; اليمن بين اختلاف الأيديولوجيات والصراع على السلطة | مجلة المجتمع

العنوان اليمن بين اختلاف الأيديولوجيات والصراع على السلطة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يناير-1981

مشاهدات 52

نشر في العدد 513

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 27-يناير-1981

  • الاتجاه الماركسي في اليمن الجنوبي، ونقل نار الفتنة إلى الشمال تحت دعوى الوحدة والتحرر.

  • موقف السلطة الحاكمة في اليمن من الصراع بين الجبهة الوطنية الديمقراطية الشيوعية، والحركة الإسلامية المتمثلة بالإخوان المسلمين.

  • الإخوان المسلمون يسيطرون على مواقع كبيرة في أنحاء اليمن الشمالي.

اليمن السعيد.. ماذا يحدث فيه؟، ومن أولئك النفر الذين يقفون وراء دفة الحكم فيه؟، وما الأوراق التي يلعب بها اللاعبون هناك؟، ولماذا صار اليمن اليوم مسرحًا لإحدى اللعب المريرة؟، وما هوية هذه اللعبة؟ كل هذه الأسئلة تثير نفسها في ذهنية العامل في حقل الصحافة الإسلامية بشكل يختلف تمامًا عن الأسئلة، التي تطرح في عالم التجارة السياسية والسمسرة الصحافية، التي تتميز بترويج بضاعة هذا أو ذاك في الشارع السياسي، الذي تغشيه اليوم سحب كثيفة من الضباب!!، ولن نرى بأسًا في بداية الموضوع من عرض بعض الملاحظات حول أهمية اليمن!

  • تحتل اليمن الزاوية الجنوبية - الغربية من شبه الجزيرة العربية، وتطل على مضيق باب المندب، الذي يعتبر موقعًا إستراتيجيًّا هامًّا في العالم؛ لأنه مفتاح البحر الأحمر، وطريق العبور من المحيط الهندي إلى أبرز المواقع الإستراتيجية في عالمنا العربي، وبهذا يطل اليمن «کاملًا غير مجزئ» على بحرين معًا: «البحر الأحمر، والمحيط الهندي».

  • يتميز اليمن بشريًّا عن باقي دول الجزيرة العربية والخليج بتفوقه السكاني؛ حيث تفوق بتعدادها سكان باقي أنحاء الجزيرة العربية، والشعب اليمني شعب شديد الارتباط بعقيدته وشريعته الإسلامية.

  • وأرض اليمن أرض زراعية خصبة، لا يوفر أهلها جهدًا باستغلال سهولها وسفوح جبالها بأندر المزروعات العالمية كالبن والصمغ، فضلًا عن الحبوب والقطن وغير ذلك. ويذهب البعض إلى أنه لو أحسن استغلال الطاقة الإنتاجية لأرض اليمن لكفت شعوب الجزيرة كلها.

  • واليمن بهذه المؤهلات لا بد وأنه يجتذب أنظار العالم، العالم الذي يرى فيه قاعدة جاهزة تحتل الزاوية الجنوبية الغربية من قارة آسيا، وتطل على القارة الأفريقية من قبل قرنها الملتهب؛ بسبب صراع النفوذ عليه، وهي ملتقى السفن القادمة من الأطلسي باتجاه جنوب آسيا وشرقها، ومركز للتزود بما يلزم في حياة السلم وحياة الحرب وسط ملتقى الماءين.

اليمن وسط الخلاف الأيديولوجي:

لا شك في أن كل من يقرأ «ألف- باء» السياسة يقف من خلال الخطوط العريضة على الطريقة الاستعمارية في زرع الأيديولوجيات المختلفة وسط الأمة الإسلامية وعلى تخومها؛ لتبدو أرض الإسلام قطعًا متنافرة متنابزة.

