العنوان السبيل إلى مواجهة التحديات _ أسباب التخلف.. ومقومات التغيير
الكاتب الدكتور أحمد العسال
تاريخ النشر الثلاثاء 23-مارس-1976
مشاهدات 85
نشر في العدد 292
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 23-مارس-1976
تواجه الأمة الإسلامية تحديات متعددة النواحي والجوانب منها ما هو على المستوى الفردي ومنها على مستوى الدولة والجماعة وتظهر هذه التحديات بوضوح في سلوك الفرد ونظرته للمشكلات المعاصرة فإنه على الرغم من انتسابه للإسلام لا يستطيع أن يعلن عن نفسه بسلوك متميز ولا بفكر وسرعان ما يحاول استعارة الحلول من الأيديلوجيات المخالفة للإسلام، ولا يجد حرجا من تبنيها والرمي بنفسه في أخطائها، بل ويصبح من دعاتها وسدنتها والسبب في ذلك يرجع إلى أمرين أساسيين:
الأول: عقلية الوريث التي سيطرت على تفكيرنا وأثرت في فاعليتنا وجعلتنا نتصرف في أمورنا بطريقة تقليدية روتينية: لا نلقي لأمورنا الاهتمام الواجب ولا نتصرف حيالها بسلوك حي فعال، فظهرت تبعا لذلك الأمراض الاجتماعية المدمرة من عدم الشعور بالمسؤولية وانتشار ظاهرة اللامبالاة وأخذ الأمور بطريقة مسترخية كسولة: وما تبع ذلك من فقدان العزيمة والهروب من المواجهة وعدم القدرة على مقابلة التحديات، ووضع الحلول لها من خلال تصوراتنا ووضعها موضع التنفيذ بسواعدنا وجهودنا.
الثاني: الهجمة الشرسة للاستعمار الغربي على ديار الإسلام، ومحاولة ذلك الاستعمار تقديم صورة جديدة أخاذة للحياة في جميع محاولاتها تناقض الوضع المختلف المهترئ الذي ألمحت إليه أنها والذي أسميته بسيطرة -عقلية الوريث-. تلك الصورة الجديدة للحضارة الغربية أخذت بأبصار المسلم وجعلته يتعلق بها كما يتعلق الغريق -بالقشة- رغبة في التخلص من التخلف واللحاق بركب التقدم، وهذا شيء جبلت عليه النفوس وقامت عليه سنن الاجتماع البشري من أن المغلوب مفطور على تقليد الغالب..
لكن ذلك المسلم حين أقبل على الحضارة الغربية يعالج بها تخلفه ويلتمس عندها الحلول لم يستطع أن يظفر بما يريد، ذلك لأنه أراد أن يمزج بين شيئين متناقضين في الأصول والمفاهيم فإن مفاهيم الإسلام تقوم على أساس النظرة التي تربط المخلوق بخالقه في التوحيد والعبادة والأخلاق والمعاملات والتي تنظم علاقاته وسلوكه على أساس رحلة الحياة التي تربط الدنيا بالآخرة بشكل عادل ومتوازن يعطي الحياة مفهومها الإيماني الصحيح ويقيم عمارتها تبعا لذلك, بينما الحضارة الغربية تقوم على غير ذلك بنظرتها للوجود التي تنبثق من المادية الطبيعية التي تجعل المتعة هي الهدف الأول والأخير في الحياة ويصبح محور النشاط فيها ليس القيم والأخلاق، بل حوز أكبر قدر من اللذة للحصول على أكبر قدر من السعادة وكانت النتيجة لمحاولة مزج هذه الحضارة بالإسلام أو أخذها أن أفرزت نماذج من المثقفين في عالمنا الإسلامي انتهى بهم المطاف إما إلى: اعتناق الحل الغربي كوسيلة للنهضة والإصلاح، أو الحل الماركسي وهو الوجه الآخر للحضارة الغربية كما هو معلوم ومعروف، وفريق ثالث حاول الترقيع والتأرجح بين الإسلام والحلين السالفين، ولا أحب الاسترسال في التحليل، بل يكفي أن نتبين ملامح الصورة ونملأ بقية جوانبها بالأمثلة والنماذج وهي لا تحتاج إلا لقليل من التأمل وإعمال النظر فالساحة الإسلامية تعج بهذه الأنماط والنماذج التي ألمحت إليها آنفًا.
