأييد الجماهير حتى أنهم اختاروا الإعلان الرسمي عن ترشيح بوتفليقة مساء 27 من ديسمبر الماضي، الذي يصادف ذكرى مرور عشرين سنة على وفاة بومدين، في خطوة رمزية تهدف إلى استثمار ما انطبع في خيال فئات شعبية واسعة لا تزال ترى في عودة رموز العهد البومديني إلى الحكم عودة إلى الرخاء والاستقرار على الرغم من أن هذا الانطباع لا يستند بالضرورة إلى مبررات موضوعية أو معطيات سياسية دقيقة.
فهل سيكون بوتفليقة أول رئيس «بومديني» يعود إلى الواجهة السياسية بعد غياب طويل؟ قد يكون من المستغرب الجزم من الآن بأن بوتفليقة لا يملك فرصة جدية في الوصول إلى كرسي الرئاسة، هذا ما قاله فريق من المحللين استنادًا إلى مؤشرات سياسية قد تبدو للوهلة الأولى، غير كافية لإصدار أي جزم بخروج بوتفليقة من الانتخابات بعد الجولة الأولى أو الجولة الثانية على أكثر تقدير.
ومن أبرز هذه المؤشرات حسب بعض المحللين اختراق شرعية الانتساب إلى مرحلة حكم بومدين عبر ترشيح شخصيات أخرى تنتسب إلى المرحلة نفسها، وفي مقدمة هذه الشخصيات رئيس الحكومة السابق بلعيد عبد السلام المعروف بعدائه القديم لبوتفليقة الذي وصفه في كتابه الشهير «المصادقة والتاريخ»، بأنه كان «عميلًا» لجهات في السلطة الفرنسية، وتواطأ معها من أجل خلافة بومدين وهو طريح فراش المرض في خريف 1978م.
كما أن شخصيات أخرى من حقبة بومدين لم تدخل معترك الترشح للانتخابات لكنها وقفت في صف مرشحين آخرين منافسين لبوتفليقة، ومن أبرز هؤلاء الجنرال رشيد بن بلس والدكتور محمد يزيد مدير معهد الدراسات الاستراتيجية سابقًا «مجلة المجلة العدد 992».
ولعل هذا المؤشر كان كافيًا لاهتزاز صورة بوتفليقة في أوساط الأحزاب المساندة له على الأقل، وقلل من فرصة نجاحه في الانتخابات كمرشح «الإجماع» المدعوم من المؤسسة العسكرية.
في حين يرى بعض الأوساط المقربة من دواليب السلطة أن الجنرال العربي بلخير الذي يصفه الخبراء بصانع الرؤساء في الجزائر - مازال قادرًا على ممارسة ضغط أكثر نفوذًا في صناعة الرئيس الجديد على اعتباره من أقوى أقطاب «حلف وجدة»، «وهي جماعة ضاغطة في كواليس السلطة»، ويعتقد المحللون أن ترشيح بوتفليقة يجري تحت مظلة الجنرال القوي العربي بلخير ورئيس الحكومة الحالي إسماعيل حمداني الذي يعتبر هو الآخر من أقطاب «جماعة وجدة» المخضرمين، غير أن مقربين من بوتفليقة نفسه یرون خلاف ذلك، ويعتقدون أن بوتفليقة هو مجرد «مرشح للترشيح» فقط، وأن اسمه لم يلبث أن يستهلك تمامًا قبل بدء الحملة الانتخابية الحقيقية، ليدفع به بعد ذلك بشكل أو بآخر نحو بوابة الخروج بعد أن يكون قد أدى الدور المرسوم له منذ البداية، وهو أشبه بدور «فزاعة إعلامية» الهدف منها تحويل أنظار الرأي العام والطبقة السياسية عن الصراعات والمقايضات الحقيقية التي تجري في الخفاء، والتي ستتحدد على ضوئها ملامح صورة الرئيس المقبل «حسب رأي العقيد شريف بلقاسم أحد أصدقاء بوتغليفة - مجلة المجلة».
وحسب مصادر سياسية جزائرية التقتها «المجتمع»، فإن هذا الرأي أقرب إلى الموضوعية والواقعية، وترى المصادر ذاتها أن ترشيح بوتفليقة كان لمجرد الاستهلاك الإعلامي، وأن الرئيس القادم سيكون رئيس المفاجأة!
- الشيخ محفوظ نحناح:
ما زالت قطاعات واسعة من الجماهير تعتقد أن الشيخ محفوظ رئيس حركة مجتمع السلم هو الفائز الحقيقي في انتخابات الرئاسة عام 1995م التي نافسه فيها الجنرال الأمين زروال لولا عمليات التزوير الواسعة التي صاحبت هذه الانتخابات، ولذلك ما زال الاعتقاد سائدًا بأن دخول الشيخ محفوظ هذه المرة حلبة للانتخابات الرئاسية، وفي حالة قبول ترشيحه لن يشكل أي خطر على منافسيه حتى وإن دخل الدور الثاني بالنظر للدور المتوقع لعمليات التزوير.
لكن محللين يرون أن ترشيح نحناح هذه المرة لا يهدف إلى الفوز بكرسي الرئاسة بقدر ما يهدف إلى الضغط أكثر على السلطة من أجل تحقيق مكتسبات جديدة على مستوى الجهاز التنفيذي والسياسي الدولة، ويعتقد العارفون بخفايا «حرب الترشيحات»، أن النحناح ما زال قادرًا على تحقيق المفاجأة واستقطاب أصوات جديدة غير أن الخطوط الحمراء المرسومة له ستظل عائقًا مهمًا أمام تحقيقه مواقع متقدمة في حركته السياسية وإحرازه كرسي الرئاسة، ويتوقع أن يمنح النحناح في الحكومة القادمة حقائب وزارية مهمة قد تصل إلى وزارات «السيادة» كوزارة الخارجية مثلًا.
- حسين آيت أحمد:
بالرغم من أن حسين آيت أحمد كان زعيمًا من زعماء ثورة التحرير إبان الاحتلال الفرنسي للجزائر، إلا أن هذه الشرعية التاريخية لن تساهم في ارتفاع أسهمه في بورصة الرئاسيات القادمة على اعتبار محدودية حزبه في مناطق القبائل البربرية وعدم قبول الجماهير في غير هذه المناطق الأطروحاته السياسية المرتبطة بنزعة جهوية وعرقية واضحة، لكن ترشحه للرئاسيات ودخوله الجزائر لحضور مؤتمر حزبه يعتبر من أهم الدلالات على اقتناعه بأن الجيش سيلتزم هذه المرة الحياد في الانتخابات، وأن موقفه الراديكالي من المؤسسة العسكرية أصبح أكثر ليونة بعد لقاءات سرية أجراها مع عدد من كبار الضباط الجزائريين في سويسرا وفرنسا.
بداية النهاية
في ظل هذه الأجواء المعقدة يظل السؤال مطروحًا: هل سيشكل الرئيس الجزائري القادم نقطة البداية باتجاه النهاية أي نهاية المشهد الجزائري المأساوي، أم سيكون بداية المشهد أكثر مأساوية؟
المؤشرات في الساحة الجزائرية تبعث على التفاؤل، ولم يعد يهم الجماهير المنتكسة من يكون شخص الرئيس «عسكري، أو مدني، من الغرب، أو من الشرق»، بقدر ما يهمها قدرته على توفير الخبز والسلام.