; الأخيرة عدد 1808 | مجلة المجتمع

العنوان الأخيرة عدد 1808

الكاتب محمد الحمداوي

تاريخ النشر السبت 28-يونيو-2008

مشاهدات 88

نشر في العدد 1808

نشر في الصفحة 66

السبت 28-يونيو-2008

مستقبل الحركة الإسلامية.. وثنائية الصعود والأفول «۲/۲»

الحركات التجديدية لا تهتم بسؤال الصعود دون الوعي بقانون الأفول

خلصنا في المقالة السابقة إلى أن فلسفة الأطوار والمراحل المتداخلة التي تحكم الظواهر الطبيعية «مرحلة النشأة، مرحلة الصعود، مرحلة الازدهار، مرحلة الأفول، مرحلة الكمون» هي ذاتها التي تحكم منطق تطور الظواهر الحضارية والتاريخية والمجتمعية، والحركة الإسلامية باعتبارها ظاهرة حضارية ومجتمعية تخضع لتلك الفلسفة أيضًا، ما يعني أنها لا تعيش مرحلة صعود مستقلة عن مرحلة الأفول والتراجع، بل تلك القوانين كامنة في جميع الأحوال.

ولعل تجربة جماعة الإخوان المسلمين بغناها ورصيدها التاريخي تعد تأكيدًا على هذه المسألة، فقد عرفت طور التأسيس مع الشيخ حسن البنا بأفكارها المؤسسة، شروطًا مختلفة عن طور التضييق الذي مارسه النظام الناصري، على الجماعة، ثم دخلت الجماعة طورًا جديدًا خلال فترة السادات عرفت فيه مراحل صعود وازدهار وتراجع، فيما دخلت الجماعة اليوم طورًا جديدًا أهلها لتكون المنافس السياسي الأول في معارك الإصلاح المجتمعي وعليه، فإن الثابت ضمن هذه التجربة الطويلة أن الجماعة قد مرت بأطوار، وأن كل طور قد عرف مراحل في النمو لا يمكن أن تفهمها فقط ضمن ثنائية الأفول والصعود الحدية، ولذلك فالحركات الإسلامية ذات المنهج التجديدي لا تهتم بسؤال الصعود دون الوعي بقانون الأفول، ولا تهتم بسؤال التراجع دون العناية بعوامل الصعود من جديد بل تهتم أكثر بالبحث في كيفيات تفاعلها مع شروط وقوانين تطورها صعودًا أو أفولاً بطريقة تركيبية.

قمة الصعود

وفي هذا الصدد ينبغي الانتباه إلى أن مرحلة الصعود والنجاح في سلم تطور التنظيمات يقتضي الاشتغال وفق المنهجية الاستيعابية عبر تدارك أي فتور أو تراجع مهما بدا صغيرًا أو بطيئًا، وعدم الانشغال فقط بالنجاحات والطمأنينة للخيارات مما سيسهم في تحقيق آفاق أوسع في الكسب والعطاء والاجتهاد تحافظ على المكاسب في مرحلة ما يمكن الاصطلاح عليها بقمة الصعود، وتمديدها، خاصة أن هذه اللحظة هي الأخطر في حياة التنظيمات البشرية، وعدم القدرة على تمديدها قد يؤدي إلى النزول المفاجئ..

عمل استثنائي

وفي المقابل، ينبغي الانتباه إلى أن مرحلة التراجع تقتضي عملًا استثنائيًا لاستعادة المبادرة وتجنب حالات الإحباط والانهيار والاستسلام، وذلك عبر الاستعداد النفسي والتربوي الذي يقوم على تثبيت معاني الصبر والأمل والحافزية، مما يسهم في تأكيد حقيقة أساسية وهي أن التراجع، ليس حتميًا وليس أبديًا، بل يمكن التغلب عليه ببذل المزيد من الجهد وتطوير القدرات والاستعدادات، وكذلك عن طريق الاستعداد الفكري الذي يستلزم عملية تجديد شاملة في الأفكار والوسائل والمنهجيات بهدف عدم الارتهان لعوامل الصعود نفسها في الطور السابق، لأن القاعدة تقتضي أن لكل طور عوامل صعوده وعناصر أفوله..

إن هذه الاستعدادات الفكرية والنفسية تمكن التنظيمات من الاستئناف السريع، لوظيفتها وحيويتها وفعاليتها، خاصة أن مرحلة التراجع يتبعها مباشرة كمون يسبق مسارين حتميين إما الزوال بالنسبة للحركة التي لا تجدد ذاتها بشكل مستمر وإما استئناف الصعود بالنسبة للحركة التجديدية التي تقوم على التواضع والمراجعة المستمرة للتجربة وعناصر القوة والضعف.

التوحيد والإصلاح

وإذا حاولنا أن نصف الوضعية الحالية لحركة التوحيد والإصلاح المغربية، فيمكن أن نتكلم عن مرحلة صعود في طور التنظيم الرسالي.. بعد انتهاء طور التنظيم الجامع الذي امتد خلال الثمانينيات والنصف الأول من التسعينيات. وتعتبر الوحدة الاندماجية بين تنظيمين إسلاميين نقطة انطلاق طور الرسالية، الذي شكلت فيه المشاركة السياسية رافعة نوعية للتفاعل مع الخصوصية المغربية، وانعكس ذلك بشكل عميق على الاستراتيجية التنظيمية للحركة، والتي تبلورت ضمن ما نسميه فكرة التخصصات.

وكما شرحت ذلك في السابق، فإن مرحلة الصعود في حالتنا، تقتضي العمل على إطالة المرحلة في أفق الدخول في دورة جديدة، في العمل الإسلامي التجديدي، وفي ظل هذا الوعي التاريخي دخلت الحركة منعطف التخطيط الاستراتيجي ليصونها من التفكير بمنطق اليومي، وأطلقت، مبادرة السؤال.. التي تسهم في الوقوف عند التحديات الكبرى والتفكير في سبل الاستجابة لها، واستباق كل حالات الانسداد قبل وقوعها، أو لتجاوز حالات التراجع المتوقعة التي قد تظهر بعض بوادرها وهو ما حاولت ندوة مجلس الشورى الأخيرة ملامسته من خلال تقييم خيار المشاركة السياسية، والنظر في آفاق هذا الخيار وسبل تطويره. وهي كلها آليات تنطلق من منهج المراجعة والتجديد والتطوير المستمر وتبتغي تحقيق المزيد من العطاءات والمكاسب تفاعلًا مع مرحلة الصعود والعمل على تمديدها، واستباقًا لمرحلة الأفول والعمل على تقليصها.

وهي رهانات لا يمكن تحقيقها إلا بتقوية عملية إعداد  وتخريج العضو الرسالي المتفاعل بشكل إيجابي مع تلكم المراحل «صعودًا أم أفولاً» والمنخرط بإرادة قوية وتفاؤل في النجاح.

الرابط المختصر :