وإذن فما هو التحدي الأساسي تبعا لتلك المقدمة؟ إنه يتمثل في سيطرة عقلية الوريث وما تبعها من محاولة استيراد الحلول وأنماط الحضارة من غيرنا، والآن ما الطريق لمواجهة هذا التحدي الأساسي؟
إن أول الأمور أن تنتهي فينا عقلية الوريث وتحل محلها عقلية الإنشاء والتجديد وذلك لا يمكن أن يتأتى ولا يوجد إلا بيقظة فكرية ونفسية تثور على التقاليد والأعراف البالية والأوضاع المتخلفة وأول خطوات هذا الأمر اكتشاف أنفسنا وإدراك حقيقتنا وهذا يقتضي أن نطرح على أنفسنا سلسلة من الأسئلة تعيننا على عملية الاكتشاف ألا وهي من نحن؟ وما معنى ومغزى أننا مسلمون؟ وما الخصائص التي تميزنا عن غيرنا في المجالين الفكري والعملي؟ وما نقاط الاتفاق والاختلاف بيننا وبين غيرنا؟ وكيف يمكن أن نجابه واقع أمتنا المتخلف ونمد لها يد الإنقاذ والخلاص؟
إن الإجابة على هذه الأسئلة بذلك التسلسل ستحدد المراحل التي يجب أن نبني بها أنفسنا لتكون عندنا القدرة على الإسهام في مواجهة التحدي، فبدون وضوح مفهوم الإسلام في نفوسنا والدخول في شرعته وفكرته لا يمكن أن يوجد عندنا الإحساس به ولا القدرة على تصور الحياة بمفاهيمه وأسسه.
إن قضية التعلم والتفقه والإحاطة بهذا الدين مع الممارسة العملية في تنفيذه والعمل به ستعيد الثقة به وتوجد الشخصية الإسلامية التي يمكنها أن تكون قادرة على التفكير والإسهام في عملية البناء. وستحدد تبعا لذلك الخصائص ونقاط الاتفاق والاختلاف، وكل ذلك سيضعنا ويجعلنا قادرين على مجابهة واقع أمتنا المتخلف وكيف يكون؟ وهذا محل التساؤل وقضية الساعة كما يقولون. إننا حين نمعن النظر في أوضاعنا الاجتماعية ومؤسساتنا الإدارية المرضية واحدة ويؤثر بعضها في بعض على درجات متفاوتة في التأثير. لكننا سوف لا نختلف في تحديد العلة وهي أنها تكمن في دائرتين أساسيتين: الفرد وأخلاقياته وتفكيره، والنظام الاجتماعي وتأثيراته ودفعه الأفراد والمجتمع في أنماط من السلوك المنحرف أو التضييق عليهم وقهرهم بحيث لا يستطيعون المشاركة الحية المؤثرة، وإنما يصبحون أدوات سلبية منتفعة مستهلكة. وإذا تجسدت العلة على هذا النحو فلا بد من إيجاد تيار يصح فيه هذا الفرد وتتغير أفكاره وأخلاقه، وحركة تكون هي النظام الذي يمثل البديل عن ذلك النظام الفاسد.
ومن هذين المنطلقين الأساسيين يجب ويتحتم أن تنبع رسالة الإصلاح والتغيير وحتى تستقطب الأفراد وتوجد التيار لا بد أن نطرح رسالة للإصلاح شاملة، ذلك أن وحدة الحياة وتعانقها وتكاملها لا تقبل إلا الشمول منطلقًا وأساسًا. إن الحلول الجزئية لا تؤدي إلى النتائج المرجوة، إنها قد تسعف في بعض النواحي ولكنها لا يمكن أن تقيم بنيانًا متكاملًا ولا حياة اجتماعية سليمة، تلك سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
إن العبرة التي يجب أن تستلهم من قصص الأنبياء والمرسلين أنهم لم يقبلوا أي مهادنة للفساد، بل أصروا على التغيير الشامل ولو كان ذلك مقبولًا لرضيه محمد-صلى الله عليه وسلم- حين ساومه وفاوضه الملأ من قريش في التخلي والقبول بصيغة التعايش والتفاهم، ولكنه مضى في سبيله لأن الطريقين لا يمكن أن يلتقيا..
إن فائدة النظرة الشاملة أنها ترسم الإطار وتحدد الصورة والأبعاد وتحذر الانخداع بالجزء من الأجزاء وتفهم الهدف الأساسي ولا تقف عند المراحل إلا بقدر ما يعينها على الوصول إلى الهدف الكلي ثم تتابع الخطو نحو إقامة حياة متكاملة تجسد الفكرة وتضعها في الواقع العملي للحياة، وليس معنى النظرة الشاملة ألا نأخذ بفكرة المؤسسات والتجارب المتعددة ونحن في طريقنا لإقامة النظام الشامل كلا، فنحن نعيش في أمتنا وقد قطعت في رحلتها أربعة عشر قرنا وما زال وميض الإيمان في قلوبها وما زالت عندها مؤسسات اجتماعية قامت على الإسلام ونظامه فواجبنا أن نبني على ما عندها ونستأنف السير بها لكن ذلك ينبغي أن يدخل في الصورة الشاملة، إذ إن الوقوف عند الترقيع وجده لا يحل القضية، بل ربما يعطل المسيرة ويأخذ من الجهد أكثر مما لو صرف في التجديد والتشييد لكان أولى وأهدى سبيلًا.
ويحل هذه القضية العملية أن طاقات العاملين متعددة ومتنوعة وأنهم لو وزعوا تبعًا لطاقاتهم وقابليتهم لاستوعب الخطة العملية وجاءت بنتائجها المرجوة بعون الله وتوفيقه.
إذا فشمول رسالة التغيير والإصلاح هو المنطلق الفكري والعملي وهو الحل الوحيد لسفينة أمتنا لكن هل يمكن أن تكون رسالة الإصلاح دعوى وشعارات وخطبا ومقالات ومؤتمرات ومقررات كلا ، فقد مر العالم بتجربتين ما زالتا مائلتين أمام العيون والأبصار وهي التجربة الديمقراطية والتجربة الاشتراكية وقد فشلنا وخرجت منهما الأمة بالخيبة والآلام والضياع وأصبحت الحصيلة النهائية أنها تبحث عن رواد وطلائع يعيدون إليها الثقة الضائعة ويرفعون أمامها الأمل الباسم في مستقبل سعید..
إن عملية الإصلاح ليست عملية سهلة ولا طريقا معبدا ولو كانت كذلك ما احتاجت الإعداد والتهيئة. لقد احتاجت من الأنبياء أربعين عاما من الإعداد الدائم ومن تحمل أعباء الحياة والخبرة بشؤونها، فلما استوت أعوادهم ونضجت شخصياتهم وشحذت أفكارهم وأفهامهم جاءهم الوحي يأمرهم وينهاهم فانطلقوا يبشرون بالفكر الجديد والعمل الجديد والطريق الجديد، مخالفين المألوف وخرجوا على الانحراف السائد المعروف.. فأمدهم أعدادهم بالقدرة على المواجهة والصبر على ما يلقون والاستمرار في الطريق.
ومن هنا فرسالة الإصلاح تقتضي ممن أحس باكتشاف نفسه واهتداء قلبه أن يدخل في مرحلة الإعداد على الفور ويبحث عن أقرانه وزملائه وينتظم معهم في كتيبة الخلاص وطلائع الإنقاذ وعليهم أن يكونوا من أنفسهم التيار الجديد والحركة الجديدة التي تعمد إلى طرح فكرة الإصلاح من خلال العلم والعمل معا كي يكونوا هم البرهان على صدق دعواهم والمثل العملي للحلول المطروحة للمشكلات التي يواجهها المجتمع.
إن هذه الرسالة التي أنعم الله بها علينا تحتاج أول ما تحتاج إلى أن نفهمها.. وهذا الفهم يقتضي تعميقا وإدراكا واعيا وهو لا يوجد بين يوم وليلة وإنما يحتاج التدارس المستمر وتعلم صغار العلم قبل كباره والتأدب بآدابه والتخلق بأخلاقه والدخول إليه من أبوابه، ويجمع ذلك أمرين: التواضع في الطلب، والصدق في الأخذ .. فإذا وجد التواضع ظلت الرغبة مستمرة والحاجة دائبة وإذا وجد الصدق كانت القدرة على تمييز الغث من الثمين والحق من الباطل، وكانت الطبيعة التنفيذية التي تدفع إلى العمل بما نعلم.
لقد أخذت رسالة الإسلام من صاحبها عليه أفضل الصلاة والسلام ثلاثة وعشرين عاما من العلم والتطبيق والجهاد والحركة، فينبغي أن نحذر السهولة المفرطة والوقوف عند العموميات غير المحددة وينبغي أن نعلم الإطار الشامل للإسلام من خلال عقيدته وشريعته وتحذر الفصل والتجزيء ولا يمكن أن يتأنى فهم الرسالة والعمل بها إلا بمعرفة الواقع معرفة حقيقية تصل إلى أعماقه وتحلل مشكلاته، فلقد جاء الإسلام من أول يوم ليلتقي بالنفس البشرية والمجتمع من خلال الممارسات والتعامل مع الحياة اليومية وتكاليفها وجاء يدل على التي هي أقوم.
ودعوة التجديد لا يمكن إلا أن تتبادل مع الواقع ألوانا من الممارسات تتمثل في الجهاد والمجاهدة والأخذ والعطاء والتحدي والمبارزة حتى تكون كلمة الله هي العليا وحتى يزهق الباطل ويندحر. ومن هنا فدور المسلم في رسالة التجديد والإصلاح دور العطاء المستمر لتقديم هداية الإسلام إلى النفوس وتنميتها في ميادين الخير والإصلاح ومطاردة الفساد وإعلان الحرب الضروس عليه في كل ميدان. إن قضية الإصلاح يجب أن تكون في دم المسلم وشعوره وتصبح شغله الشاغل وعمله الدائب وهي تتمثل في طريقة العمل الذي يؤديه وأسلوب الحياة التي يمارسها وتظهر في كل لون من ألوان الحياة حسب الموقع الذي يشغله المسلم في المجتمع، فإذا كان معلمًا فلا بد أن يعطي العملية التعليمية جهده وإخلاصه ويحركها لتكون ميدانا لدعوته وسبيلا لتنشئة جيل جديد، وإذا كان صناعيا عمله في ميدان الصناعة فلا بد أن يقدم المثل العملي في الإتقان والإبداع فالضياع الموجود في داخل مجتمعاتنا يتمثل في النومة المربعة للضمير لكثيرين ممن يعملون في ميادين الحياة المختلفة.
إن مهمة رسالة الإصلاح أن تعطي الحياة رحيقها ومغزاها وتنهي من نفسية الفرد ذلك التراخي والكسل وتجعله مثوانا عمليا بما يؤديه ويمارسه من العمل الصغير إلى العمل الكبير فيكون صورة حية للدعوة التي يبشر بها والنظام الذي يدعو الناس إليه. إن السلوك العملي هو الذي يميز المسلم عن غيره وهو فضلا عن أنه رسالة وإيمان هو السبيل الوحيد إلى إعادة الثقة بالنفوس والأخذ بيدها إلى العمل الجاد المثمر. والمسلم لا يمكن أن يقوم بذلك وحده فهو قليل بنفسه كثير بإخوانه ففرض عليه أن يضع يده في يد كل مسلم صالح ولذلك واجبات وحقوق وتبعات ومسؤوليات يحددها الإسلام ويرسم خطوطها، ودور المسلم ينمو بنمو أخلاقه وأفكاره وبشعوره بتبعاته ومسؤولياته، فإذا أصبح وجماعة المسلمين في حسه وضميره وآلام المسلمين وآمالهم في فكره ومشاعره، فقد وضع قدمه في درب الكفاح والجهاد وليعلم أن الله قد أتم عليه النعمة واجتباه لخير عميم فليقابل ذلك بشكر الله وليحسن العمل ويبذل الجهد وإن الله لهاديه السبيل مصداق وعده الكريم ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ( العنكبوت: 69) نسأل الله أن يسلكنا في صفوف المجاهدين العاملين، إنه نعم المولى ونعم النصير.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل