; أدب وثقافة | مجلة المجتمع

العنوان أدب وثقافة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 08-مايو-1990

مشاهدات 65

نشر في العدد 965

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 08-مايو-1990

  • ومضة

عندما سئل أحد الحكماء عن أعظم المصلحين في العالم، كان جوابه: «إن أعظم المصلحين على الإطلاق هو الذي بدأ بإصلاح نفسه».

ترى كم نحتاج من السنين في القراءة والبحث حتى نتوصل إلى مثل هذه الحقيقة الماثلة، التي افتقدناها في حياتنا، ففقدنا بفقدها ذواتنا، وأصبحنا نركض ونلهث خلف سراب خادع لا تنكشف لنا حقيقته إلا بعد أن نكون قد قطعنا شوطًا كبيرًا من رحلتنا، وأضعنا شطرًا عزيزًا من أعمارنا، وبذلنا حظًّا وافرًا من جهدنا وكفاحنا.

ثم نستأنف الرحلة ثانية، ونبدأ البداية ذاتها، وتأتي النهاية حصادًا مرًّا، ومذاقًا خبيثًا وسرابًا خادعًا حتى إذا أدركنا عبثية كدنا، ولا جدوى لهاثنا، ووقفنا نتأمل.. نفكر.. نرتب أمورنا.. فسيواجهنا شعاع من الحقيقة الغائبة عنا، وسيركز
هذا الشعاع إضاءته على جوانب الأولويات، ويرشدنا إلى ترتيب أعمالنا وأنشطتنا حسب أهميتها، بحيث نضع كل موضوع في موضعه المناسب سواء في تسلسله الزمني أو العملي.

ومن هذا المنطلق سيتصدر مجال النفس.. الذات، والبدء بإصلاحها سلم الأولويات، وعندها نردد مع الشاعر:

ابدأ بنفسك فانهها عن غيها        

فإذا انتهت عنه فأنت حكيم 

لا تنه عن خلق وتأتي مثله          

عار عليك إذا فعلت عظيم

فهل نعي أن الإصلاح الذاتي أعظم مقدمة لإصلاح المجتمع؟ وهل يطمح أحدنا أن يجعل من نفسه أعظم المصلحين؟

  • إصدارات

الهمزة في الإملاء العربي «المشكلة والحل»

تأليف: الدكتور أحمد محد الخراط

العربية هي إحدى اللغات التي قد يخالف نطقها رسمها، ويحس المشاركون في العملية التعليمية اليوم بأن طلبتهم يتعثرون في الاهتداء إلى معرفة كتابة كثير من الكلمات العربية، ولاسيما التي تكون الهمزة من بين حروفها، فيمضي الأساتذة والمربون في تصحيح كتابات الطلبة، وشرح قواعد الرسم الإملائي الصحيح، وعلى الرغم من الجهود المبذولة في هذا الشأن، فإن ثمة صعوبات لا تزال تواجه الجميع.

وفي هذا الكتاب يستعرض الدكتور أحمد محمد الخراط- الأستاذ المشارك في المعهد العالمي للدعوة الإسلامية بالمدينة المنورة– يستعرض أسباب المعضلة، ويعرض ما يراه عن حلول لها، ويوصي المربين والقائمين على التعليم من مدرسين وواضعي المناهج ومؤلفي الكتب أن يعطوا قواعد الإملاء المزيد من العناية والإحكام والضبط، وأن يلحقوا هذه القواعد بفيض من التطبيقات، ويدعو إلى وضع ضوابط معينة لكتابة الهمزة في الإملاء العربي، تضمن تيسير هذه الكتابة على الناشئة والمتعلمين.. وفي كتابه هذا حاول أن يصل إلى هذه الضوابط، فاختار- من آراء العلماء السابقين واللاحقين- الرأي الذي يحافظ على اطراد القاعدة، ويقلل من الحالات الشاذة والخاصة، وتبقى المسألة- كما يراها المؤلف- اجتهادية، تقبل المزيد من الحوار، كما يلزمها- إن حصل الاقتناع- هيئة تملك من الهيبة ما يجعلها تحقق سيرورتها والالتزام بها.

صدر الكتاب في سبعين صفحة من القطع المتوسط عن دار القلم بدمشق، ودار العوم ببيروت، وتقوم بتوزيعه دار المنارة للنشر في السعودية- جدة- ص.ب: 1250.