  • فعندما منح اليمن «الجنوبي» عدن - استقلاله عام (١٩٦٧)، ترك البريطانيون المستعمرون اليمن لوصاية مجموعة من الناس، الذين لبسوا لبوس النضال، واتخذوا مكانة المناضلين، وكان على رأس هؤلاء «قحطان الشعبي»، الذي عُين رئيسًا لمجلس الرئاسة في اليمن الجنوبي، وفي هذه الفترة فتح الباب للعمل السياسي على مصراعيه للشيوعيين وأدعياء القومية والإقليمية معًا. الأمر الذي أدخل اليمن الجنوبي في نزاعات محلية أدت إلى قيام الجيش بانقلابه عام ١٩٦٩، وتنصيب «سالم ربيع عليّ» رئيسًا لمجلس الرئاسة.

  • وبمجيء «سالم ربيع علي» إلى السلطة ظهرت في اليمن الجنوبي «عدن» ثلاثة اتجاهات تتمثل بــ «سالم ربيع علي - وعبد الفتاح إسماعيل أمين عام التنظيم - ومحمد علي هيثم رئيس الوزراء».

  • وفي هذا الوسط عشعش سرطان يسمى تارة باليسار، وتارة بالاشتراكية، وتارة بالشيوعية، وكان أكثر الاتجاهات الثلاث انعطافًا نحو الشيوعية اتجاه عبد الفتاح إسماعيل.

وعاش اليمن الجنوبي فترة عصيبة، تميزت بالصراع على السلطة، الذي تخللته التصفيات الجسدية والممارسات الشوفيتية، التي تجيدها الزمرة الشيوعية بشكل كامل.

ولكن.. ماذا عن اليمن الشمالي؟

كان التحالف الثلاثي في عدن قبل إسقاط «قحطان الشعبي» يرفع ديباجة توحيد شطري اليمن، إلا أن الخلاف الأيديولوجي بين أطراف التحالف السياسي أدى إلى إشعال صراع دموي في اليمن الجنوبي على السلطة؛ لتظل وسط هذا المناخ فكرة توحيد اليمن ميتة قبل ولادتها، ولكن النار لم تكتف بحرق أصابع العدنيين في الجنوب، فقد عمد عبد الفتاح إسماعيل وحلفاؤه اليساريون إلى مد نار الفتنة إلى اليمن الشمالي؛ انطلاقًا من أيديولوجية نشر الفكر اليساري، وتأسيس تنظيماته في الشمال، فكان أن شكلت في اليمن الشمالي بفعل من العدنيين «الجبهة الوطنية الديمقراطية».

والجبهة الوطنية الديمقراطية تنظیم سیاسي مسلح، يعمل داخل اليمن الشمالي بدعوى إسقاط ما يسمى بـ«الرجعية والتبعية للرجعية العربية»، إلى آخر ما هنالك من مسميات اليسار، وتسمياته الشعارية الفارغة.

ومن الأهداف المعلنة للجبهة الوطنية الديمقراطية في اليمن الشمالي إسقاط نظام الحكم، وتوحيد شطري اليمن، وتمتين الصداقة مع الاتحاد السوفيتي والكتلة الشيوعية في العالم.

وبث الأخطبوط الثوري اليساري في شبه الجزيرة العربية؛ لتعميم النموذج الاشتراكي فيها.

ويبدو أن الجبهة الوطنية الديمقراطية - التي يدعمها ويمولها ويمدها بالسلاح حكام «عدن» اليساريون - دخلت في صراع دموي على السلطة مع قوى متعددة في اليمن الشمالي لا بد من المرور عليها.

قوى الصراع الداخلي في اليمن الشمالي:

يرصد المراقبون الإسلاميون قوى سياسية أربعًا، تعمل في اليمن الشمالي، وقد يبدو بعض هذه القوى متحالفًا مع الآخر في بعض الأحيان وسط الصراع السياسي هناك. وهذه القوى هي:

١- السلطات الحكومية، ويقف على رأسها العقيد علي عبد الله صالح.

٢- رجال القبائل العربية، وتبدو في مقدمة هذه القبائل وسط الصراع السياسي قبيلة «حاشد» التي يتزعمها علي بن حسين الأحمر.

