; اليمن السعيد علي موعد مع العطش | مجلة المجتمع

العنوان اليمن السعيد علي موعد مع العطش

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 14-نوفمبر-2000

مشاهدات 62

نشر في العدد 1426

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 14-نوفمبر-2000

  • الجفاف.. الهدر.. القات.. والنمو العشوائي.. أسباب للأزمة المائية 

صار من المناظر الاعتيادية في العاصمة اليمنية صنعاء أن يرى المرء طوابير صغيرة لأطفال ونساء يحملون أوعية بلاستيكية لجلب الماء من أحد المساجد أو المعسكرات وتزداد الصورة قتامة في مدينة تعز، الواقعة في جنوب وسط اليمن؛ إذ يعد من المحظوظين من يصل الماء إلى منازلهم مرة كل عشرة أيام أو كل أسبوعين في الغالب.

 تحذيرات الدراسات الخاصة بالمشكلة المائية في اليمن سواء كانت محلية أو دولية، تؤكد أنه لا يوجد بلد مثل اليمن تتعرض خزاناته الجوفية للنضوب بهذه السرعة، أما في العاصمة صنعاء، فإن المياه في حالة استمرار الوضع الراهن، سوف تنضب في غضون عشر سنوات فقط.

 لم تعد أزمة المياه في بلد كاليمن أمراً يمكن الاستهانة بخطره أو تأجيل معالجته، فبينما يبلغ مستوى خط الفقر الماني (۳۱۰۰۰) سنوياً للفرد، فإن نصيب الفرد اليمني من المياه حالياً بلغ (١٥٠م٢) فقط وفيما كان كثير من المناطق اليمنية تتمتع بمستوى مياه بضعة أمتار فقط تحت حوض صنعاء، وفي مناطق أخرى عن ۱ – ۸ أمتار سنويا، وفي الآونة الأخيرة، يتم الحفر إلى مساحة كيلو متر واحد وكيلومترين عند البحث عن مصادر جديدة للمياه في حوض صنعاء لمواجهة الاحتياجات المتزايدة بعد موسمين من الجفاف يحصل فيه السكان على المياه ٤ مرات تقريباً.

الدراسات المكثفة لاستجلاء الأسباب والحلول التي يشرف عليها البنك الدولي للإنشاء والتعمير حددت أسباب أزمة المياه في اليمن بأسباب عدة من أهمها: النمو السريع للمدن خلال السنوات الماضية دون وجود تخطيط لتموينها بالمياه والنمو غير المنظم للزراعة التي تعتمد على المياه الجوفية والتي ازدادت مساحتها من ٢٧ ألف هكتار إلى ٣٦٨ ألف هكتار

خلال الثلاثين سنة الماضية، كما توسعت زراعة أصناف تستهلك مياهاً كثيرة مثل الخضراوات والعنب والقات وهو النبتة الأكثر استهلاكًا للمياه بنسبة ٪٣٠ من المياه المستخدمة للزراعة. 

وبالإضافة إلى بيع المياه للمستهلكين بأقل من كلفتها الحقيقية وفق رأي البنك الدولي – مما يؤدي إلى وجود عجز كبير في تغطية النفقات الإنتاجية، والعجز عن تنفيذ عمليات الصيانة والتطوير وهذا ينسحب- كذلك-على مضخات المياه المستخدمة في الزراعة، ومادة الديزل، وهما مدعومتان من الحكومة ويحصل عليهما المزارعون بأسعار منخفضة وقروض ميسَّرة.

وتتجسد أزمة المياه بقوة في مدينتين يمنيتين هما «تعز» ثم «صنعاء».. لكن تعز، تتصدر قائمة المعاناة وأولويات مشاريع الإنقاذ بعد أن وصل الأمر إلى درجة خطيرة في منتصف التسعينيات، إذ كانت إمدادات المياه تصل إلى المنازل مرة واحدة فقط في الشهر ولا يبدو- حتى الآن – أن هناك انفراجاً قريباً للأزمة؛ إذ أخفقت كل المحاولات - الاستكشاف مصادر جديدة للمياه لسد الحاجة الضرورية للحياة، وإن كانت الأزمة قد خفت قليلاً بفعل تشغيل بعض الآبار الاستكشافية التي خفضت فترة التموين إلى مرة واحدة كل أسبوعين العاصمة صنعاء، فقد وصلت الفجوة المائية بين الاستهلاك السنوي والمياه المتجددة إلى187 مليون متر مكعب عام ٢٠٠٠م. ويتوقع أن أما ترتفع إلى ٣٥١ مليون متر مكعب عام ٢١٠م.

ويبدو شبح الكارثة واضحاً مع حقيقة أن المخزون الجوفي لخوض صنعاء المائي ٢٢٠٠كم٢ معرض للاستنزاف خلال السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين فهناك أكثر من مليون المليون نسمة يعيشون في منطقة الحوض ويتم الحصول على المياه من خلال قرابة خمسة الاف بئر معظمها يملكها المواطنون والمؤسسات الخاصة والعامة لاستخدامات الزراعة التي تروي30 ألف هكتار بالمياه الجوفية، وللاستخدامات الخاصة والصناعة بعيداً عن الإشراف الحكومي.

إنذار مفزع

هكذا يقرع الخبراء جرس إنذار في حالة عدم حدوث أي تغيير في الوضع الماني الراهن، ويرسمون سيناريو، سلبيا لذلك يتمثل في الآتي:

أ– استمرار عملية استنزاف المياه الجوفية وهبوط مستواها مما سيؤدي إلى تدهور نوعية المياه بسبب طبيعة الطبقات الأرضية الحاملة أو تداخل مياه البحر. 

ب– ارتفاع تكلفة الحصول على المياه من مصادر غير حكومية بصورة حادة سوف تؤدي إلى أن تصير المياه العائق الأول أمام النمو الاقتصادي وتشجيع الهجرة من الريف إلى المدن بعد تدهور النشاط الزراعي والتحول إلى الزراعات المريحة، وفي كل ذلك سوف يعاني الفقراء أشد المعاناة. 

ج – تزايد حدة الخلافات حول المياه بين المناطق التي تحظى بمخزون واف وعدد قليل من السكان والمناطق ذات الكثافة السكانية قليلة المياه.

وفي المقابل، يرسم الخبراء سيناريو، إيجابياً في حالة تنفيذ برنامج الإصلاح الماني يقوم على:

  1. إجراء حوار وطني حول أزمة المياه بين قطاعات المجتمع كافة بإشراف حكومي قوي واستحداث توجهات فنية مؤسسة، وتبني إجراءات إصلاحية قوية بالإجماع السياسي والشعبي توفر أسساً واضحة لتنفيذ البرنامج وتشجيع الدول المانحة على تقديم الدعم المادي للمشاريع المستقبلية. 

  2. تشجيع الاستثمارات الخاصة في مجال المشاريع المائية الصغيرة وإشراك الأهالي في تملك وإدارة المشاريع في الريف، وتنويع الاقتصاد عن الأنشطة التي تستخدم المياه بكثافة وتوفير فرص للنمو الاقتصادي والاجتماعي المستديم. 

  3. دعم مستوى الحياة في الريف لتخفيف الهجرة إلى المدن، وتوجيه النمو المستقبلي نحو مناطق الكثافة المائية في حضرموت خصوصا، التي تشكل مع كثافة سكانية خفيفة، نحو نصف مساحة اليمن، بهدف تخفيف سرعة الاستنزاف المائي الراهن.

لكن هذه الصورة الإيمانية تواجهها أخطار أهمها عدم وجود دعم سياسي حقيقي وإجماع وطني بين فئات المجتمع بشأن تبني الحلول المطروحة بالإضافة إلى عدم قدرة المؤسسات اليمنية على صياغة الشراكة بين القمة والقاعدة والدفع بها إلى حيز التنفيذ، وبين هذين السيناريوهين الإيجابي والسلبي، تتجه توقعات البنك الدولي للإنشاء والتعمير إلى أن المحصلة سوف تكون مزيجاً منهما، لأن عمق الأزمة لن يسمح بتجاهلها مطلقاً كما أن خصائص الظروف السياسية والاجتماعية في اليمن سوف تعيق تنفيذ حلول البنك الدولي حرفياً، لكن ما هذه الحلول؟ 

حلول البنك الدولي

إنها تتمثل استخدام وسائل حديثة في الزراعة للتقليل من الاستهلاك المتزايد للمياه في القطاع، وإعادة تنظيم تموينات المياه في المدن والقرى، حيث يصل الفاقد في المدن إلى ٤٠٪ فيما يحصل أقل من نصف سكانها فقط على المياه النظيفة، أما على المستوى الوطني، فإن ۸۰٪ من السكان لا يحصلون على مياه نظيفة أي عبر مشاريع حكومية تكاد خدمات المصرف الصحي تكون معدومة في مناطق كثيرة جداً، بل وفي داخل المدن الرئيسة نفسها.

كما يطالب البنك الدولي بانتهاج برنامج إصلاح مائي جذري لتفادي الكارثة المقبلة مثل إلغاء القروض البنكية المخصصة لشراء المضخات وفرض ضرائب عليها، ورفع الدعم عن المياه المباعة المشاريع الحكومة، بحيث تكون مكافئة لنفقات الإنتاج مع القيام بحملة توعية بأخطاره والتقليل من زراعته التي تمثل مصدراً مريحاً لا يضاهي عبر فتح باب الاستيراد الخارجي للقات من دول أخرى مثل إثيوبيا نظراً لرخص ثمنه، مما سيؤدي إلى انصراف المزارعين اليمنيين عن زراعة القات بعد أن يفقد جاذبيته الربحية. 

هكذا تبدو الصورة العامة المستقبل المياه أشد جفافاً، إن صح التعبير في اليمن ولا سيما أن خيار تحلية ماء البحر ونقله من المناطق الساحلية إلى المرتفعات المحتاجة إليه يبدو مكلفاً للغاية، إذا علمنا أن تكلفة المتر الواحد سوف تبلغ ٦.٦ دولار أمريكي الأمر الذي يؤكد أن اليمن المشهور بأرضه السعيدة سوف يكون على موعد مع العطش ما لم نتجه الجهود نحو اختيار الحلول الملائمة والبدء في تنفيذها، قبل أن يأتي يوم يكون كوب الماء أثمن مفقود وأغلى من الذهب والبترول وربما الدم. 

 

الرابط المختصر :