  • البريد الأدبي

*  الأخ عبد الرزاق ديار بكرلي / الرياض

سبق لنا أن نشرنا تعريفًا بكتاب «من الشعر الإسلامي الحديث»، نشكر لك الغيرة والحرص، ونرجو موافاتنا بكل جديد من أخبار ونشاطات رابطة الأدب الإسلامي العالمية مع خالص التحية.

*  الإخوة المحبون لدين الله / باكستان

وجهة نظركم صائبة وسديدة، وإن كان ذكر الاسم فيه شيء من الحرج، على أية حال فقد حولنا رسالتكم إلى قسم المجتمع الإسلامي للنظر فيها، واسلموا لإخوانكم.

*  الأخ محمد حيدر المصباحي / المدينة المنورة

القصيدة التي أرسلتها ولا تعرف من قائلها، لم نستطع نحن أيضا أن نتعرف على وزنها، وأغلب الظن أنها تحتاج إلى ميزان دقيق، نشكرك ونتمنى أن تتحفنا في رسالة قادمة بشيء من إنتاجك.

*  الأخ إبراهيم عبد الكريم السعدي

قصيدتك «فلسطينيون» تحتاج منك إلى جهد أكبر حتى تأتي موحدة الفكرة، مسبوكة العبارات والتراكيب، موسيقية الأداء، فهل تبخل على فلسطين
بشعر يناسب مكانتها في قلوب المسلمين، لا نظن ذلك، وعليه فنحن ننتظر.

- نحو قصص هادف: «القابضون على الجمر»

الناشر: المختار الإسلامي بالقاهرة

الحجم: 310 صفحات – مقاس 19 X 13 سم

رواية دامية مدادها الدمع والدم، اهتمت بالرمز والعبرة ولم تعتن بالأسماء الحقيقية، على الرغم من أنها تروي تاريخيا حقيقيا لمأساة استمرت عشرين عاما – بطلها فتى يدعى «علي» يعود إلى الحياة ليبدأ من جديد بعد سبع سنوات قضاها في الاعتقال، ليفاجأ بزواج ابنة عمه «نوال» التي كانت في حكم المخطوبة له! في الجامعة وفي كلية التجارة، بعد أن وافقت المباحث على عودته إليها فوجئ بالتغييرات التي حدثت في البلد وتركت بصماتها على الشباب والفتيات، حتى إن إحداهن « فوزية حمزة» تحاول أن تفرض نفسها عليه، فيضطر إلى ردها بغلظة ولكنها تزداد إصرارًا حين رأته يختلف عن بقية الشباب، فتبدي تأثرها لما حل به، وتحاول الدخول إلى عالمه من هذا الباب، ويدور حوار بينهما، وينبهها علي إلى ما هي فيه، فتتحسن أحوالها وتتدرج في فهم الإسلام محاولة الالتزام به ويتخرج علي من الجامعة، ويبحث عن عمل فيجده في أحد المصانع المؤممة، حيث التسيب وانعدام المسؤولية.

ذات يوم فوجئ عليٌّ بالشيخ عبدالفتاح الذي كان ودعه منذ ثمانية أعوام في السجن الحربي ليعرض عليه العودة إلى العمل، ومنه توصيل المعونات لأسرة المعتقلين عن طريق «فوزية حمزة»، احتار علي كيف يمكنه أن يفعل ذلك، وهو لم يرها منذ تخرجه وبأية حجة يطرق بابها، ثم اهتدى إلى أن يعرض هذا الأمر على أمه التي ترددت ثم وافقت، ولكنها مع إيصال الرسالة لفوزية طلبتها لعلي من أهلها، فأذهلت المفاجأة عليًّا، وحين قابل فوزية في محل عام ليسلمها كشفا بأسماء الأسر، أخبرها أنه سيحضر مع عمه لطلب يدها من أبيها.. وقامت فوزية بزيارة أسر المعتقلين وأدت المهمة على أحسن وجه.. ثم زفت لعلي ووسط الابتسامات انشقت الأرض عن عساكر الشرطة العسكرية، واقتيدت فوزية مع علي إلى المعتقل، ليخيم على البلد جو من الكآبة والحزن.

  • مجلات 

العدد 14 من الخيرية

صدر العدد 14 من مجلة الخيرية شوال 1410 مايو 1990م نقرأ في هذا العدد الجديد الموضوعات التالية:

فلسطين مسؤولية إسلامية، الاستثمار في السودان مفتاح الأمن الغذائي العربي، مسلمو يوغسلافيا البركان المتفجر، الإغاثة الإسلامية ودورها في مواجهة التنصير، حوار مع الدكتور إسحق الفرحان، العلماء والتجربة الأندلسية، الفرق الهدامة في تاريخ المسلمين، التنصير والأسلمة بالغرب في القرن التاسع عشر، كل هذا بالإضافة إلى الصفحات الإخبارية وصفحات الثقافة والأدب، والأسرة، والمسابقة، وغيرها.

«الخيرية» مجلة إسلامية تصدرها غرة كل شهر عربي الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية في الكويت

عنوان المجلة: الكويت – ص.ب: 3434- الرمز البريدي 13035 

اشتراككم في الخيرية أو الاشتراك لصالح إخوة في الإسلام ممن لا يستطيعون دفع قيمة الاشتراك دعما لمسيرة الخير.

  • تقويم اللسان

للشيخ يونس حمدان

دأب كثير من المؤلفين والمتحدثين على إطلاق لفظ «مبشرين» على هذه البعثات التنصيرية التي تجوب العالم داعية لمذهبها الباطل ودينها المنتحل وعقيدتها المحرفة تريد بذلك أن تضاد الإسلام وتقوض عقيدته في نفس أتباعه، وكثيرا ما نسمع أن «البعثات التبشيرية» و«جماعات المبشرين» يذهبون إلى إفريقيا وغيرها من البلاد، وقبيح بالمسلمين أن يطلقوا هذا اللفظ على جماعات التنصير والأولى من ذلك أن يقال « البعثات التنصيرية» أو « جماعات المنصرين ذلك لأن كلمة «مبشر» و«مبشرين» جاءت نعتا للأنبياء والمرسلين، وقد جاءت وصفا لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إلى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (الأحزاب:45-46) وجاءت وصفا لسيدنا عيسى عليه السلام، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (الصف:6) وجاءت وصفا للرسل والأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين في قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ۚ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ ۖ ﴾( الكهف:56) وقال: ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ (البقرة:213) وقال تعالى: ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء:165)، فقد وصف الله تبارك وتعالى الأنبياء والمرسلين بأنهم ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ وهذا هو الوصف اللائق بهم لأنهم يدلون البشرية على طريق الخير ويهدونهم إلى الصراط المستقيم، أما هؤلاء الذين يبثون الشبه وينشرون الشكوك فلا ينبغي للمسلمين أن يطلقوا عليهم لفظ المبشرين وأحسب والله أعلم أنهم هم الذين نعتوا أنفسهم بهذا الوصف ليزينوا صورتهم وليحسنوا عملهم وليلفتوا الأنظار عن عملهم السيئ ودورهم القبيح وكان الأليق بالمسلمين ألا تجوز عليهم الحيلة ولا ينساقوا وراء أبواق الإعلام الغربية فيرددون ما يقال لهم دون وعي بحقيقة حال هؤلاء المنصرين.

وصفوة القول: إنه لا ينبغي أن ننعت هذه الإرساليات التنصيرية بأنهم «مبشرون» فذلك مخالف لما جاء به القرآن الكريم ومغاير للأهداف الحقيقية التي تسعى جماعات التنصير للوصول إليها.

  • مأساة في كينيا

قصة قصيرة تحكي حياة شاب مسلم

اسمي عبدي قولو أبلغ من العمر ١٩ عاما أنحدر من قبيلة «قابرا» التي تقطن شمال كينيا.

نشأت وترعرعت يتيمًا في مدينة «مارسبيت» إحدى مدن المقاطعة الشمالية لكينيا، فقد توفي أبي وعمري لا يتجاوز أربع سنوات، ولا أكاد أذكر لأبي سوى صورة خيالية باهتة مستقرة في أعماقي غير الواعية.

الشيء الوحيد الذي أذكره من حياة أبي والذي لن أنساه أبدا هو أنه كان راعيا للأغنام، يحمل عصاه صباحا وقد ارتدى لباسه التقليدي الذي تشتهر به قبائل المنطقة الشمالية المتاخمة لحدود الصومال، وقد ائتزر ببعضه ولف الجزء الآخر منه على عاتقه، وهو يدندن بالأغاني الشعبية الشائعة لدى الرعاة في تلك المنطقة.

كان أبي فقيرا.. ولكن قلبه كان غنيا عامرا بالحب والعطف والحنان لأفراد أسرته.. فقد كان يجلب لنا كل يوم من القوت ما يكفينا.. وفي المناسبات السعيدة كان يخرج بنا إلى الحوانيت.. ويشتري لنا الحلويات.. ويختار لنا من الملابس ما كنا نزهو به على كثير من أقراننا.. فقد كان أبي يحرص دائما على أن تعم الفرحة قلوبنا، وترتسم الفرحة دائما على شفاهنا.

 لم تدم هذه الحالة طويلا.. فجأة حدث الشيء المحزن المروع في حياتنا.. استيقظت ذات صباح على أصوات العويل والبكاء تهز أركان بيتنا، وقد تجمع كثير من أهالي المدينة يصيحون ويولولون، وقد أحاطوا بأمي وهي ترتمي على الأرض وتخبط بيديها وهم يحاولون تهدئتها والتسرية عنها.. لم أكن أعي وقتها بالضبط ماذا حدث، لصغر سني وعدم إدراكي للأشياء، إلا أنني لاحظت أنه حدث تغيير كبير في حياتنا منذ ذلك اليوم، لقد اختفى صوت أبينا العذب وهو يدندن بالأغاني الشعبية التي كان يحدو بها قطيع الغنم، وانزوت عصاه التي كانت لا تفارق يده كلما خرج من المنزل في ركن بعيد من أركان بيتنا المتواضع، ولم نعد نفرح في أيام الأعياد والمناسبات السارة كما يفرح رفاقنا من الأطفال الذين كانوا يخرجون إلى الحوانيت مع آبائهم ليختاروا ملابسهم الأنيقة بأنفسهم، منذ ذلك اليوم أصبحنا نعيش على الصدقات وما تجود به نفوس أهل البر والإحسان والمشاعر الإنسانية النبيلة.

كنا أطفالا صغارا.. شقيقان وأربع أخوات.. وكنت أنا الشقيق الثاني لأولئك الأخوات.. فشقيقي الأكبر كان يكبرني بسبع سنوات، اضطر بعدئذ للسفر إلى منطقة نائية عنا بحثا عن العمل.. وطالت فترة غيابه قبل أن يوفق إلى عمل ويتمكن من مساعدتنا لمواجهة مطالب الحياة.. وبدأ جسم أمي يهزل ويضعف، وانطبع الحزن والكآبة على ملامحها، وزايلها البشر والفرح وظلت طوال أوقاتها صامتة.. سارحة.. تسبح في تفكير عميق.

لم تعد أمي تطيق البقاء في بلدتنا «مارسبيت» فقد شحت السماء وأجدبت الأرض وقلت موارد العيش ولم يستطع أهالي بلدتنا تقديم أكثر مما قدموه لنا من مساعدات، فقررت أمي أن نرحل إلى مدينة «ناكورو» حيث نزلنا ضيوفا على خالتي التي كانت تقطن هناك، فاستقبلتنا بروح سمحة ونفس سخية كريمة، ولم تطل إقامتنا لديها طويلا، إذ داهمها المرض وفارقت الحياة بعد فترة قصيرة، فأصبح علينا لزاما بعد ذلك أن نبحث عن ملجأ آخر نأوي إليه.

تقدم لمساعدتنا في تلك الفترة العصيبة أحد التجار الأفارقة يدعى «جون» وحجز لنا غرفة صغيرة كانت ملحقة بورشته التي كان يمتلكها ويستخدمها كمستودع لقطع الغيار، قبل أن تتعرف أمي على أحد الأثرياء العرب يدعى «عبدالباري» وهو من أصل يمني كان يمتلك مدبغة حديثة كبيرة، حيث رق لحالنا واستولت الشفقة على نفسه لما رآه من بؤسنا وتعاستنا، فخصص لنا شقة صغيرة في وحدة سكنية أعدت لعمال مدبغته، وشعرنا بشيء من الراحة والطمأنينة في تلك الشقة، فقد أحست أمي أننا قد تغلبنا أخيرا على أكبر مشكلة كانت تواجهنا وهي مشكلة السكن.

مرت حياتنا في مدينة «ناكورو» هادئة رتيبة، لا يكاد يشعر بنا أحد، وكنا في تلك الشقة الصغيرة لا نمتلك أي أثاث أو مرتبة نفترشها لننام عليها، فكانت أمي تكوم لنا التراب وتفرشه بالورق المقوى لنرقد عليه كان طقس مدينة «ناكورو» يختلف تماما عن طقس المناطق الشمالية الذي تعودناه، فالأمطار لا تكاد تنقطع، والبرودة شديدة، وانقضت فترة ليست بالقصيرة حتى ألفنا هذا الطقس وتكيفنا مع هذا الجو الجديد.

كان كل همنا هو أن نجد ما نقتات به ونسد رمقنا لنعيش فقط، وحتى مسألة التعليم كانت أمي تنظر إليها على أنها أمنية غالية صعبة المنال، إذ إن حياتنا كانت قائمة على ما يتصدق به لنا أهل الخير مما تجود به نفوسهم الطيبة الكريمة، ورغم أن ما كنا نتلقاه من الصدقات والعطايا لم يكن يفي بكل ما نحتاجه، فقد كنا نحمد الله كثيرا على ذلك وندعو للمحسنين إلينا بسعة الرزق والخير والبركة.

ذات يوم زارتنا في شقتنا إحدى النساء الشهيرات في مدينة «ناكورو» كانت تعمل في وزارة الشؤون الاجتماعية وتعرفت على أسرتنا واطلعت على أحوالنا، وشاهدتني وأنا ألعب مع أقراني من أولاد الجيران، فسألت أمي عما إذا كنت قد التحقت بأية مدرسة لتلقي العلم، فردت عليها أمي بأن ظروف معيشتنا التي تعتمد على ما نتلقاه من صدقات ومساعدات لا تسعفها بإرسالي إلى المدرسة، فطلبت تلك المرأة من أمي أن تحضرني إلى مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية للنظر في مشكلتي.

سعت تلك المرأة الطيبة لحصولي على منحة من وزارة التعليم للدراسة بإحدى المدارس الرسمية مجانا، وبقيت بعد ذلك مشكلة الحصول على الكتب والبذلة المخصصة لتلك المدرسة مع الأدوات اللازمة للتعليم، فتوسطت لدى كنيستها حيث ظلت زهاء سبع سنوات تقدم لي كل ما أحتاجه لمواصلة تعليمي.

لا أذكر أن تلك المرأة المدعوة «كاترين» أو أحد من رجال الكنيسة حاول التأثير عليّ مباشرة لأنسلخ من ديني وأعتنق المسيحية، إلا أنني لاحظت أنهم كانوا يعاملونني بطيبة ورقة أكثر مما يعاملون به غيري من المعوزين ممن لا يدينون بالإسلام، فقد كانت تلك المرأة تأتي إلى منزلنا كل أسبوع وتسأل عن حالي وعما أحتاجه، وكانت تقدم جميع طلباتي إلى الكنيسة التي تنتمي إليها، فتلبي بغاية السرعة. وعند انتهاء دراستي بالمرحلة الابتدائية توقفت مساعدات الكنيسة لي، واعتذر رؤساؤها بأن موارد الكنيسة أصبحت محدودة بحيث يضطرها إلى تخفيض ما تقدمه من مساعدات للمحتاجين.

علم أحد الأخوة العرب بحالي أو على الأصح بحالة أسرتنا وإننا نتلقى المساعدات من إحدى الكنائس فاستدعاني إلى منزله وأنبني ووجه إليّ لومًا لاذعا للجوئنا إلى الكنيسة، وعرض مشكلتنا عليها، وتلقي المساعدات منها وكان مما قاله لي:

«إن المسلمين ليسوا قلة بهذه المدينة، وهم- والحمد لله- يملكون من الثروات والأموال ما يجعلني لا أصدق أنهم يعجزون عن مساعدة أسرة في حجم أسرتكم».

طلب مني هذا الأخ العربي أن أتصل بأحد رؤساء الجمعيات الإسلامية وأعرض عليه مشكلتنا، وأن أعلمه بنتيجة ذلك الاتصال.

دخلت مكتب رئيس تلك الجمعية وسلمت عليه فرد عليّ ببرود، وتفحصني بنظراته الحادة، وبادرني بالسؤال عن سبب مجيئي إليه، فشرحت له قضيتي وبينت له بعض ما تعانيه أسرتنا من مشاكل، ورجوته أن يقدم لنا ما يمكن تقديمه من معونة لمواجهة متطلبات حياتنا والنهوض بأعبائها.

لم أكن لأستغرب أو أندهش لو أنه اعتذر برفق عن مساعدتنا، وردني ردا إنسانيا جميلا.. لكن الذي أدهشني، بل وهز كياني وجعلني أحس في أعماق قلبي بالحزن والأسى أن يرد عليّ بقوله:

«إن ملامحك لا توحي بأنك شاب مسلم، ونحن لا يمكننا تقديم أي مساعدات لأمثالك».

خرجت من عنده والدماء تغلي في عروقي وجسمي يتصبب عرقا، وحينما هدأت ثورتي وانطفأ غضبي بدأت أراجع نفسي وأحاسبها، وتساءلت فيما بيني وبين نفسي.. ترى هل تركت مساعدات الكنيسة أثرًا على وجهي وغيرت من ملامحي الإسلامية؟

نعم إني أعترف بأني أتلقى المعونات والمساعدات المختلفة من الكنيسة، ولكن ما ذنبي؟ لقد كنت مضطرا لذلك لشدة احتياجي وعدم عناية المسلمين واهتمامهم بشأني وشأن أسرتي.

وانا أسمع كثيرًا في الدروس التي تلقى في المساجد أن المضطر يحل له أكل الميتة والخنزير لإنقاذ حياته أفلا يحل لي أكل مال الكنيسة لإنقاذ مستقبلي؟

ثم إن أسرتنا أسرة متدينة محافظة.. فأبي كان لا يترك الصلاة حتى وهو في المرعى، وأمي قد ترك كثرة السجود أثره على جبينها، وهي تذكر الله دائما، وتسهر الليالي الطوال وخاصة في شهر رمضان تتضرع إلى الله وتدعوه وتتحرى تلك الليلة العظيمة ليلة القدر وأنا أذهب إلى المسجد دائما وأحضر الجمعات، وكثيرا ما أسمع الخطيب يذكر المسلمين بأنهم إخوة وأن أخوة الدين تفوق أخوة النسب وأن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا.

ولقد ارتد كثير من أهالي منطقتنا وتحولوا من الإسلام إلى المسيحية بسبب ظروف البؤس والحاجة التي يعانونها، وبسبب تطلعهم إلى المساعدات السخية التي تقدمها المنظمات المسيحية للعجزة والمحتاجين، ولكن أمي كانت تقاطع كل من تسمع عنه أنه ارتد عن دينه، وتحذرنا من مخالطتهم أو مكالمتهم، وكانت تقول لنا: إن هؤلاء نجس، ونجاستهم تفوق نجاسة الكلاب والخنازير!

أبلغت الأخ العربي بما جرى لي فهدّأ من ثورتي، ورجاني ألا أغضب، وطلب مني أن أمهله عدة أيام ريثما يتصل بإحدى الجمعيات الإسلامية التي تتخذ مدينة نيروبي العاصمة مركزا لها لدراسة مشكلتي والنظر في قضيتي.

واتصل الأخ المذكور فعلا بالجمعية وهي جمعية الشبان المسلمين التي سعت بدورها إلى «جمعية تعليم القرآن» بمدينة ممباسا لتمكيني من الحصول على منحة دراسية لمواصلة تعليمي بالمرحلة الثانوية، وطلب سكرتير جمعية «تعليم القرآن» شهادة إكمالي للدراسة الابتدائية وتم إرسال تلك الشهادة إليها بواسطة «جمعية الشبان المسلمين».

انبعث الأمل المتلاشي في نفسي من جديد، وطغت الفرحة على قلبي، إلا إن القلق لا يزايلني وأنا أنتظر رد «جمعية تعليم القرآن» على طلب قبولي بإحدى معاهدها.. ترى لو لم أتمكن من مواصلة تعليمي ما هو المستقبل المجهول الذي ينتظرني؟ وماذا سيؤول إليه حالي لو ضاعت مني هذه الفرصة الغالية التي لا تعوض؟ إنني لا أملك ما أواجه به مشاكل الحياة سوى العلم.. والعلم وحده!

فأبي لم يترك لي ثروة ولا أرضا ولا عقارا.. وما لم أتسلح بالعلم وأتزود منه ما يكفيني لتحمل أعباء الحياة فإن مصيري إلى التشرد والضياع- والعياذ بالله.. غير أن أملي في الله كبير.. وثقتي في رحمته قوية.. فقد خلقني، ورزقني منذ أن كنت طفلا يتيما لا حول لي ولا قوة، وأنا الآن واثق أنه لن يتركني في مهب العواصف ولن يضيعني.

الرابط المختصر :