العنوان عن التحديات التي تواجه الحركة الإسلامية (1من ٢)
الكاتب راشد الغنوشي
تاريخ النشر السبت 18-سبتمبر-2010
مشاهدات 70
نشر في العدد 1919
نشر في الصفحة 66
السبت 18-سبتمبر-2010
يندرج تحت مفهوم الحركة الإسلامية طيف واسع من الجماعات والشخصيات وحتى الدول الذين يؤمنون بالإسلام عقيدة وشريعة شعائر وأخلاقا دينا ودولة ويعملون بذلك في أنفسهم وفي محيطهم الخاص والعام؛ حتى يسود هذا التصور ويعلو باعتباره كلمة الله الأخيرة ودينه الأمثل وصراطه المستقيم الهادي من اتبعه إلى السعادة في الدارين، أوجبه سبحانه على عباده وهداهم بكل الرسل إليه وآخرهم النبي العربي محمد رسول الله عليهم جميعا صلوات الله وسلامه.
فكل المنتسبين لهذا التصور والناذرين حياتهم ليسود في أنفسهم ومحيطهم أفرادًا وجماعات جزء مما يعرف بالحركة الإسلامية، فما التحديات التي تواجه هؤلاء؟ كثيرة ولا شك، لأن أهدافهم جسام أن يغيروا عالمًا لا يسير في معظمه وفق هذا التصور بين قوى معادية له عن علم أو جهل وبين أخرى لا مبالية به قوى لا يقتصر نفوذها على بلاد غير منتسبة للإسلام، بل يتعداها إلى معظم البلاد التي تنتسب إليه جهلًا أو نفاقًا فتشارك في الكيد له ولدعاته، وهو ما جعل الإسلام يعيش نوعًا من اليتم والغربة بعد انهيار الكيان السياسي العقدي الجامع للأمة والناطق باسمها الذاب عنها يستمد من ذلك شرعيته.
لقد نجح أعداء الإسلام في الإطاحة بذلك الكيان، فتشظى الاجتماع الإسلامي وتمزق شر ممزق، فتم اختراق الأمة الإسلامية على كل المستويات وخصوصًا في مستوى النخبة التي أمكن لأعداء الإسلام تنشئتها على أيديهم ومكنوها - على قلتها بالقياس لعامة الجماهير المؤمنة - من مفاصل ومراكز القوة والنفوذ في عالم الإسلام، فهي في واد والجماهير في واد آخر وهذا هو التحدي الأول: إنتاج نخبة إسلامية على كل صعيد نخبة مؤمنة بالإسلام عقيدة وشريعة ناذره نفسها لرسالته فكرًا وعملا، بما يكفل استعادة الإجماع الغائب في الأمة في مجتمعات الإسلام بين النخبة والجماهير، فتكون القيادة في كل المستويات من الأمة تحمل تصوراتها وهمومها، فتطيعها عن وعي وحب لأنها تطيع نفسها تطيع خالقها الذي أمرها أن تطيع قيادة منها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَسُولَ وَأَوْلِي الْأَمْرِ منكم﴾ (النساء: ٥٩)، وهي اليوم ليست منا بل علينا. إن من أكبر التحديات أمام الحركة الإسلامية إنتاج نخبة إسلامية واسعة تغطي كل المجالات على أساس التصور المذكور حاملة لرسالة الإسلام في بسط هذا الوعي برسالته وتعبئة أوسع قطاعات الأمة وتوحيد صفوفها وراء الهدف الأعظم تحكيم شريعة الإسلام في بلاد الإسلام، بما يكفل ردم الهوة السحيقة القائمة في معظم بلاد الإسلام بين الدولة والأمة وبما يحقق أقدارًا ومستويات من الوحدة ومن التمثيلية الشعبية والتطبيق الإسلامي باعتبار الإسلام ووحدة أمته، أيديولوجية الدولة والأمة.
مشكلة الأمة الكبرى والأولى اليوم أن الدولة ضد الأمة كما ذكر أحد المفكرين.. غياب دولة الأمة بمعنيين: الدولة التي تحمل فكرتها والتي تمثل إرادتها، فلا تكون قطرية ولا علمانية ولا منافقة بالإسلام تستخدمه بدلًا أن تخدمه.
يقف في طريق هذا الهدف الكبير ميزان قوة دولي متغلب بعد أن نجح في هدم آخر كيان تمثيلي للأمة يقف حارسًا بأساطيله الضخمة للحيلولة دون قيام هذا الكيان مجددًا، والأمة منذ قرنين وهي تصارعه وتقاومه ولا تستسلم له رغم ميل ميزان القوة المادية لصالحه، ولكن بقوة معنوية تعززها قوى مادية بسيطة أمكن للأمة أن تطرد من أرضها جحافل العدو المدججة بأعتى الأسلحة وشبابها المجاهد يطارد بقاياه، ولن يلبث حتى يدحرها بإذن الله.
فالحرب قبل كل شيء صراع إيرادات واستعدادات للتضحيات وإيرادات الأمة واستعداداتها للبذل في تصاعد وعلى الضد من ذلك معنويات العدو.
ومن التحديات الفكرية الداخلية مذاهب التشدد في بعض أوساط الحركة الإسلامية بأثر رد الفعل، تنشر التكفير والضيق بالخلاف والتعدد، وما ينتج عن ذلك من تمزيق للاجتماع الإسلامي، وحرب أهلية بين المذاهب، سنة وشيعة صوفية وسلفية بما لا تبقى معه فضل طاقة المحاربة العدو، ولطالما حذرنا رسول الله من تكفير المسلم وقتاله ومذاهب التشدد منذ الخوارج ما كان لها قتال معتبر وإثخان إلا في المسلمين.
ومع أن التشدد صوته عال بفعل نفخ أبواق العدو فيه، يبقى أقلية وسط التيار الإسلامي الواسع المعبر عن عموم الأمة بكل مذاهبها.