٣- رجال الحركة الإسلامية المتمثلون وسط الصراع داخل اليمن الشمالي بحركة الإخوان المسلمين.

٤- الجبهة الوطنية الديمقراطية، وهي جبهة يسارية يقودها الشيوعيون المدعومون من حكومة اليمن الجنوبي «عدن»، ومن ورائها الاتحاد السوفيتي.

وبهذا يتبين أن الصراع السياسي انتقل بعد سيطرة الشيوعيين على عدن إلى اليمن الشمالي؛ لتقع البلاد السعيدة في أتون الخلاف الأيديولوجي مع عملاء الشيوعية، الذين أشعلوا نار الفتنة في البلاد.

كيف يتوجه الصراع في اليمن الشمالي؟

إن استقراء الواقع السياسي لليمن يجعلنا نقف على أن هذا الواقع دخل في مرحلة الصراع على السلطة منذ عام (١٩٦٢)، عندما قامت الثورة على الإمامة، واستمر مسلسل الصراع السياسي خافتًا إلى أن سيطر الشيوعيون في عدن، وعملوا على تأسيس الجبهة الوطنية الديمقراطية في الشمال، ينعكس الصراع السياسي على ساحة اليمن الشمالي بشكل صراع عسكري مسلح، بدأه الشيوعيون الذين يقفون وراء هذه الجبهة.

  • ودخل النظام معركة الصراع مع اليمن الجنوبي بصورة حرب مع عناصر الجبهة الوطنية الديمقراطية، التي تتخذ قواعدها الأساسية على حدود عدن مع اليمن الشمالي، ومنذ زمن حكم الرئيس الأسبق «إبراهيم الحمدي» في اليمن الشمالي، عملت الجبهة الوطنية على استقطاب بعض رجال القبائل، وتأديبهم على نظام الحكم، لكن «الحمدي» الذي كان ضعيفًا في المواجهة، جعل أطرافًا عربية معينة معروفة بوقوفها إلى جانب اليمن الشمالي في معركة مع عدن، والجبهة الوطنية الديمقراطية تعمل على إيجاد الرجل القوي، الذي يتمكن من ضبط التوازن السياسي داخل اليمن، فكان أن أوجدت واجهة جديدة على أعقاب الحمدي، واستمر الصراع بين نظام الحكم واليسار بين مد وجزر. ويذهب بعض المراقبين إلى أن المملكة العربية السعودية، التي لا ترغب بسيطرة الشيوعيين على عنق الجزيرة العربية في اليمن الشمالي تقف الآن إلى جانب حكومة اليمن الشمالي في معركته الداخلية، وموقفه من حكومة اليمن الجنوبي.

ولعل رجال قبائل «حاشد» في اليمن الشمالي بشكل خاص هم الأداة، التي تستخدمها القوى المعادية للشيوعية في مواجهة اللعبة التي تلعبها حكومة عدن الشيوعية.

الإخوان المسلمون والصراع اليمني:

عندما بدأت الجبهة الوطنية الديمقراطية في اليمن الشمالي بمسلسل القلاقل والاغتيالات وأعمال العنف من أجل تحقيق أهداف كثيرة، بينها: طمس الوجه الإسلامي لليمن، ونشر العقيدة الشيوعية الإلحادية، لم يقف الإسلاميون الذي يتقدمهم الإخوان المسلمين مكتوفي الأيدي، ولا سيما أنهم كانوا يعتقدون أن الأوضاع الهشة للنظام هناك لا يمكن أن تعطي اليمن دفعة وقائية، تقف في وجه الشيوعيين، فكان أن حملوا السلاح لحرب الشيوعية، ومنعها من الدخول إلى اليمن، والانتشار فيه.

  • وقد انتهج الإخوان المسلمين في اليمن منهجين متوازيين.

أولًا: الدعوة إلى الله من خلال نشر الفكر الإسلامي الصحيح في المجتمع اليمني، الأمر الذي يزرع بذور المناعة الصلبة أمام انتشار الفكر الشيوعي المستورد.

ثانيًا: الإعداد العسكري والتهيؤ لخوض المعركة؛ دفاعًا عن اليمن من الغزو الشيوعي، الذي تقف وراءه حكومة عدن، ومعها الجبهة الوطنية الديمقراطية في اليمن الشمالي.

  • وقد لقيت دعوة الحركة الإسلامية المتمثلة بالإخوان المسلمين رواجًا وقبولًا بين المسلمين في اليمن، الأمر الذي جعل الإخوان قوة ذات أسس متينة في اليمن الشمالي، تؤهلهم للوقوف في وجه الغزو الاستعماري.

وهنا قد يطرح سؤال نفسه:

هل يقف الإخوان إلى جانب السلطات الحكومية في حرب الشيوعيين؟

الحقيقة لا، فالسلطات الحكومية التي واجهت رجال الجبهة الوطنية الديمقراطية في الفترات الماضية لم تتمكن من القضاء عليهم، ولا سيما أن حكومة عدن تمد أولئك بكل ما يلزمهم من وسائل؛ انطلاقًا من الحدود المشتركة بين اليمنين.

ويبدو أن الإخوان المسلمين عندما قرروا دخول المعركة في مواجهة الشيوعية أعطوا الحكومة الفرصة للاستراحة، وكان المفروض أن تستمر السلطة في حرب الجبهة الوطنية الديمقراطية، إلا أن مراقبًا إسلاميًّا أفاد بأن تكتيك النظام يعمل من خلال إستراتيجية جديدة تعتمد سياسة المتفرج على حرب الخصوم. وبهذا ينتظر النظام مرحلة انتهاك القوى بين الطرفين «الشيوعي - والإسلامي»؛ ليدخل المعركة فيما بعد، وقد خلا له الجو من الخصم القوي.

ومع هذا، ومع ابتعاد نظام الحكم عن الخصمين، ووقوفه موقف المتفرج، فقد تمكن الإخوان المسلمون بعقيدتهم وإعدادهم من السيطرة على مواقع عديدة في اليمن الشمالي، ويعتبر الإخوان تلك المناطق بمثابة الأرض المحررة من السيطرة الشيوعية؛ لتبقى الكلمة الجماهيرية الأولى لهم، لكن.. هل وقفت المعركة عند هذا الحد؟

الحقيقة لا، فالصراع الذي بدأه الشيوعيون لن ينتهي بعد، وسوف ينتهي بعون الله على رؤوسهم؛ لتكون كلمة الحق، كلمة الإسلام هي الكلمة الأولى في جميع أجزاء اليمن بعون الله، ﴿وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ (فاطر: ١٧).

بقي أن نقول: لمصلحة مَن يعمل الشيوعيون؟

لا شك أن الاتجاهات الشيوعية - وهي تعلن ولاءها للروس من ناحية، ولحكومة عدن من ناحية أخرى - إنما تعمل لغير مصلحة اليمن إطلاقًا، ولعل الروس الذين يضعون قواعدهم العسكرية المتطورة في اليمن الجنوبي يطمعون بالسيطرة على اليمن الشمالية؛ لأهداف سياسية إستراتيجية متعددة، يقف على رأسها غزو الجزيرة العربية بالاعتماد على الطاقة البشرية لليمنين الشمالية والجنوبية، ومن ثم تأسيس الإمبراطورية الشيوعية، التي تستريح على بحار النفط بحسب ما يتهيأ لأحلام الشيوعيين من أمان وأمال.

وهنا لا بد للمسلمين - أنظمة وشعوب - من الوقوف إلى جانب الشعب اليمني في حربه الشرسة مع الشيوعية الدولية وعملائها في المنطقة؛ دفاعًا عن المسلمين والأرض الإسلامية معًا قبل أن يستفحل أمر الملاحدة والكفار الشيوعيين في اليمن السعيد.

 وقبل أن يصبح اليمن على يد الماركسيين مصدرًا لشقاء جديد لهذه الأمة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

603

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

190

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية