العنوان الجزائر: خبايا لعبة تبديل المقاعد
الكاتب يحيي ابو زكريا
تاريخ النشر السبت 15-يونيو-2002
مشاهدات 71
نشر في العدد 1505
نشر في الصفحة 32
السبت 15-يونيو-2002
لم تخرج النتائج المعلنة والنسب التي حصلت عليها الأحزاب السياسية المشاركة في انتخابات الجزائر البرلمانية عن التوقعات التي تداولتها الصالونات السياسية في العاصمة الجزائرية، وسربت إلي بعض المنابر الإعلامية.
فقد جاءت النتائج شبه مطابقة لما تم تداوله وتسريبه أثناء الحملة الانتخابية وأعطت الأغلبية المطلقة لحزب جبهة التحرير الوطني «الحزب الواحد سابقًا»، الذي يتزعمه رئيس الحكومة علي بن فليس «199» من «389» مقعدًا وتوقعت انهيار حزب السلطة «التجمع الوطني الديمقراطي » الذي حصل على ١٥٦ مقعدًا في عام ۱۹۹٧م ولم يكن مضى آنذاك 3 أشهر على تأسيسه، أما في الانتخابات الأخيرة فلم يتمكن من الحصول على أكثر من ٤٧ مقعدًا.
حزبا السلطة وجهان لعملة واحدة
وإذا تكلمنا بلغة الأرقام دائمًا فإن التيار الحاكم يمثله حزبان للسلطة:
1- جبهة التحرير الوطني: الحزب الواحد سابقًا الذي حكم البلاد منذ الاستقلال عام ١٩٦٢م، حتى الآن، ولم يخرج يومًا من السلطة برغم دخول البلاد في مرحلة التعددية السياسية بعد دستور فبراير ۱۹۸۹م بل أصبحت جبهة التحرير حزبًا ورجالًا موجودة في الحكم والمعارضة، وممثلة في كل مؤسسات المرحلة الانتقالية التي أعقبت توقيف المسار الانتخابي واستقالة الرئيس الشاذلي بن جديد «يناير ۱۹۹۲م»، بدأ بالمجلس الاستشاري والمجلس الانتقالي اللذين أسسا لملء فراغ الهيئة التشريعية بعد حل البرلمان وإلغاء النتائج التي فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ مرورًا بالمجلس الأعلى للدولة «رئاسة جماعية»، وندوة الوفاق الوطني، والحكومات المتتالية والبرلمان. وحاولت جبهة التحرير التحول إلى حزب معارض في عهد أمينها السابق عبد الحميد مهري، ولكن أطيح به عام ١٩٩٦م. وعادت الجبهة إلى بيت الطاعة ثم استحوذت- مع مجيء الرئيس بوتفليقة عام- على رئاسة الجمهورية، فبوتفليقة من القادة البارزين للجبهة وعضو لجنتها المركزية، كما استولت على رئاسة الحكومة التي تولاها علي بن فليس أمين عام الجبهة، ومجلس الأمة الذي ترأسه محمد شريف مساعدية «وافته المنية يوم الأول من يونيو الجاري»، وحصلت في الانتخابات البرلمانية الأخيرة على ١٩٩ مقعدًا وهو ما يؤهلها للسيطرة على السلطة التشريعية والتنفيذية.
2- حزب السلطة الثاني: الذي خرج من رحم جبهة التحرير هو التجمع الوطني الديمقراطي، وقد عرف الحزبان مواسم هجرة جماعية لمنتسبيهما من جبهة التحرير إلى التجمع الوطني كما حدث في ۱۹۹۷، أو العكس كما حدث في ۲۰۰۲، وقد تأسس التجمع قبل ثلاثة أشهر من انتخابات عام ۱۹۹۷ وسخرت له كل إمكانات الدولة، وزورت الإدارة الانتخابات وقلبت نتائجها لصالحه فأصبح حزب الأغلبية المفبركة، وسيطر على مؤسسات الدولة الدستورية والمجالس المحلية مرة أخرى. باستخدام لغة الأرقام فإن التيار الوطني الذي يمثل السلطة لم يخسر في هذه الانتخابات على الرغم من فقدان التجمع الوطني لـ ۱۰۹ مقاعد مقارنة بعام ۱۹۹۷، بل إن هذا التيار كسب بالمقارنة مع انتخابات عام ۱۹۹۷، وربح كثيًرا بالمقارنة مع انتخابات ۱۹۹۱، فحزبا السلطة يستحوذان على ٢٤٦ مقعدًا من مقاعد البرلمان الـ ۲۸۹ بينما لم تكن تتجاوز ۲۱۸ في الانتخابات الماضية، أي بزيادة قدرها ۲۸ مقعدًا، ولا يستبعد التحاق بعض النواب من مجموعات الأحرار «المستقلين»- كما كانت العادة دائمًا- وعددهم ٢٩ نائبًا في البرلمان الجديد بكتلة نواب الأغلبية.
تراجع الأحزاب الإسلامية
وإذا كان التيار الحاكم قد سجل تقدمًا، فإن الوعاء الانتخابي الإسلامي قد سجل تراجعًا وخسر بالمقارنة مع النتائج التي حصل عليها سواء في انتخابات ۱۹۹۷م أو ۱۹۹۱م الملغاة، فحركة مجتمع السلم خسرت ۳۱ مقعدًا وحصلت على ۳۸ مقعدًا، أما حركة النهضة فقد انهارت تمامًا وخسرت ٣٣ مقعدًا ولم تستطع الفوز إلا بمقعد واحد فقط وهو محل نزاع لدى المجلس الدستوري.
وبمقارنة النتائج الحالية التي حققها التيار الإسلامي الشرعي «لأن جبهة الإنقاذ لا تزال محظورة»، مع نتائجه في ۱۹۹۷م أو ۱۹۹۱م، نجد أنه في ۱۹۹۷م كان يستحوذ على ۱۰۳ مقاعد «حمس ٦٩ والنهضة ٣٤»، وفي انتخابات عام ۱۹۹۱م الملغاة حصلت جبهة الإنقاذ في الدور الأول فقط على ۱۸۸ مقعدًا، وكانت مرشحة في الدور الثاني للحصول على بقية مقاعد البرلمان، أما في الانتخابات الحالية فلم يحصل التيار الإسلامي إلا على ۸۲ مقعدًا «الإصلاح ٤٣ حمس ۳۸ النهضة مقعد واحد».
النتائج المعلنة وبغض النظر عن مدى شفافيتها ونزاهتها أفرزت ترتيبًا جديدًا للقوى السياسية لكنها لم تدخل تغييرًا جذريًا على الخارطة السياسية، فهي أعادت جبهة التحرير إلى الصدارة بقيادة جديدة لا تنتمي للحرس القديم وهو رئيس الحكومة علي بن فليس، وكان كبش الفداء- شكليًا فقط- التجمع الوطني الديمقراطي المتهم بارتكاب عمليات تزوير فاضحة وفساد ممثليه على مستوى البرلمان والمجالس المحلية وتورطهم في قضايا الرشوة والاختلاسات وتم تحجيم التيار الإسلامي، وملء الفراغ الذي تركه الحزبان البربريان جبهة القوى الاشتراكية، والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، اللذان قاطعا الانتخابات بفعل أحداث القبائل من خلال بعض الأحزاب المجهرية ومجموعات الأحرار، وجاءت النتائج تمامًا كما تم تسريبها خلال الحملة الانتخابية مع تحجيم التيار الإسلامي لتبرير القول بأن هذا التيار لم يعد يمثل القوة السياسية الأولى في البلاد إذ لا يتجاوز عدد نوابه في البرلمان المقبل ۸۲ نائبًا، بنسبة ٢١%، وحوالي مليون ونصف مليون صوت مقابل مليوني صوت في ۱۹۹۷ وأربعة ملايين في ١٩٩١م.
عودة جبهة التحرير للسلطة.. استكمال للصفقة التي بدأت بمجيء بوتفليقة
لم يثر حزب سياسي جزائري جدلًا مثلما أثاره حزب جبهة التحرير الوطني الذي قاد الثورة الجزائرية بين ١٩٥٤- ١٩٦٢م، وقاد الدولة منذ الاستقلال في سنة ١٩٦٢م وإلى ۱۹۸۸م تاريخ خريف الغضب الجزائري وبداية التعددية السياسية والإعلامية، وإذا كان الحزب محل احتضان الجزائريين في عهد الثورة بسبب بسالة رجاله في الدفاع عن البلاد ضد الاستعمار الفرنسي، فقد أصبح في عهد الدولة نقمة وبلاء على الجزائريين فرجال الثورة عندما أصبحوا رجالاً للدولة وبحجة الشرعية الثورية وبحجة فضلهم على الجزائر بتحريرها والجزائريين بجلب الاستقلال لهم كمموا الأفواه وحاربوا حتى رفاق السلاح بالأمس.
فأحمد بن بيلا الذي أصبح أول رئيس حكومة مستقلة حكم على رفيقه في الجبال محمد بوضياف بالإعدام، وبالسجن المؤبد على حسين آيت أحمد وأصدر حكمًا بإعدام العقيد شعباني، ورفيق بن بلا المقرب هواري بومدين هو الذي أطاح بأحمد بن بيلا واغتال عبر أجهزته الأمنية كريم بلقاسم في ألمانيا وخيضر في إسبانيا وعشرات المعارضين في الداخل وأصبح حزب جبهة التحرير ملاذًا لكل من يرغب في الحصول على منصب سياسي أو امتياز لا يحظى به سوى المنتمين إلى حزب الجبهة، وقد كان هذا الحزب بوتقة تضم السياسيين والعسكريين على حد سواء. حيث لا يمكن أن يكون العقيد عقيدًا إلا إذا كان عضوًا في جبهة التحرير، ولا يمكن أن يكون الوزير وزيرًا إلا إذا كان عضوًا في جبهة التحرير. وكان أعضاء اللجنة المركزية للجبهة من كبار الضباط والسياسيين هم صناع القرار الفعليين ولم يستحوذ المنتمون والمسيرون لهذا الحزب الذين سخروا الأجهزة الأمنية في ملاحقة خصومهم من الإسلاميين واليساريين والبربر والقوميين على صناعة القرارات الكبرى فحسب، بل استحوذوا على ثروات الجزائر المادية وبخاصة النفط والغاز حتى أصبح بارونات الحزب من أغنى أغنياء القارة الإفريقية وبسبب طقوس الدكتاتورية والأحادية التي مارسها الحزب انفجر الشارع الجزائري تلقائيًا في خريف الغضب في أكتوبر سنة ١٩٨٨م، حيث أجبر الرئيس الشاذلي بن جديد على إجراء إصلاحات سياسية وتعددية أفضت إلى نقل جبهة التحرير إلى الصفوف الخلفية بعد أن كانت سيدًا بلا منازع وفي الانتخابات التشريعية التي جرت في ٢٦ ديسمبر ۱۹۹۱م مني حزب جبهة التحرير بهزيمة نكراء جعلت المشرفين عليه يقولون إنه يجب إحالتها إلى متحف التاريخ الجزائري.
وقد شكلت عودة عبد العزيز بوتفليقة إلى سدة الرئاسة في سنة ١٩٩٩م عقب صفقة مرتبة مع المؤسسة العسكرية إلى بداية التخطيط لكي تسترجع جبهة التحرير قوتها السابقة، وبدأ مشروع ضخ الروح في الجبهة عندما قرر بوتفليقة الاستعانة برجال الأرشيف لتسيير دفة الحكم، فأعاد إلى المسرح السياسي كل المتقاعدين من أعضاء الجبهة كشريف مساعدية والعربي بلخير وعبد العزيز بلخادم وعلي بن فليس الذي ساهم في تعيينه رئيسًا للحكومة ثم أمينًا عامًا للجبهة. وللإشارة فإن الجبهة الإسلامية للإنقاذ وعندما فازت بـ ۱۸۸ مقعدًا ادعت السلطة ومعها المؤسسة العسكرية أن الجزائر ستؤول إلى الأحادية الأصولية. والآن عندما فازت جبهة التحرير بفعل فاعل بـ ۱۹۹ مقعدًا في البرلمان لم يحذر أحد من رجال السلطة من ذهاب الأوضاع في الجزائر نحو الأحادية والتوليتارية.
عرفت الجزائر في العشرية الماضية تسع انتخابات أي بنسبة انتخاب لكل سنة، ولم تفض هذه الانتخابات إلى إعادة ترتيب البيت بقدر ما كانت تقضي إلى إعادة ترتيب دوائر القرار ومجمل الانتخابات السابقة كان توسع الفجوة بين السلطة والأحزاب السياسية، كما كانت تفضي إلى انفراط الإجماع الوطني وكل تلك الانتخابات لم تساهم في وضع حد للفتنة العمياء التي تعصف بالجزائر منذ أكثر من عشر سنوات.
وقد أرخت الانتخابات السابقة بظلالها على الانتخابات التشريعية الأخيرة حيث إنه وبناء عليها كانت المشاركة الشعبية في هذه الانتخابات محدودة للغاية وما زاد في الطلاق البائن بين المواطن والانتخابات اعتراف العديد من الرسميين أن انتخابات سنة ۱۹۹٩م كانت مزورة، وكان الهدف منها في ذلك الوقت إيصال التجمع الوطني الديموقراطي- الحزب الذي ولد بشارب كما يقول الجزائريون- إلى البرلمان وبقوة وبعد مراجعة الحسابات وتقييم ما جرى تقررت العودة إلى عصر الأحادية، خصوصًا وأن صناع القرار الفعليين وبرمتهم ينتمون إلى هذه المرحلة التي ما زال يحن إليها كثيرون، متناسين أن المتغيرات الدولية قد عصفت بتلك المرحلة، ومتناسين أيضًا أن الخطة المتفق عليها بإعادة جبهة التحرير إلى الحكم فتحت ثغرة جديدة في الجدار الوطني الجزائري المنهك بالثغرات؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل